عن رحمة مزيفة و ذاكرة مثقوبة : رسالة الى ملك اسبانيا

كان أولى بك أيها الملك أن تنحني أمام قبور سكان أمريكا الجنوبية إن كان لهم قبور أصلا، فمئات الآلاف من سكان حضارة الإنكا و الأزتيك ممن أبيدوا نتيجة للصدام العسكري و الغزو المسلح دفنهم أسلافك جماعات دون شواهد ولا قبور و الأمراض والأوبئة التي نقلتموها معكم من أوروبا مثل الجدري والحصبة والإنفلونزا ولم تكن لدى السكان الأصليين مناعة ضدها أدت إلى وفات أعداد هائلة شكلت النسبة الأكبر من الضحايا. كما أن العمل القسري و استسخار السكان المحليين في المناجم وأعمال السخرة والزراعة في ظروف قاسية ولا إنسانية أدت لمقتل الآلاف منهم.
كان الأجدرُ بك أيها الملك أن تنحني أمام قبور سكان الأندلس الذين ولدوا و نشأؤوا هناك، فضحايا الطرد القسري والتهجير الجماعي ما بين (1609 – 1614) بلغ بين 275,000 إلى 300,000 مورسكي تم تهجيرهم قسراً وتشريدهم خارج إسبانيا نحو بلدان شمال إفريقيا حيث قضى عشرات الآلاف منهم أثناء رحلات النفي القسري الطويلة والظروف القاسية التي رافقت طردهم. أما من بقي منهم بينكم فقد تعرضوا للمحاكمة والتعذيب الممنهج وفق ما كان يعرف آنذاك بمحاكم التفتيش ومصادرة الأموال والأملاك والتطهير الثقافي والديني، مما أدى إلى وفاة أعداد كبيرة داخل السجون السرية وتحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي والإرهاق جراء الأعمال القسرية.
كان أولى و أكثر إنسانية أن تنحني أيها الملك أمام قبور المغاربة من سكان الريف المغربي حيث خلفت المعارك الطاحنة التي قام بها أسلافك القريبين، وعلى رأسها معركة أنوال الشهيرة (1921) وما تلاها من حملات عسكرية إسبانية-فرنسية مشتركة لإخضاع القبائل، آلاف القتلى والجرحى في صفوف المجاهدين والمدنيين الريفيين الذين دافعوا عن أراضيهم بإمكانيات بسيطة في مواجهة جيش نظامي ضخم مدجج بأحدث الأسلحة.
كما أنه و بعد الصدمة و الهزيمة الكبيرة التي مُنِي بها جيشكم في معركة أنوال، لجأ أسلافك إلى استخدام الأسلحة الكيماوية والغازات السامة على نطاق واسع ضد المدنيين والأسواق والقرى والأراضي الزراعية.
أو تعلم ماذا خلّف ذلك أيها الملك الرحيم؟
استهدفت الغازات السكان العُزّل بشكل مباشر، مما أدى إلى موت الآلاف اختناقاً وتسمماً بصورة جماعية فجائية. كما امتدت آثار تلك المواد السامة لعقود طويلة؛ حيث تسجل منطقة الريف إلى يومنا هذا نسب إصابة عالية جداً بمرض السرطان وتشوهات خلقية ووراثية بين المواليد في بعض الدواوير والقرى التي تعرضت للقصف الكيماوي التاريخي. و قد أدت سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها قوات الاحتلال الإسباني إلى تدمير البنية التحتية، وإحراق المحاصيل الزراعية وتسميم الآبار، مما أدى إلى موجات نزوح جماعية وتهجير قسري لمئات الآلاف من السكان نحو مناطق أخرى، وتفشي المجاعات والأوبئة التي فتكـت بالشيوخ والنساء والأطفال.
ثم أخيراً، الأرض التي قمت بزيارتها هي أرض مغربية تقع في إفريقيا، فماذا تفعل إسبانيا في إفريقيا؟
و الحقيقة أيها الملك، أنكم غُزاة مُحتلون لأرض الغير بغير حق.
لذلك كان الأجدرُ بك أيها الملك أن تنحني أنت و زوجتك و أن تُصدر دولتك قرار اعتراف و طلب عفو عن الجرائم التي ارتكبتموها بحق سكان أمريكا الجنوبية.
كان على دولتك أيها الملك أن تعترف بجرائم الطرد التعسفي و مصادرة الأملاك و التعذيب الوحشي و القتل التي قمتم بها ضد سكان الأندلس ممن ولدوا و ترعرعوا هناك.
كان على إسبانيا أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية أما سكان الريف ضحايا الأسلحة الكيماوية التي لا زالوا يعانون الويلات من آثارها المدمرة على صحتهم و تفشي السرطانات بمختلف أنواعها بينهم، إسبانيا أيها الملك عليها أن تتحمل مسؤوليتها غير منقوصة أمامهم بتعويضهم عما عانوه و بالتكفل بعلاجهم، و ذلك أضعف الإيمان.
إسبانيا أيها الملك مُلزمة بقوة القانون الدولي أن تُرجع الأرض لأصحابها، فسبتة و مليلية مدينتين احتلهما أسلافك و هي حقيقة تاريخية لا يمكنك إنكارها، و هرولة رئيس حكومتك إلى الاتحاد الأوروبي لاستجداء العون و انتزاع قرار يُدين المغرب لا يغير حقيقة أن المدينتين محتلتين و مسلوبتين من وطنهما الأم المغرب، فمن تضامن اليوم معك من الأوروبيين كانوا هم أنفسهم من قسموا الكعكة خلال الحملات الإمبريالية فلا غرابة أن تتكلموا اليوم بلسان واحد.
اترك تعليقاً