
تجدد النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب، وسط دعوات حقوقية إلى الانتقال من وقف تنفيذها الفعلي إلى إلغائها بشكل نهائي من المنظومة التشريعية الوطنية، ومطالب بجعل هذا الورش ضمن الأولويات التشريعية للحكومة والبرلمان، في مقابل تحذيرات من تطورات دولية اعتبرها حقوقيون انتكاسات تهدد المكتسبات المرتبطة بحماية الحق في الحياة.
وخلال ندوة صحفية بمقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الثلاثاء، خصصت لموضوع إلغاء عقوبة الإعدام، دعت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى تجاوز مرحلة التوقف الفعلي عن تنفيذ هذه العقوبة نحو إلغائها قانونيا، مؤكدة أن النقاش لا يتعلق فقط بالعدالة الجنائية، بل يمس الكرامة الإنسانية والحق في الحياة وحدود سلطة العقاب حين يتعلق الأمر بحق لا يمكن استعادته بعد فقدانه.
وفي السياق ذاته، سلط المحامي والحقوقي عبد الرحيم الجامعي الضوء على ما وصفه بـ”انكسارين” و”غبطتين” في المسار الدولي لمناهضة عقوبة الإعدام، مستحضرا تطورات اعتبرها مقلقة، مقابل خطوات رأى فيها مؤشرات إيجابية، من بينها التطور الذي عرفه لبنان وإعلان احتضان مراكش المؤتمر العالمي الحادي عشر لإلغاء عقوبة الإعدام سنة 2029.
من جهته، وصف رافاييل شنوهازان، المدير العام لمنظمة “جميعا ضد عقوبة الإعدام”، المرحلة الراهنة بالتاريخية بالنسبة إلى المغرب، فيما عبر دانييل، ممثل الأمم المتحدة، عن أمله في أن يشكل المؤتمر المرتقب محطة لإعلان انحياز المملكة بشكل واضح إلى خيار حماية الحياة وإلغاء العقوبة.
بوعياش: إلغاء الإعدام اختبار لإنسانية المجتمع
وأكدت أمينة بوعياش أن اختيار المجلس الوطني لحقوق الإنسان فتح النقاش حول إلغاء عقوبة الإعدام يأتي انطلاقا من اعتبار هذه القضية اختبارا لإنسانية المجتمع، وفرصة للتساؤل عن حدود سلطة العقاب عندما يتعلق الأمر بحق لا يمكن تداركه بعد فقدانه.
وشددت على أن مناقشة إلغاء العقوبة لا تعني نسيان الجريمة أو التقليل من خطورتها، ولا التخفيف من وطأتها أو المساواة بين الضحية والجاني، وإنما تعني رفض جعل سلب الحياة إحدى آليات العدالة، مع الحرص على حماية المجتمع والحفاظ على البعد الإنساني.
وأوضحت بوعياش أن المغرب راكم، منذ سنة 2019، مجموعة من المكتسبات في مسار مناهضة عقوبة الإعدام، من بينها استمرار التوقف الفعلي عن تنفيذها لمدة ثلاثة وثلاثين سنة، والتنصيص دستوريا على الحق في الحياة، فضلا عن التصويت داخل اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدعو إلى وقف استخدام هذه العقوبة.
واعتبرت أن استضافة المغرب المؤتمر العالمي الحادي عشر لإلغاء عقوبة الإعدام، بمدينة مراكش سنة 2029، تشكل محطة مهمة لتعزيز النقاش الحقوقي بشأن هذه القضية، وتوسيع نطاقه على المستويين العربي والإفريقي.
وفي حديثها عن خلفيات الجريمة، أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن الفعل الإجرامي لا ينشأ بالضرورة عن مسار واحد، بل تتداخل في إنتاجه عوامل اجتماعية واقتصادية وإنسانية متعددة، وهو ما يستدعي فهم الظروف التي تسبق ارتكاب الجريمة، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تسهم في الوقاية والإصلاح والتأهيل وحماية المجتمع.
وأضافت أن المجلس سبق أن نشر، سنة 2022، شهادات لمحكومين بالإعدام، بهدف توسيع النقاش العمومي ليشمل تجارب هؤلاء الأشخاص ومساراتهم، وليس فقط مآسي المحكومين، مؤكدة أن هذا التوجه لا يرمي إلى التساهل مع الجريمة أو المساواة بين الضحية ومرتكب الفعل، وإنما إلى فهم أسباب الجريمة وتعقيداتها.
واستحضرت بوعياش، في هذا السياق، العفو الملكي الذي شمل 240 شخصا على مدى ربع قرن، من بينهم نحو 185 خلال السنوات الخمس الأخيرة، معتبرة أن هذه المبادرات تعكس توجها نحو حماية إنسانية الإنسان المغربي وتكريس المبدأ الدستوري المتعلق بالحق في الحياة.
ودعت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان الحكومة والبرلمان إلى جعل إلغاء عقوبة الإعدام ضمن الأولويات التشريعية، والانتقال من عدم تنفيذها إلى الإلغاء القانوني الصريح، بما ينهي حالة التردد التشريعي المستمرة منذ المصادقة على دستور المملكة.
الجامعي يحذر من انتكاسات دولية
من جهته، توقف المحامي والحقوقي عبد الرحيم الجامعي عند ما وصفه بـ”انكسارين” و”غبطتين” في المسار الدولي لمناهضة عقوبة الإعدام، مسلطا الضوء على تطورات قال إنها تعكس التناقض بين التقدم المحرز في حماية الحق في الحياة والقرارات التي تهدد هذا الحق.
وأوضح الجامعي أن الانكسار الأول يرتبط بالقانون الذي صُوّت عليه في 30 مارس، والمتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام شنقا على فلسطينيين محكوم عليهم بها، معتبرا أن هذا التوجه يثير إشكالات حقوقية مرتبطة بالتمييز وبضمان الحماية المتساوية للحق في الحياة، ومؤكدا ضرورة رفض عقوبة الإعدام أيا كانت هوية المحكوم عليه.
أما الانكسار الثاني، فيتعلق، وفق مداخلته، بإعلان مفاجئ للإدارة الأمريكية عن توجه يقضي بتنفيذ حكم الإعدام في حق المحكوم عليه حسن رميا بالرصاص أمام الجمهور ووسائل الإعلام الحديثة، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراجع عن هذا القرار.
وفي المقابل، سجل الجامعي ما وصفه بـ”غبطتين”، تتمثل الأولى في التطور الذي عرفه لبنان خلال شهر ماي، من خلال التصويت بالأغلبية لصالح إلغاء عقوبة الإعدام، معتبرا ذلك خطوة تفتح المجال أمام تعزيز التوجه نحو التخلص من هذه العقوبة.
وتتعلق الغبطة الثانية بإعلان المغرب استضافة المؤتمر العالمي الحادي عشر لمناهضة عقوبة الإعدام بمدينة مراكش سنة 2029، وهو الموعد الذي اعتبره فرصة لمواصلة النقاش الحقوقي وتوسيع دائرة الدول المنخرطة في هذا المسار.
شنوهازان: المغرب أمام لحظة تاريخية
من جانبه، اعتبر رافاييل شنوهازان، المدير العام لمنظمة “جميعا ضد عقوبة الإعدام”، أن المرحلة الراهنة تمثل لحظة تاريخية بالنسبة إلى المغرب، مشيرا إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن أمرا سهلا، وأن المملكة ظلت حاضرة في النقاشات والجهود الدولية الرامية إلى مناهضة عقوبة الإعدام.
واستحضر شنوهازان محطة سنة 2014، حين احتضنت مدينة مراكش مؤتمرا دوليا جمع حقوقيين وفاعلين من مختلف أنحاء العالم حول هدف مشترك يتمثل في مناهضة عقوبة الإعدام، مبرزا أهمية استمرار هذا الالتزام وتطويره خلال المرحلة المقبلة.
كما أشار إلى حضور ممثلين عن عدد من الدول الإفريقية في اللقاء، موجها التحية إلى الشباب المشاركين، وداعيا مكونات المجتمع المدني إلى مواصلة النقاش والترافع من أجل إلغاء عقوبة الإعدام وتعزيز ثقافة احترام الحق في الحياة.
انضمام المغرب إلى الدول الملغية للعقوبة
بدوره، ربط دانييل كولمان، ممثل الاتحاد الأوروبي، هذه المناسبة بتخليد اليوم العالمي لحقوق الإنسان، مؤكدا ضرورة استحضار البعد الإنساني وراء كل حكم بالإعدام، ومجددا الأمل في أن ينضم المغرب إلى الدول التي اختارت إلغاء هذه العقوبة.
وأعرب كولمان عن تطلعه إلى أن يشكل المؤتمر العالمي المرتقب بمدينة مراكش سنة 2029 محطة يكرس فيها المغرب اختياره حماية الحق في الحياة، وأن يكون البلد الذي يعلن بوضوح الانتصار لخيار الحياة بدل عقوبة الإعدام.
اترك تعليقاً