حرباء المنابر .. مبادئ على المقاس

تثير بعض المواقف الإعلامية سؤالا جوهريا عن العلاقة بين المبادئ والمصالح: كيف ينتقل صحفي من التشكيك في شخص، ونبش ماضيه، والمشاركة في تأجيج الجدل حوله، إلى الدفاع عنه والدعوة إلى التسامح معه، من دون مراجعة علنية لخطابه السابق؟ يضع هذا التحول صدقية الصحفي أمام اختبار أخلاقي، ويفرض مساءلته عن أسباب تغير موقفه وعن استعداده لتحمل تبعات تصريحاته السابقة. فالمبدأ الذي يتغير تبعا للمصلحة يفقد قيمته الأخلاقية، ويغدو وسيلة للتأثير في الجمهور بدل أن يكون مرجعا يضبط القول والفعل.
تمنح هذه المفارقة مشهدًا بصريًا لافتًا: ملامح غاضبة تتقمص دور الناقد، ودموع تستدر التعاطف، ونظرات تثير الريبة، وابتسامات تحتفي بالمكاسب. وتتبدل الأقنعة وفق مقتضيات المشهد، فيما يغيّر صاحب المنبر موقفه ونبرته تبعًا لما يخدم مصالحه. وتبرز دلالة الصورة في اجتماع هذه التعبيرات المتناقضة حول شخص واحد؛ فهي تصور خطابًا يتلون مع اتجاه الرأي العام، ويستثمر الانفعالات المتباينة لضمان الحضور واستمالة المتابعين. وهكذا تصبح المبادئ خيارات قابلة للتبديل وفق ما تقتضيه المصلحة.
وتغذي المنافسة الرقمية هذا السلوك، لأن الإثارة تجذب الانتباه، والجدل يرفع نسب المشاهدة، والأحكام الحادة تستثير التفاعل. ومع اشتداد التنافس على جذب الجمهور، تتحول قضايا الأشخاص العموميين إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، ويغري البحث عن الانتشار بعض صناع المحتوى بالتنقيب في الماضي الشخصي وإعادة تداول تفاصيل قد لا تخدم المصلحة العامة. ويخلط هذا السلوك بين حق الجمهور في معرفة الوقائع ذات الصلة بالشأن العام وبين استغلال الحياة الخاصة لإشباع الفضول. ومع تحويل معاناة الأشخاص إلى وسيلة لجذب المتابعين، تتضرر كرامتهم وتتراجع ثقة الجمهور في الخطاب الإعلامي.
وثمة جانب آخر يستحق التأمل، يتعلق بسلطة المنابر الإعلامية في تشكيل الذاكرة العامة. فالصحفي لا يشارك في نقل الوقائع فحسب، وإنما يسهم أيضا في تحديد ما يستقر منها في أذهان الناس، وما يتحول إلى وصمة تلاحق أصحابها. وقد تستغرق صناعة صورة سلبية دقائق من البث والتعليق، بينما يحتاج الشخص المعني إلى سنوات لاستعادة اعتباره. وتزداد المفارقة حدة عندما ينتقل صاحب المنبر إلى قضية أخرى، فيما تبقى الصورة التي ساهم في رسمها حاضرة في ذاكرة الجمهور، وتستمر آثارها في حياة الشخص المستهدف. فالانتباه الإعلامي عابر في كثير من الأحيان، لكن نتائجه قد تطول، وهذا ما يفرض مراعاة التناسب بين مدة تداول الخطأ، وحجم المصلحة العامة في استحضاره، والضرر الذي يلحق بالشخص المعني. فالمجتمع الذي يحتفظ بأخطاء أفراده، من دون أن يمنحهم فرصة لاستعادة اعتبارهم، يحول الذاكرة من أداة للفهم والمساءلة إلى سجل دائم للإدانة.
وتبلغ المفارقة الأخلاقية ذروتها عندما ينتقل الصحفي من المشاركة في التشهير بشخص إلى الدعوة للصفح واحترام الخصوصية. فتغيير الموقف حق مشروع، وقد يعكس مراجعة صادقة للقناعات، شريطة أن يصاحبه اعتراف بأثر الخطاب السابق، وتوضيح لأسباب التحول، واعتذار متى اقتضت الوقائع ذلك. أما تبديل النبرة استجابة لاتجاه الرأي العام، مع التنصل من المسؤولية السابقة، فيثير الشكوك حول دوافع التحول. فالمراجعة الأخلاقية تقتضي مواجهة الماضي المهني وتحمل تبعاته، لا الاكتفاء بخطاب جديد يستميل الجمهور.
ولا تمنح القيم الإنسانية صاحب الخطاب حصانة من النقد. فالكرامة والتسامح والحق في بداية جديدة مبادئ تستحق الدفاع عنها في جميع الأحوال، وتفقد الدعوة إليها صدقيتها عندما يستخدمها صاحبها انتقائيا لحماية صورته الشخصية. كما أن الاعتذار لا ينتقص من مكانة الصحفي؛ فهو يبرهن على إدراكه أثر الكلمة واستعداده لتحمل نتائجها. ومن يدعو إلى طي صفحة الماضي مطالب أيضا بمواجهة دوره في تشكيله. فالشخص الذي تعرض للتشهير يستحق الإنصاف، والصحفي الذي شارك في التشهير مطالب بمراجعة سلوكه، ولكل منهما حق في المساءلة وفق الوقائع.
وتفرض أخلاقيات الصحافة التحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، ومراعاة التناسب بين المصلحة العامة والضرر المحتمل. فحرية التعبير تمنح الصحفي حق النقد، وتضع على عاتقه مسؤولية تقدير عواقب خطابه. ولا تبرر الشهرة أو المنافسة أو ضغط الجمهور نشر معلومات تمس كرامة الأفراد من دون مسوغ مهني واضح. كما أن التضامن اللاحق لا يمحو أثر المشاركة السابقة في التشهير؛ فالمسؤولية ترتبط بالأفعال والتصريحات، وتقتضي معالجة الخطأ بدلا من الاكتفاء بإعلان موقف جديد.
ولا تكتمل قراءة هذه الظاهرة من دون مساءلة الجمهور الذي يساهم بدوره في توسيع دائرة التشهير، عندما يتداول المقاطع المهينة والتفاصيل الشخصية بدافع الفضول، ثم ينتقد الصحفي الذي نشرها. فالتفاعل مع المحتوى المسيء يمنحه انتشارا إضافيا، حتى لو اتخذت المشاركة طابع الاستنكار. وتمنح هذه الممارسة صناع المحتوى حافزا لمواصلة الإثارة، ما دامت المشاهدات والتعليقات تحقق لهم الحضور والمكاسب. وتبدأ مسؤولية المتابع بمراجعة أثر مشاركته، فرفض التشهير يستوجب الامتناع عن ترويج مادته.
يبقى السؤال الجوهري: ما قيمة المبادئ إذا اختار صاحب المنبر منها ما يناسب مصلحته في كل مرحلة؟ يستطيع الجمهور أن يقدر المراجعة الصادقة، وأن يحترم الاعتراف بالخطأ، مع احتفاظه بحقه في مساءلة الصحفي عن التناقض بين أقواله وممارساته. فالمبادئ ليست أقنعة موسمية، والصفح لا يلغي المسؤولية، والتضامن بعد الإسهام في الأذى يحتاج إلى اعتراف صريح ومراجعة مسؤولة. أما تبديل المواقف وفق اتجاه المصالح، مع انتظار أن تنسى الذاكرة العامة ما سبق، فيضع صدقية الخطاب أمام اختبار أخلاقي تحسمه شجاعة الاعتراف والقدرة على تحمل التبعات.
اترك تعليقاً