سياسة

الماء والكهرباء ومليون منصب.. تقرير يرصد تعارضات غير محسومة في البرنامج الحكومي

الماء والكهرباء ومليون منصب.. تقرير يرصد تعارضات غير محسومة في البرنامج الحكومي

كشف المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) عن تعارضات محتملة بين عدد من الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، معتبرا أن التحدي لا يرتبط فقط بمدى وفاء الحكومة بأهدافها المعلنة، بل أيضا بقدرتها على التوفيق بين قطاعات تتنافس على الموارد نفسها، في مقدمتها الماء والكهرباء والتمويل العمومي والكفاءات، في ظل غياب آلية واضحة للتحكيم بين الأولويات المتقاطعة.

وأوضح المركز، في تقرير استراتيجي بعنوان “البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ”، أن الوثيقة الكاملة للبرنامج تتضمن 74 هدفا كميا، مقابل 25 هدفا في نص العرض المقدم أمام البرلمان، غير أن 20 هدفا فقط تقترن بخطوط أساس مصرح بها داخل النص، بينما يفتقر 40 هدفا إلى أجل صريح أو دورية سنوية للإنجاز، وهو ما يطرح أسئلة بشأن شروط قياس التقدم المحقق ومدى قابلية الالتزامات للتقييم والمساءلة.

وأضاف التقرير أن البرنامج الحكومي يجعل “الالتقائية الفعلية بين القطاعات” شرطا لنجاح الولاية، لكنه لا يتضمن آلية للتحكيم بين الالتزامات عندما تتنافس على الموارد نفسها، ولا ميزانا موحدا يحدد الطلب المتوقع على الماء والكهرباء والكفاءات، معتبرا أن الانتقال من إعلان الأولويات إلى تنفيذها يقتضي تحديد قواعد واضحة لترتيبها والتوفيق بينها.

وأبرز المركز، في هذا السياق، أن مشاريع تحلية المياه تمثل أحد الاختبارات التي تكشف حجم التقاطع بين الأهداف الحكومية، إذ إن إنتاج أكثر من 1.8 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنويا في أفق 2031 قد يتطلب ما بين 5.4 و9 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويا، أي ما يعادل 11 إلى 18 في المائة من الطلب الوطني على الكهرباء المسجل سنة 2025، وفق حسابات التقرير.

وأشار إلى أن هذا الاحتياج الطاقي يتقاطع مع رهانات أخرى، تشمل تطوير مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والهيدروجين والصناعة الخضراء، في وقت لا يذكر فيه البرنامج الحكومي مراكز البيانات صراحة، رغم ما تطرحه من احتياجات كهربائية، وهو ما دفع المركز إلى الدعوة إلى احتساب الأحمال الجديدة قبل تقييم مدى انسجام المشاريع الاستراتيجية مع الأهداف الوطنية في مجال الطاقة.

وربط التقرير هذا الإشكال بضرورة تجاوز قياس السيادة الاستراتيجية بحجم الاستثمارات والمنشآت المعلنة، نحو تقييم القدرة الفعلية على إنتاج الموارد وتوزيعها وتوظيفها في الاقتصاد. وشدد على أهمية التمييز بين القدرة الكهربائية المركبة والإنتاج الفعلي، وبين الطاقة الاستيعابية لمحطات التحلية وكميات المياه المنتجة والموزعة، مع ربط هذه المؤشرات بالأثر الاقتصادي والتكنولوجي والقدرات الوطنية المكتسبة.

وفي ملف التشغيل، سجل المركز أن البرنامج الحكومي يتضمن هدف إحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة سنة 2031، بالتوازي مع رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة 50 في المائة على الأقل. غير أن التقرير نبه إلى أن المليون منصب يتكون من خمسة مكونات، لا يوصف منها بالصافي إلا 250 ألف منصب في الصناعة، فيما يرتبط 360 ألف منصب بكأس العالم 2030.

وأوضح أن بلوغ المليون منصب يقتضي إحداث نحو 200 ألف منصب سنويا، مقابل متوسط صاف بلغ 23.5 ألف منصب سنويا خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، وفق حسابات المركز. واعتبر أن تقييم هذا التعهد يستلزم توضيح طبيعة المناصب المحتسبة، والتمييز بين فرص الشغل الصافية وأعداد المستفيدين من برامج التكوين والتجارب المهنية، فضلا عن قياس استمرارية المناصب وجودتها ومدى انتقال المستفيدين فعليا إلى سوق الشغل.

ولفت التقرير إلى أن إدراج 270 ألف منصب في ترحيل الخدمات ضمن مكونات هدف المليون منصب يثير بدوره أسئلة بشأن أثر الذكاء الاصطناعي على هذا القطاع، خاصة أن برنامجا للبنك الدولي يستهدف 30 ألف منصب شغل صاف في القطاع نفسه وفي الأفق الزمني ذاته. واعتبر أن هذا التقاطع يفرض إدماج التحولات التكنولوجية في تقدير فرص التشغيل، بدل الاكتفاء بجمع الأهداف المعلنة دون اختبار مدى اتساقها مع التغيرات المحتملة في سوق العمل.

وفي المجال الفلاحي، رصد المركز تعارضا محتملا بين التوجه إلى تقييد الصادرات لحماية الأسعار في السوق الداخلية، والهدف المتمثل في مضاعفة الصادرات الفلاحية، مشيرا إلى أن البرنامج لا يحدد قاعدة واضحة للتحكيم بين الاعتبارين. كما سجل أن الماء نفسه مطلوب لتلبية حاجيات الشرب والفلاحة والصناعات الجديدة، بينما أُرجئ تحديد قواعد توزيعه إلى مخطط لم يصدر بعد، ما يجعل ترتيب الأولويات بين الاستعمالات المختلفة مسألة أساسية في اختبار قابلية الالتزامات للتنفيذ.

وامتدت ملاحظات التقرير إلى القوة الناعمة، التي وردت في البرنامج الحكومي دون ميزانية أو مؤشر لقياس النتائج أو تحديد جهة تقود هذا التوجه، وإلى المالية العمومية التي قد تتعرض لضغط مزدوج عند وقوع صدمات خارجية، من خلال ارتفاع الحاجة إلى الدعم الاجتماعي وتراجع المداخيل في الوقت نفسه.

وفي هذا الإطار، قارن المركز بين هدف تحقيق متوسط نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031 وتوقعات بنك المغرب التي رجحت نموا بنسبة 2.9 في المائة سنة 2027. وأشار إلى أن بلوغ الهدف الحكومي يستلزم تسارعا ملموسا في النمو خلال السنوات اللاحقة، بالتوازي مع تمويل الالتزامات الاجتماعية المتكررة والحفاظ على التوازنات المالية، في وقت لا تتضمن فيه الوثيقة الكاملة كلفة إجمالية للبرنامج أو جدولا شاملا لمصادر تمويل التزاماته.

وسجل التقرير أن البرنامج يتضمن تعهدات اجتماعية تشمل رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم، إلى جانب أهداف في الصحة والتعليم والسكن، لكنه شدد على أن تقييم هذه الالتزامات يقتضي تحديد كلفتها الإجمالية والإضافية، وشروط الاستفادة منها، والجدولة الزمنية لتنفيذها، ومصادر تمويلها.

كما اعتبر أن ميزانية 2027 تشكل الاختبار الأول لقدرة الحكومة على ترتيب الأولويات وتكييف الاعتمادات المالية ضمن هامش زمني ضيق، فيما تمثل ميزانية 2028 اختبارا أشمل لمدى إدماج الالتزامات الحكومية في برمجة مالية وتنفيذية متكاملة.

وخلص المركز إلى أن البرنامج الحكومي يتسم بالتماسك في أولوياته ويتضمن أهدافا كمية أوسع مما ظهر في العرض البرلماني، لكنه لم يستكمل بعد الشروط المالية والقياسية اللازمة للحكم على إمكانية تحقيق التزاماته في مجموعها. ودعا إلى اعتماد اختبار مسبق لاتساق الاستراتيجيات القطاعية، وإعداد ميزان وطني سنوي للموارد الاستراتيجية يرفق بمشروع قانون المالية، مع إرساء قاعدة معلنة للتحكيم بين الأولويات لدى رئاسة الحكومة.

وأكد التقرير أن سنة الإرساء التي أعلنتها الحكومة تمثل محطة حاسمة لنشر المؤشرات المرجعية لسنة 2026، والمسارات السنوية للإنجاز، والكلفة ومصادر التمويل والجهة المسؤولة عن كل التزام، على أن يتم حسم هذه العناصر قبل ميزانية 2028، بما يسمح بالانتقال من الالتزامات المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس والتحقق والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *