برنامج الحكومة الاقتصادي إلى 2031.. هل تتحول الأهداف المعلنة إلى مكاسب ملموسة للأسر المغربية؟

تضع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي أعلنتها رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، بشأن تحقيق نمو سنوي متوسط في حدود 5% خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، وخفض عجز الميزانية إلى أقل من 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، الاقتصاد المغربي أمام تحدي التوفيق بين تسريع النمو وتحسين القدرة الشرائية للأسر وضمان استدامة المالية العمومية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرزاق الهيري أن تحقيق هذه الأهداف يظل ممكنا، لكنه يرتبط بإطلاق إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية والتشغيل، وتحد من تأثر الاقتصاد بالتقلبات المناخية والأسواق الدولية، وتضمن انتقال آثار النمو إلى مستوى معيشة المواطنين، بدل الاقتصار على تسجيل مؤشرات إيجابية على المستوى الإجمالي.
وأوضح الهيري في تصريحه لجريدة “العمق”، أن بلوغ معدل نمو سنوي متوسط في حدود 5% يقتضي تنويع القاعدة الإنتاجية، وتسريع التحول الصناعي، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، إلى جانب الاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتعزيز تنافسية الصادرات المغربية. كما شدد على أهمية تقوية الأمن المائي والطاقي والغذائي، بالنظر إلى تأثير الجفاف والتغيرات المناخية في أداء الاقتصاد الوطني.
واعتبر أن تحقيق النمو المستهدف لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات المعبأة، بل كذلك بمدى قدرتها على رفع الإنتاجية وخلق فرص الشغل وتحفيز الطلب الداخلي، مؤكدا أهمية تحسين مناخ الأعمال وتوسيع مساهمة القطاع الخاص، مع ضمان توزيع أكثر إنصافا لثمار النمو.
التضخم وتراجع القدرة الشرائية
وبخصوص استمرار إحساس شرائح واسعة من الأسر المغربية بتراجع قدرتها الشرائية، رغم تباطؤ معدل التضخم، أوضح الهيري أن انخفاض التضخم لا يعني تراجع الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يشير أساسا إلى أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. وهو ما يفسر استمرار الضغط على ميزانيات الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود، التي تخصص حصة مهمة من مواردها للاستهلاك الأساسي.
وفي هذا الإطار، أشار أستاذ الاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إلى أن التدابير المعلنة، من قبيل تعزيز الدعم الاجتماعي المباشر الموجه إلى الأسر المستحقة، والرفع التدريجي للمبالغ المستفيدة منها من 500 إلى 1000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية، إلى جانب التعويضات الاجتماعية المرتبطة بفواتير الماء والكهرباء لفائدة الأسر المؤهلة، ومراجعة الضريبة على الدخل، يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء المعيشية.
غير أن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات، بحسب التحليل نفسه، يظل مرتبطا بمدى دقة استهداف المستفيدين، وفعالية التنفيذ، والقيمة الحقيقية للتحويلات المالية مقارنة بتطور تكاليف المعيشة.
كما يتطلب تحسين القدرة الشرائية تعزيز شفافية الأسواق، ومواجهة المضاربات والممارسات التي تحد من المنافسة، بما يساعد على الحد من الضغوط التي تتعرض لها أسعار المواد الأساسية.
وشدد الهيري على أن تقييم السياسة الاقتصادية في هذا المجال لا ينبغي أن يقتصر على معدل التضخم، بل يتعين أن يشمل تطور الأجور الحقيقية، وحصة النفقات الأساسية من دخل الأسر، وقدرتها على الادخار والاستهلاك، ومدى تحسن أوضاعها المعيشية بصورة ملموسة.
الاستثمار الخاص وعجز الميزانية
وفيما يتعلق برفع حصة الاستثمار الخاص إلى نحو ثلثي الاستثمار الوطني، مع حصر عجز الميزانية في أقل من 3% من الناتج الداخلي الإجمالي، يرى الهيري أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي تحسين مناخ الأعمال، وتقليص آجال المساطر الإدارية، وتيسير الولوج إلى التمويل، خصوصا بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن ضمان منافسة عادلة والحد من مظاهر الريع والاحتكار.
وأكد أن توسيع دور القطاع الخاص لا ينبغي أن ينفصل عن مسؤولية الدولة في توفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف الملائمة للاستثمار المنتج.
كما أن بلوغ النسبة المستهدفة من الاستثمار الخاص لا يكفي، في حد ذاته، للحكم على نجاح السياسة الاستثمارية، إذ يمكن أن ترتفع حصة القطاع الخاص حتى في حال تراجع الحجم الإجمالي للاستثمارات.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن تقييم النتائج يقتضي التمييز بين ارتفاع حصة الاستثمار الخاص وبين تطور حجمه الفعلي، ومدى مساهمته في خلق فرص الشغل وتحسين الإنتاجية وتوسيع القاعدة الصناعية والتصديرية.
أما بخصوص ضبط عجز الميزانية، فأبرز أهمية توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب، وإدماج الأنشطة غير المهيكلة تدريجيا في الاقتصاد المنظم، دون تحميل المقاولات الملتزمة والعمال المصرح بهم أعباء إضافية غير متوازنة.
كما دعا إلى تحسين نجاعة الإنفاق العمومي، مع تفادي أن يتم ضبط التوازنات المالية على حساب قطاعات أساسية، مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
واعتبر أن تحقيق التوازن بين الاستثمار العمومي والخاص يظل ضروريا، لأن مساهمة القطاع الخاص لا تعوض دور الدولة في تمويل البنيات التحتية والخدمات الضرورية للتنمية، بل يفترض أن تكملها وتزيد من أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
الأمن الغذائي.. مواجهة الجفاف وتقلبات الأسواق
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، لفت الهيري إلى أن الجفاف وندرة الموارد المائية وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل، إلى جانب اختلالات محتملة في التسويق والتوزيع، تشكل عوامل مؤثرة في أسعار المنتجات الغذائية وفي قدرة الأسر على الحصول عليها.
وأشار إلى أن معالجة هذه الإشكالات تستدعي تحسين تنظيم أسواق اللحوم والأسماك، ومراقبة مسارات التسويق والتوزيع، والتوفيق بين الصادرات وحاجيات السوق الداخلية، مع تعزيز الإنتاج الوطني وتحسين شروط المنافسة.
كما شدد على أن تحقيق السيادة الغذائية لا يعني بالضرورة إنتاج جميع المواد محليا، بل ضمان قدرة البلاد على توفير غذاء كافٍ وآمن ومستقر، مع تقليص مواطن الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير البذور المحلية، في ظل المعطيات التي تشير إلى رفع حصتها من 20% إلى 50%، إلى جانب إعادة تكوين القطيع الوطني وتعزيز المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية.
وأكد الهيري أن استعادة القطيع الوطني لا يمكن أن تتحقق بمجرد تقديم الدعم الظرفي، بل تستلزم تحسين الإنتاجية، وضمان توفر الأعلاف، وتطوير السلالات المحلية، وتعزيز الخدمات البيطرية، مع إيلاء اهتمام خاص لصغار الفلاحين باعتبارهم عنصرا أساسيا في المنظومة الإنتاجية.
كما أن تحسين الأمن الغذائي، وفق هذا التصور، يقتضي اعتماد مؤشرات عملية لقياس تطور المخزونات وحجم القطيع وإنتاجيته ومستويات الاكتفاء الذاتي، فضلا عن تتبع تطور أسعار اللحوم والأسماك مقارنة بمداخيل الأسر.
المعاشات وإصلاح أنظمة التقاعد
وبخصوص المعاشات، توقف الهيري عند الإعلان عن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم شهريا، معتبرا أن تحسين دخل المتقاعدين يظل رهينا كذلك بقدرة أنظمة التقاعد على ضمان تمويل مستدام على المدى الطويل.
وأوضح أن توسيع قاعدة المساهمين، وتعزيز التشغيل المهيكل، وتحسين حكامة الصناديق، تشكل عناصر أساسية للحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التقاعد.
كما شدد على أهمية الاستناد إلى دراسات علمية وشفافة لتقييم الكلفة المستقبلية للالتزامات، وتطور أعداد المساهمين والمتقاعدين، ومدى قدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها.
ويقتضي تقييم أي إصلاح في هذا المجال، بحسب المقاربة نفسها، عدم الاكتفاء بقيمة المعاش المعلن عنها، بل النظر أيضا إلى قدرته الشرائية الفعلية، ومدى تناسبه مع تكاليف المعيشة، إلى جانب تتبع الوضعية المالية لصناديق التقاعد وقدرتها على الاستمرار.
وخلصت هذه القراءة إلى أن التحدي الاقتصادي والاجتماعي لا يرتبط فقط بالإعلان عن أهداف للنمو أو إجراءات للدعم، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق نتائج قابلة للقياس في التشغيل والدخل والأسعار والخدمات الأساسية. فنجاح الأهداف المعلنة يظل مرتبطا بمدى تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، ونجاعة تدبير الموارد، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو والاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.
اترك تعليقاً