أحمد نور الدين يرصد أبرز مكاسب المغرب في مسودة القرار الأمريكي بشأن الصحراء

أكد الخبير في ملف الصحراء المغربية، أحمد نور الدين، أن المسودة الأولية لقرار مجلس الأمن الدولي التي تقدمت بها الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم، تشكل منعطفا حاسما نحو الطي النهائي لملف الصحراء في الأمم المتحدة وعلى أرض الواقع، مشيرا إلى أن مضامين هذه الوثيقة، في حال اعتمادها دون تعديل، ستقرب المغرب بنسبة 70 في المئة من الحسم النهائي لهذا النزاع الإقليمي.
واشترط نور الدين، في تصريح لجريدة “العمق”، التعامل مع هذه القراءة الأولية بنوع من التحفظ إلى حين اتضاح الأمور أكثر والتأكد من كون النسخة الإنجليزية المسربة التي اطلع عليها نسخة أصلية وحقيقية، محذرا من إمكانية تعرض محتوياتها للتلاعب أو التغيير لاحقا عبر إضافة جمل أو سحب أخرى أو إدراج مرادفات في غير مصلحة المغرب، نظرا لكون مصطلح واحد في النصوص القانونية وقرارات مجلس الأمن قد يغير محتوى النص بأكمله.
وكشف المتحدث ذاته أن الفقرة السابعة من مسودة القرار تضمنت مكتسبا عظيما بتجاوزها الصيغ السابقة التي كانت تعتبر المقترح المغربي مجرد أساس للمفاوضات، حيث أقر مجلس الأمن في هذه الصيغة بأن مقترح الحكم الذاتي المغربي المحين هو “الحل الوحيد الممكن” لإنهاء النزاع في الصحراء.
وسجل الخبير في ملف الصحراء بارتياح كبير حذف المسودة لمصطلح الحكم الذاتي “الحقيقي”، الذي سبق أن حذر منه لكونه يحمل حكم قيمة أضافه المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا بالنيابة عن الجزائر التي تشكك في المبادرة المغربية، موضحا أنه تم استبدال تلك الكلمة بمصطلح بريء ولا إشكال فيه هو “الحكم الذاتي المحين”، في إشارة إلى تحيين النسخة التي تقدم بها المغرب سنة 2007.
وأوضح المصدر ذاته أن النقطة الجوهرية الثانية، الواردة في الفقرة العاشرة من المسودة، تتعلق بإحصاء ساكنة مخيمات اللاجئين في تندوف وفق القانون الدولي، وخاصة اتفاقية جنيف لسنة 1951 والبروتوكول المكمل لها لسنة 1967، وهو المطلب الذي نادى به شخصيا منذ عشر سنوات على الأقل كخطوة حاسمة نحو إغلاق المخيمات.
وأضاف نور الدين أن القرار لم يكتف بذكر الإحصاء بشكل عام، بل أورد تفاصيل دقيقة تفرض على المفوضية العليا لشؤون اللاجئين القيام بإحصاء فردي وانفرادي، مما يعني دخول كل شخص يقيم في مخيمات تندوف إلى مقر أو قاعة تابعة للمفوضية داخل المخيمات بشكل معزول، ودون حضور أو ضغط من ممثلي الجزائر أو الجبهة الانفصالية.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن عملية الإحصاء ستتم بعد التحقق من هويات المقيمين في المخيمات وتحديد الساكنة الحقيقية المنتمية إلى الأقاليم الجنوبية عمن تم جلبهم من مالي أو موريتانيا أو الجزائر أو غيرها، ليتم بعد ذلك طرح ثلاثة أسئلة إجبارية على كل فرد حول رغبته في البقاء بالمخيمات، أو العودة إلى أرض الوطن في الأقاليم الجنوبية للمملكة، أو الانتقال إلى بلد ثالث من البلدان التي تعبر عن استعدادها لاستقبال اللاجئين مثل الدول الإسكندنافية وأستراليا ونيوزيلندا.
واعتبر الخبير ذاته أنه في حال إجراء الإحصاء بهذه الشاكلة لن يبقى أحد داخل المخيمات الواقعة في منطقة “الحمادة”، التي وصفها بأنها تشبه مقلاة كبيرة يعاني فيها السكان من ظروف مناخية قاسية تصل فيها الحرارة صيفا إلى 50 درجة تحت الشمس، وتنخفض شتاء إلى درجة الصفر أو ناقص واحد تحت الصفر، بالاضافة الى انعدام الصرف الصحي وادنى شروط الحياة الكريمة، والتعرض للانتهاكات اليومية لحقوقهم من طرف الجلادين من ميليشيات الانفصاليين وحاضنتهم الجزائرية.
وشدد نور الدين على أن الأهم في مسألة الإحصاء هو أن مجلس الأمن لم يترك التوصية فضفاضة، بل حدد للأمين العام للأمم المتحدة والبعثة الأممية أجلا محددا في ستة أشهر، انطلاقا من تاريخ صدور القرار المرتقب في 31 أكتوبر، من أجل القيام بعملية الإحصاء وفق شروط القانون الدولي المذكورة.
وتطرق المصرح ذاته، في نقطة ثالثة مرتبطة بالفقرة التاسعة من المسودة، إلى مصير بعثة “المينورسو”، مبرزا أنه رغم مطالبته منذ عقد من الزمن بإنهاء مهام هذه البعثة بالكامل لأن إنهاءها وتفكيك المخيمات يعنيان إقبار النزاع نهائيا، كما كان قد اشار الى ذلك المبعوث الاممي الاسبق فان فالسوم، فإن الصيغة الواردة في المشروع الأمريكي لمراجعة مهامها تستجيب لحوالي 50 إلى 60 في المئة من مقترحاته وتصب في صالح المغرب.
ولفت المتحدث إلى أن المسودة تطالب الأمين العام للأمم المتحدة بإنهاء مهام 50 في المئة على الأقل من المكون العسكري لبعثة “المينورسو” في أفق شهر دجنبر 2026، مع إغلاق وحداتها المنتشرة خلف الجدار الرملي أو داخل الأقاليم الجنوبية أو في تندوف وتجميعها في مركز واحد، وهو تقليص قد يصل إلى 70 أو 100 في المئة من العنصر العسكري.
وتابع الخبير في شؤون الصحراء أن القرار يطالب الأمين العام الأممي أيضا بتقديم مقترح لإعادة تنظيم وتشكيل هذه البعثة وفق مهام مدنية وسياسية محضة تتكفل بمواكبة الحل النهائي للنزاع، معربا عن أمله في أن يتم إنهاء مهام البعثة بشكل كلي بعد مرور ستة أشهر عقب إحصاء اللاجئين وتفكيك المخيمات، سواء عبر القبول بالمقترح المغربي أو إعلان الأمم المتحدة عن عرقلة الطرف الآخر للحل وبالتالي إغلاق الملف في مجلس الامن واعادته الى الجمعية العامة كما كان قد اقترح الامين العام الاممي كوفي أنان سنة 2004، مع ما يصاحب هذا القرار من إنهاء كامل لبعثة المنورسو.
واعتبر نور الدين، في محور رابع، أن جلوس المغرب في السابق مع الجبهة الانفصالية في مفاوضات مباشرة كان “خطأ فادحا” أعطى الفرصة لما وصفها بـ”البروباغاندا الجزائرية الانفصالية” للزعم بأن الجبهة تمثل ساكنة الصحراء دون أي أساس قانوني، مذكرا بأن توقيع الجبهة لاتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 لم يكن مع المغرب، بل مع بعثة الأمم المتحدة بصفتها مجرد ميليشيات تحمل السلاح لضمان جو من الأمن يسمح للبعثة بالقيام بمهامها آنذاك.
وأكد المتحدث ذاته أن مسودة القرار أخذت بعين الاعتبار مقترحا طالما نادى به منذ عشر سنوات لكسر العرقلة الجزائرية، ويتمثل في “إذابة الجبهة الانفصالية” وسط تمثيليات أخرى حقيقية للساكنة حول طاولة المفاوضات مع المبعوث الأممي، وفي مقدمتها المنتخبون المحليون في المجالس البلدية والإقليمية والجهوية بالأقاليم الجنوبية، والبرلمانيون المنتخبون من الأقاليم الجنوبية، الذين يحظون بشرعية صناديق الاقتراع الديمقراطية بحضور مراقبين دوليين للانتخابات التي تجري في الأقاليم الجنوبية في كل الاستحقاقات السابقة.
وأضاف المصدر نفسه أن المفاوضات ستشمل أيضا تيارات منبثقة عن المجتمع المدني وحركات راجعت مواقفها لصالح الوحدة والشرعية التاريخية للمغرب، وعلى رأسها حركة “صحراويون من أجل السلام”، وتيار “خط الشهيد” الذي يترأسه القيادي السابق في الجبهة المحجوب السالك، الذي تعرض لسحب جواز سفره الجزائري ومنع من العودة إلى مخيمات تندوف ومن الترشح ضد زعيم الانفصاليين الحالي في مسرحية انتخابات سنة 2016 لتعيين زعيم جديد للانفصاليين بعد وفاة محمد عبد العزيز.
وأشار نور الدين إلى أن إشراك هذه القوى، إلى جانب تيارات أخرى مثل حركة “5 مارس” وجمعيات المجتمع المدني الوحدوية الغنية في الأقاليم الجنوبية، سيجعل الجبهة الانفصالية الخاضعة لإملاءات الجزائر مجرد صوت واحد من بين 10 أو 12 صوتا داخل المفاوضات أو المشاورات، مما سيقلص وزنها وحجمها إلى أقل من 5 أو 10 في المئة، أي وزن يميل نحو الصفر، مما يمهد الطريق للأمم المتحدة لاتخاذ قرار نهائي بناء على توافق أغلبية التيارات مع المقترح المغربي.
وربط الخبير ذاته بين هذه التطورات وبين البيان الذي أذاعته الجبهة الانفصالية معلنة فيه رفضها لمسودة القرار بدعوى أنه يعبر عن الموقف الأمريكي، معتبرا أن هذا الإعلان يعطي نكهة لما سيكون عليه موقف الجزائر مستقبلا، باعتبارها الطرف الذي يدفع بالجبهة للقيام بهذا الدور التخريبي للحل وتعبر الجزائر من خلال الجبهة عن رفضها لأي حل ينهي النزاع.
وخلص أحمد نور الدين إلى أن الجزائر تسعى للإبقاء على الوضع القائم لكونه يمثل بالنسبة إليها “حجرة في حذاء المغرب” لعرقلة تنميته واستنزافه سياسيا ودبلوماسيا وقانونيا وماليا عبر الضغط المستمر وسباق التسلح، مستدلا على ذلك بالتحركات الجزائرية الأخيرة مع كل من موريتانيا وإسبانيا وفرنسا بغرض عرقلة أي تسوية نهائية للملف.
اترك تعليقاً