منتدى العمق

الإمارات والمغرب.. جسور محبة لا تعرف الختام

وليد الحمادي

تمتد جذور العلاقات الإماراتية – المغربية إلى أعماق التاريخ، وتتألق محطاتها الأولى بزيارة تاريخية قام بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى المملكة المغربية في شهر أبريل من عام 1971 بدعوة رسمية من الملك الراحل الحسن الثاني (طيب الله ثراهما)، والتي سبقت الإعلان الرسمي عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أرست هذه الزيارة المباركة أسساً متينة للثقة المتبادلة والتعاون البناء، حيث تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين إلى عام 1972، وكان المغرب من أوائل الدول التي دعمت قيام اتحاد دولة الإمارات.

إن الشيخ زايد، بحكمته المعهودة، والملك الحسن الثاني، بنظرته الثاقبة، وضعا اللبنات الأولى لشراكة إستراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل القيم المشتركة والمصالح المتبادلة.

الحقيقة الواضحة التي تفرض نفسها على كل متابع للشأن العربي أن العلاقات الإماراتية – المغربية تقدم نموذجاً فريداً للتعاون بين دولتين عربيتين يتجاوز التحالفات التقليدية ليصل إلى مستوى التمازج والشراكة الحقيقية.

إن العلاقة بين القيادتين الحكيمتين تمثل نموذجاً فريداً في العمق والمتانة، فهي علاقة مبنية على أساس قوي وضعه الملك الحسن الثاني رحمه الله والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وسارت عليه القيادات المتعاقبة إلى الآن. ويتجسد هذا العمق التاريخي الإنساني بأبهى صوره في مشاركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في المسيرة الخضراء عام 1975 عندما كان يبلغ من العمر 14 عاماً، حيث تواجد على الأرض المغربية مشاركاً وحاملاً لعلم دولة الإمارات في هذا الحدث التاريخي البارز، ليكرّس مبكراً روح التلاحم والأخوة الصادقة.

هذا الإرث العريق تعززه اليوم علاقة استثنائية بين الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، علاقة مدعومة بالثقة المتبادلة والتفاهم العميق والاحترام الذي لا تشوبه شائبة. وهذه الروابط الأخوية الصادقة نراها وتتجلى في المواقف الرسمية المتوافقة والزيارات المتبادلة التي تؤكد عمق التنسيق بين البلدين، وتعكس رؤية مشتركة لمستقبل المنطقة العربية قائمة على التعاون والازدهار المتبادل.

ما يميز هذا التنسيق أنه يقوم على التفاهم العميق والرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة، فكلا البلدين يدرك أهمية الوحدة العربية والعمل المشترك، ويترجم هذا الإدراك إلى مواقف متوازنة وحكيمة تخدم المصالح العربية العليا. هذا التناغم في المواقف يعكس عمق الشراكة ونضج العلاقة بين القيادتين. ولعل أبرز تجليات هذا الدعم السياسي المتبادل يتمثل في الموقف الإماراتي الداعم للمغرب في ملف الصحراء المغربية، حيث افتتحت الإمارات قنصليتها في مدينة العيون عام 2020 في شكل خطوة مهمة ومعبّرة عن الاعتراف الإماراتي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مؤكدة أن هذا الموقف لم يكن مجرد قرار دبلوماسي، بل رسالة واضحة للمجتمع الدولي حول وحدة الموقف العربي من هذه القضية المحورية. وقد عبّر المسؤولون المغاربة عن تقديرهم العميق لهذا الموقف الأخوي، الذي يجسد مبادئ التضامن العربي والدعم المتبادل في القضايا المصيرية. ومن جانب آخر، فإن الشراكة الاقتصادية بين البلدين تحكي قصة نجاح مثيرة للإعجاب. فعلى مدار السنوات الماضية، شهدنا تدفقاً مستمراً للاستثمارات الإماراتية نحو المغرب، والتي لم تقتصر على قطاع واحد، بل شملت مجالات متنوعة مثل الطاقة المتجددة، والسياحة، والعقارات، والتكنولوجيا. هذه الاستثمارات لم تكن مجرد أرقام على الورق، بل ترجمت إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع، خلقت الآلاف من فرص العمل وساهمت في تطوير البنية التحتية المغربية، حيث بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية في المغرب نحو 30 مليار دولار، موزعة على أكثر من عشرين شركة ومؤسسة، لتتصدّر الإمارات بذلك قائمة كبار المستثمرين الأجانب والعرب في المملكة. وهو رقم ضخم بلا شك، لكن الأهم من الرقم هو طبيعة هذه الاستثمارات ومجالاتها.

ولا شك أيضاً أن البُعد الثقافي للعلاقات الإماراتية – المغربية يُضفي عليها طابعاً خاصاً وعمقاً إضافياً، فالبلدان يتشاركان تراثاً إسلامياً وعربياً عريقاً، وهو ما يُسهل عملية التواصل والتفاهم بين الشعبين. والجالية المغربية في الإمارات، التي تضم عشرات الآلاف، تلعب دوراً مهماً في تعزيز هذه الروابط الثقافية، فهي تُمثل جسراً حياً بين البلدين.

الشيخ زايد، بحكمته المعهودة، والملك الحسن الثاني، بنظرته الثاقبة، وضعا اللبنات الأولى لشراكة إستراتيجية تتجاوز الحدود الجغرافية لتشمل القيم المشتركة والمصالح المتبادلة.

ومن جهة أخرى، يحظى الإماراتيون الذين يزورون المغرب بترحاب استثنائي يعكس الضيافة العربية الأصيلة. وهناك قصص كثيرة تُروى عن زوار إماراتيين وجدوا أنفسهم ضيوفاً في بيوت مغربية لمجرد أن أصحابها علموا بجنسيتهم؛ هذا المستوى من الدفء الإنساني نادر في عالم اليوم.

ولا ننسى قوة الترابط الأسري أيضاً من الزيجات المباركة بين الإماراتيين والمغاربة التي تضيف بُعداً آخر للعلاقة، كون هذه الأسر تربي أجيالاً تحمل هوية ترابطية عميقة تجمع بين المغرب والإمارات، وتشكل جسوراً حية بين الثقافتين.

أما بالنسبة للتبادل الثقافي بين البلدين فيشمل مجالات متعددة، من المهرجانات الفنية إلى البرامج التعليمية، ومن المعارض التراثية إلى الفعاليات الرياضية. حيث إن هذا التنوع في أشكال التعاون الثقافي يُظهر عمق العلاقة وثراءها، ويُساهم في تعزيز الفهم المتبادل بين الشعبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *