من «دولة الحق» إلى «ما تنلعبوش الضامة»: مسار تآكل اللغة الدستورية!

حري بالبيان، في ميزان القانون الدستوري وعلم السياسة بالمغرب، أن المعجم السياسي لأي وزير أول (في ظل دستور 1996) أو رئيس حكومة (في ظل دستور 2011) يظل مرتهنا بطبيعة تكوينه الأكاديمي والمعرفي، وببنية الهيئة الحزبية التي يتحدر منها، فضلا عن الوظيفة التداولية والمؤسساتية التي ينيطها بالمرافعة البرلمانية أمام مجلسي البرلمان. وحين نستقرئ الأداء اللساني والحصيلة المعجمية والمفاهيمية لرؤساء الجهاز الحكومي الستة الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام وتنفيذ السياسات العمومية بالمغرب منذ أواخر التسعينيات (1998–2026)، يتبدى بجلاء مسار تراجعي مطرد في متانة السبك اللغوي وثراء الحقل المفاهيمي الدستوري والسياسي.
ففي إبان تجربة «التناوب التوافقي» بقيادة الوزير الأول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي (1998–2002)، المنتسب إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وذي المرجعية الحقوقية، اتسم التصريح الحكومي بصرامة اصطلاحية نابعة من الرصيد القانوني والنضالي لجيل الحركة الوطنية. إذ كان السجل اللغوي السائد تحت قبة البرلمان هو اللسان العربي المعياري الرصين، المؤطر بمفاهيم تأسيسية في الفقه الدستوري والسياسي المغربي من قبيل «التناوب التوافقي»، و«دولة الحق والقانون»، و«الانتقال الديمقراطي»، و«تخليق المرفق العمومي»، و«الإنصاف والمصالحة»، وهو ما أرسى المعيار التأسيسي الأعلى في التقيد الصارم بضوابط الفصحى وصون هيبة الخطاب المؤسساتي، مع إقامة حد فاصل بين لغة المداولات التشريعية ولغة التخاطب اليومي.
وقد تواصل هذا الاستقرار المعياري والالتزام الشكلي بسلامة اللغة القانونية والإدارية مع حكومة الوزير الأول الأستاذ عباس الفاسي (2007–2011)، سليل مدرسة حزب الاستقلال العريقة في نصرة التعريب وذي التكوين القانوني والحزبي الكلاسيكي. فبغض النظر عن المؤاخذات السياسية التي سُجلت على إيقاعه التواصلي الهادئ وفتور أدائه الخطابي المستند إلى لغة التقارير القطاعية ومصطلحات مدرسة التعريب، فقد ظل قاموسه المؤسساتي المحافظ منضبطا لسلامة التركيب النحوي ومراعيا لوقار الهيئة التشريعية ومقتضيات الشرعية الدستورية دونما إسفاف عامي أو هجانة فرنكوفونية.
بيد أن صعود الأستاذ عبد الإله بنكيران (2011–2017) إلى رئاسة الحكومة، بوصفه أول رئيس حكومة معين في ظل دستور 2011 الذي ارتقى بمؤسسة الوزير الأول إلى رئاسة سلطة تنفيذية فعلية ووسع الاختصاصات التشريعية والرقابية للبرلمان، قد شكّل المنعطف اللساني والسياسي الأول ومستهل الانزياح التداولي نحو كسر قدسية الفصحى داخل المؤسسة التشريعية وتطبيع الدارجة في الجلسات العمومية. فمن الوجهة اللسانية الصرفة، كان بنكيران، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية العلمية-التراثية والحركية، مالكا لناصية الفصحى التراثية واقتدار البيان والارتجال السليم دون لحن فاحش متى شاء؛ غير أنه آثر، عن وعي استراتيجي وتواصلي، تفكيك المعجم السياسي والدستوري النخبوي وإحلال «الدارجة الشعبية» والأمثال السائرة والقفشات الساخرة محله، ضمن سجل شعبوي حكاياتي يخلط الفصيح بالدارج.
وهكذا، أقحم بنكيران في التداول البرلماني المغربي استعارات شعبوية غير مسبوقة من قبيل «العفاريت والتماسيح»، و«عفا الله عما سلف»، و«حكومة اللحية»، و«فهمتيني ولا لا». ولئن حقق هذا المنحى تواصلا وجدانيا واسعا مع فئات عريضة، فإنه في المقابل شرعن الترافع بالعامية من منصة رئاسة الحكومة، وحوّل الجلسات الدستورية المخصصة للأسئلة الشهرية المتعلقة بالسياسة العامة (الفصل 100 من الدستور) من فضاء للمحاججة القانونية والاقتصادية الرصينة إلى حلبة للسجال الشفهي العامي.
ومع إسناد رئاسة الحكومة إلى الدكتور سعد الدين العثماني (2017–2021) عن الحزب ذاته، آب الخطاب الرسمي من حيث الشكل إلى فصحى إجرائية هادئة تراوحت بين التوسط والإجادة بحكم التكوين الشرعي والطبي-النفسي للمتحدث. بيد أن القاموس السياسي عرف في عهده «تسطيحا مسطريا» وفتورا في القوة الحجاجية، إذ ارتكن إلى معجم تقني-تبريري منكمش بلاغيا يستنسخ لغة المذكرات المصلحية والمناشير والدوريات الإدارية، مع انفلات لوازم دارجة في لحظات الارتباك التواصلي من قبيل عبارته الشهيرة «سير حتى تجي»، ليفتقر بيانه إلى الجزالة المفاهيمية والدستورية لحقبة اليوسفي كما خلا من الحيوية الخطابية لمرحلة بنكيران.
على أن الولاية التشريعية الحادية عشرة برئاسة عزيز أخنوش (2021–2026)، رجل الأعمال والتكنوقراط الفرنكوفوني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، قد أعلنت انتقال الأزمة من «اصطفاء الأساليب الشعبوية» إلى «قصور الأهلية اللغوية في اللسان العربي الفصيح» والاغتراب التواصلي والدستوري عنه. فنتيجة التكوين الفرنكوفوني وثقافة التدبير المقاولاتي، بدا رئيس الحكومة ضعيف الملكة القرائية ومرتهنا للوثيقة المكتوبة تحت قبة البرلمان داخل معجم رقمي-تكنوقراطي بارد، مع تواتر التعثرات والتلعثم في تلاوة النصوص الفصيحة وتفشي اللحن النحوي والصوتي في صفوف فريقه الحكومي وأغلبيته البرلمانية، فضلا عن إقحام تعابير عامية أججت سجالا سياسيا ولسانيا حادا مثل عبارة «إعادة الترابي للمغاربة» وشعارات مختزلة من نحو «أغراس أغراس» و«تستاهل ما أحسن».
ولقد بلغ منحنى التردي اللساني والمعجمي دركه الأدنى الموثق في أكتوبر 2026 (مستهل الولاية التشريعية الثانية عشرة 2026–2031) بمناسبة عرض السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، المحامية ذات التكوين الفرنكوفوني عن حزب الأصالة والمعاصرة، للبرنامج الحكومي أمام البرلمان، مسجلا بذلك أشد لحظات المعجم الرسمي انكسارا جراء تفكك البنية الفصيحة تلاوة وإحلال الهجانة اللغوية ارتجالا. ذلك أن الإشكال الدستوري والسياسي ها هنا لم يعد مرده إلى نزوع شعبوي متعمد أو جفاف تكنوقراطي فحسب، بل إلى ثلاثية انحدارية غير مسبوقة تضافر فيها القصور القرائي والتصحيف الدلالي القالب للمفاهيم القانونية («صيانة الهاوية» بدل «الهوية»، و«الإطراء» بدل «الإثراء»، و«مؤسسات الرياضة» بدل «الريادة»، و«مقالاوات» بدل «المقاولات»)، مع الاختلال الصوتي والإعرابي المطرد («القاضا»، «الأذا»، «الوعا»، «12 مليار درهما»)، وصولا إلى إقصاء المصطلحات القانونية والمسطرية لفائدة ألفاظ فرنسية خام («لو ديبو»، «بلون داميناجمون»، «غابيليتي جوديسييرمون») وتعابير عامية مبتذلة («مبقاش كيوكل»، «ما تنلعبوش الضامة»، «إلا فاتنا التران»، و«تفصيل الصلاه» بدل المبدأ الدستوري «فصل السلط»).
اترك تعليقاً