وجهة نظر

ليت “الزعيم الهمام” ظل صائما عن الكلام!

إسماعيل الحلوتي

مرة أخرى يأبى الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران إلا أن يعود لهذيانه المعهود، بعدما كان قد أصيب بالخرس عقب ظهور نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، حيث اكتفى حزبه بالمرتبة الرابعة لحصوله على 54 مقعدا من أصل 395 مقعدا في مجلس النواب، خلف حزب “الاستقلال” في المرتبة الثالثة ب”65″ مقعدا، وحزب “لأحرار” في المرتبة الثانية ب”66″ مقعدا، فيما عادت المرتبة الأولى لحزب “الأصالة والمعاصرة” ب”97″ مقعدا، ليضيع عليه حلم استرجاع منصب رئاسة الحكومة الذي فقده خلال عام 2017 إثر إخفاقه في تشكيل حكومته الثانية.

ذلك أنه وخلال تردده يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 في إلقاء كلمة بمناسبة افتتاح المؤتمر الثامن لحركة “التوحيد والإصلاح” الذراع الدعوي لحزبه بمدينة بوزنيقة، قال إنه اعتاد على الإسهاب في الحديث كلما تناول الكلمة في مثل هذه المناسبات، بيد أنه لم يعد يشعر بذات الرغبة في الكلام. لكنه سرعان ما عاد يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 خلال الاجتماع الأسبوعي لفريق الحزب النيابي إلى ما تعود عليه من أسلوب استفزازي ومهاجمة خصومه السياسيين، والأكثر من ذلك أنه شكك في نتائج الانتخابات التشريعية ونزاهتها، مضيفا “أنا أظن أننا طالما فزنا بأكثر من المقاعد التي تمنح لنا…”

وعوض الاقتداء بقوله عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو يصمت” حيث يبدو واضحا أن الرسول الكريم أراد من خلال حديثه هذا الربط بين كمال إيمان العبد بالله واليوم الآخر وبين ضبط اللسان، على اعتبار أن اللسان هو العضو الأكثر تورطا في ارتكاب الأخطاء والزلات، فإنه ضرب بكل ذلك عرض الحائط وشرع في الرد بنبرة ساخرة على اتهامات فاطمة الزهراء المنصوري التي تظاهر بنسيان اسمها حتى لا ينطق بكلمة “رئيسة الحكومة”، معتقدا أن منصب رئاسة الحكومة لا يليق إلا به، ثم وجه مدفعيته نحو وزير المالية والاقتصاد والنجاعة العمومية فوزي لقجع عضو المكتب السياسي في حزب “الجرار”، متهما كليهما بالسعي إلى تصفية الحسابات السياسية الضيقة مع حزبه وقيادييه بأساليب “المكر والخديعة”…

ورغم أن ملك البلاد محمد السادس لم يفتأ يدعو الفاعلين السياسيين إلى عدم استغلال الملكية واسمه في الحملات الانتخابية وخارجها، والتخلي عن كل الأساليب والتصريحات غير المسؤولة، فإن ابن كيران يرى نفسه غير معني بذلك، ويستمر في إطلاق العنان للسانه والتلذذ بالإساءة إلى خصومه السياسيين وكل من يخالفه الرأي حتى من داخل حزبه. إذ لا يعبأ بما تخلفه خرجاته الإعلامية الرعناء من تذمر واستياء عميقين في أوساط عديد المواطنين الذين ضاقوا ذرعا بترهاته. ثم هل من الفطنة الادعاء في أكثر من مناسبة حب الوطن والوفاء للملك أكثر من أي شخص آخر، في الوقت الذي يشكك في كفاءة رئيسة الحكومة وبعض الوزراء، ويتعهد بوأد الحكومة فور ولادتها دون منحها مهلة الكشف عن قدراتها، علما أن جلالته هو من أشرف على تعيينها ووضع ثقته في أعضائها؟

فمن غير المعقول أن يخرج رئيس حكومة سابق، يفترض فيه أن يكون قد تعرف جيدا على طبيعة النظام الدستوري المغربي وحدود العلاقة التي تربط بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسة الملكية، أن يتمادى ليس فقط في التشكيك في الديمقراطية المغربية ونتائج الانتخابات كلما جاءت في غير صالح حزبه، بل أيضا في تخويف المغاربة مما قد تتعرض له البلاد ويهدد مستقبل الملكية في ظل وجود حزب يقود الحكومة مشكوك في نزاهته ووطنية قيادييه، حيث قال: “أنتم خطر، لا أخاف منكم على حزب “العدالة والتنمية”، بل أخاف منكم على البلاد والملكية، ولا نريد أن تسيئوا إليها”، ناسيا أن قوة المغرب بقيادة عاهله المفدى تكمن في قدرته على استيعاب مختلف الاختلافات السياسية والاجتماعية، وأن الملكية لا يجب أن تكون موضوعا للمزايدات السياسوية أو أداة لتصفية الحسابات الضيقة بين الأحزاب السياسية، وإنما هي بفضل ما راكمته من امتداد تاريخي ورمزية وطنية، إطارا دستوريا يقتضي التحلي بالمسؤولية والشفافية من قبل جميع الفاعلين السياسيين بدون استثناء.

على ابن كيران أن يعلم أننا لسنا ضد حرية التعبير، لكننا نريده أن يعود إلى رشده ويدرك جيدا أن المغاربة ليسوا بحاجة إلى أي وصاية سياسية، ولا إلى من يتحدث باسمهم في قضايا الولاء للملك والوطن، لاسيما أنهم بلغوا من الوعي ما يسمح لهم بالتمييز بين الصالح والطالح والدفاع عن توابثهم الوطنية، ومحاسبة المسؤولين الحكوميين عندما يقتضي الأمر ذلك…

إننا هنا لا نصادر حق ابن كيران في الرد على خصومه السياسيين متى دعت الضرورة إلى ذلك، وفي حدود المعقول شريطة مقارعة الحجة بالحجة، بعيدا عن المزايدات السياسية وتبادل الاتهامات غير المجدية، حتى لا نعطي أعداء وحدتنا الترابية فرصة مهاجمة بلادنا في نشراتهم الإخبارية والمحافل الدولية. لكننا نرفض في ذات الوقت إقحام المؤسسة الملكية ومحيطها في السجالات الحزبية والسياسية، خاصة أن دستور البلاد ينص صراحة وبوضوح تام على أن الملك هو رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، والضامن لدوامها واستمرارها. وهو الحاكم العادل بين مختلف القوى السياسة، وإلا فأين نحن من صيانة مكانة المؤسسة الملكية والنأي بها بعيدا عن الصراعات الحزبية الضيقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *