وزارة الذكاء الاصطناعي.. والمرفق العمومي

من رهانات التحول الرقمي إلى إدارة عمومية طموحة
أفرزت التشكيلة الحكومية الجديدة، برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، التي جرى تعيين أعضائها في 16 أكتوبر 2026، حكومة تضم 32 عضواً، من بينهم رئيسة الحكومة والوزراء والوزراء المنتدبون، وفق المعطيات المنشورة بشأن تشكيلتها. ومن بين أبرز المستجدات التي تستوقف المتتبع للشأن العام إحداث حقيبة تحمل اسم وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة ، ولا تكمن أهمية هذه التسمية في إضافة مصطلح تكنولوجي إلى قاموس الحقائب الحكومية فحسب، بل في ما يمكن أن تحمله من دلالات بشأن توجه الدولة نحو تحديث المرفق العمومي، وإعادة النظر في أساليب تدبيره، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.
وزارة جديدة بتسمية مختلفة.. ومهام لها امتداد سابق
قد يبدو إحداث وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي تحولاً مؤسساتياً غير مسبوق في التجربة الحكومية المغربية، لكن ملف التحول الرقمي وإصلاح الإدارة لم يكن غائباً عن الحكومات السابقة. فقد كانت الحكومة التي ترأسها السيد عزيز أخنوش، خلال الولاية 2021-2026، تتوفر على منصب وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة (بالانتقال الرقمي ) وإصلاح الإدارة، تولته السيدة غيثة مزور، ثم خلفتها السيدة أمل الفلاح السغروشني في أكتوبر 2024. وبذلك، فإن المستجد الأبرز يتمثل في إبراز الذكاء الاصطناعي صراحة في التسمية الحكومية الجديدة، مع جمعه بالتحول الرقمي وإصلاح الإدارة ضمن حقيبة وزارية واحدة. وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يتعلق الأمر بتغيير في الهيكلة والتسمية فقط، أم بانتقال فعلي من تدبير رقمي لبعض الخدمات إلى إعادة بناء الإدارة العمومية على أسس أكثر ذكاءً وفعالية؟
برنامج الوزارة.. ما وراء الرقمنة
يندرج عمل الوزارة في إطار التوجهات العامة للبرنامج الحكومي 2026-2031، الذي عرضته رئيسة الحكومة أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، في سياق يتسم بتسارع التحولات التكنولوجية، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والإدارة والخدمات. وتشمل الرهانات المرتبطة بهذا التوجه تطوير الخدمات الرقمية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء الإداري، وتبسيط المساطر، وتأهيل الكفاءات، وتعزيز البنيات التحتية الرقمية، مع إيلاء أهمية لحماية المعطيات والأمن السيبراني.
غير أن نجاح هذه التوجهات لا يقاس بعدد المنصات والتطبيقات التي ستُطلق، ولا بحجم الاستثمارات المخصصة للتكنولوجيا وحده، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطن اليومية. فالمرفق العمومي ليس مجرد بنايات ومكاتب وموظفين، وإنما منظومة خدمات يفترض أن تضمن الحقوق، وتيسر الإجراءات، وتحترم الزمن الإداري، وتكرس المساواة في الولوج إلى الخدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام الوزارة يتمثل في تحويل التكنولوجيا من وسيلة تقنية إلى أداة لإصلاح العلاقة بين الإدارة والمرتفق.
تحديات ينتظر المواطن الحسم فيها
أول ما ينتظره المواطن هو تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية، بحيث لا يظل الحصول على وثيقة أو معلومة أو خدمة إدارية رهيناً بالانتقال بين المصالح، أو بالبحث عن الموظف المختص، أو بتكرار الزيارات بسبب نقص المعلومات أو اختلاف التأويلات.
أما التحدي الثاني، فيتعلق بالقطع مع طوابير الانتظار، أو على الأقل الحد منها بصورة ملموسة. فلا معنى لرقمنة طلب إداري إذا ظل المواطن مضطراً إلى الانتظار طويلاً لتسليمه، أو إذا انتقل الطابور من شباك الإدارة إلى منصة إلكترونية تتعطل أو يتعذر الولوج إليها.
ويبرز، في السياق ذاته، مطلب تبسيط الوثائق وتسريع المعاملات الإدارية. إذ لا يكفي نقل الاستمارات الورقية إلى شاشات إلكترونية، ما دامت الإدارة تطلب من المواطن وثائق تتوفر عليها أصلاً إدارة أخرى، أو تفرض عليه مساطر طويلة كان بالإمكان اختصارها وتبادل معطياتها رقمياً.
ويظل ضمان الشفافية في تدبير الملفات تحدياً أساسياً كذلك. فمن حق المواطن أن يعرف أين وصل ملفه، وما الوثائق التي تنقصه، وما الآجال المتوقعة للبت فيه، وأسباب التأخير أو الرفض عند الاقتضاء. كما أن رقمنة المساطر ينبغي أن تتيح إمكانية تتبع المعاملات، وتقلل من هامش الغموض والتقدير غير المبرر، وتوفر آليات واضحة للتظلم والمساءلة.
هذه المطالب ليست امتيازات إضافية، بل هي جوهر المرفق العمومي الذي يضع المواطن في صلب اهتماماته.
هل سيذهب المواطن المغربي فعلاً إلى إدارة عمومية ذكية؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن مقبلون على إدارة عمومية ذكية بالمعنى الحقيقي، أم على إدارة تقليدية تستخدم أدوات إلكترونية؟
إن معظم الخدمات التي يمكن إنجازها عن بعد أصبحت، من الناحية التقنية، قابلة للمعالجة بلمسة أزرار على الحاسوب أو الهاتف، من إيداع الطلبات إلى أداء الرسوم، وتتبع الملفات، والحصول على الشهادات والوثائق. لكن هذه الإمكانية لا تتحقق بمجرد توفير تطبيق إلكتروني؛ فهي تستلزم إعادة تنظيم المساطر، وربط قواعد البيانات بين الإدارات، واعتماد هوية رقمية آمنة، وتبادل المعلومات وفق ضوابط قانونية واضحة.
فالإدارة الذكية ليست إدارة تكتفي باستقبال الطلبات عبر الإنترنت، ثم تعود إلى المعالجة الورقية والتوقيعات المتعددة والانتظار الطويل. إنها إدارة تستبق حاجات المرتفق، وتعيد استخدام المعلومات المتاحة لديها بصورة مشروعة وآمنة، وتوفر له مساراً واضحاً لإنجاز معاملته، دون أن تجعله وسيطاً بين المصالح الإدارية.
ويتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات إضافية، من قبيل المساعدات الرقمية التي تجيب عن أسئلة المواطنين، وتوجههم إلى الوثائق المطلوبة، وتشرح المساطر بلغة مفهومة، وتساعد على رصد الاختلالات والتأخيرات. غير أن القرارات الإدارية التي تمس حقوق الأفراد ينبغي أن تظل خاضعة للقانون والرقابة والمراجعة البشرية، وألا تتحول الخوارزميات إلى سلطة غامضة لا يعرف المواطن كيف اتخذت قرارها.
ثم إن الإدارة الذكية لا ينبغي أن تكون إدارة مغلقة في وجه من لا يتقنون استخدام التكنولوجيا. فالمسنون، والأشخاص في وضعية إعاقة، وسكان المناطق القروية، والأشخاص الذين لا يتوفرون على اتصال جيد بالإنترنت أو على المهارات الرقمية اللازمة، يحتاجون إلى بدائل ومواكبة بشرية تضمن عدم إقصائهم من الخدمات الأساسية.
تجارب رائدة.. دروس يمكن الاستفادة منها
تقدم بعض الدول الغربية نماذج مفيدة في بناء الإدارة الرقمية، ليس لأنها تملك أحدث التقنيات فحسب، بل لأنها ربطت التكنولوجيا بإعادة تنظيم الخدمات وتبادل المعلومات.
ففي إستونيا ، يقوم جزء مهم من الإدارة الرقمية على نظام تبادل آمن للبيانات بين المؤسسات العمومية، يعرف باسم X-Road. ويساعد هذا النظام على ربط قواعد البيانات والمنظومات المختلفة، بما يقلل الحاجة إلى مطالبة المواطن بتقديم المعلومات نفسها مراراً. وتبرز التجربة الإستونية أهمية التكامل بين الإدارات، بدلاً من إنشاء منصات متفرقة لا تتواصل فيما بينها.
وفي الدنمارك ، تشكل خدمة Digital Post إحدى وسائل التواصل الرقمي الرسمي بين السلطات والمواطنين والمقاولات، حيث يمكن إرسال المراسلات الإدارية وتلقيها بصورة آمنة، مع وجود ترتيبات للإعفاء أو الاستعمال غير الرقمي لمن لا يستطيعون التعامل إلكترونياً.
أما فرنسا ، فقد طورت منظومة FranceConnect التي تتيح للمستخدمين الولوج إلى عدد من الخدمات العمومية الإلكترونية باستخدام وسيلة تعريف رقمية موحدة، مع مستويات إضافية للتحقق في بعض المعاملات الحساسة. وتساعد هذه المقاربة على الحد من تعدد الحسابات وإجراءات التسجيل، وتسهيل الانتقال بين الخدمات.
وتكشف هذه النماذج، على اختلاف سياقاتها، عن عناصر مشتركة: هوية رقمية موثوقة، وتبادل آمن للمعلومات، وتنسيق بين المؤسسات، وتبسيط حقيقي للمساطر، وحماية للمعطيات الشخصية، مع مراعاة الأشخاص الذين قد يواجهون صعوبات في استعمال الخدمات الرقمية.
وليس المطلوب أن يستنسخ المغرب تجربة بعينها، بل أن يستفيد من مبادئها، مع مراعاة خصوصياته القانونية والاجتماعية والمجالية، والفوارق في الولوج إلى الإنترنت وفي المهارات الرقمية.
من إدارة إلكترونية إلى مرفق عمومي في خدمة المواطن
إن إحداث وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يفتح أفقاً جديداً، لكنه يرفع سقف الانتظارات في الوقت نفسه. فالمواطن لا يهمه كثيراً أن يتغير اسم الوزارة، بقدر ما يهمه أن يتغير واقع تعامله مع الإدارة.
وسيكون من المفيد أن تقترن برامج الوزارة بمؤشرات قابلة للقياس، من قبيل تقليص متوسط آجال معالجة الملفات، وخفض عدد الوثائق المطلوبة، ونسبة الخدمات التي يمكن إتمامها بالكامل عن بعد، ومعدل احترام الآجال القانونية، وعدد الشكايات التي تمت معالجتها، ومستوى رضا المرتفقين.
كما أن نشر نتائج دورية ومفهومة لهذه المؤشرات من شأنه أن يعزز الشفافية، ويتيح للمواطن وللمؤسسات الرقابية تقييم مدى التقدم المحرز، بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات عن إطلاق مشاريع أو منصات جديدة.
كسب الرهان الإداري
إن الرهان ليس أن تصبح الإدارة المغربية إلكترونية فحسب، بل أن تصبح إدارة فعالة، شفافة، منصفة، وقريبة من المواطن. وعندما يتمكن هذا الأخير من قضاء مصالحه دون تنقلات غير ضرورية، ودون طوابير مرهقة، ودون تكرار الوثائق أو الغموض في تتبع ملفه، عندها فقط يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي قد غادرا دائرة الشعارات، ودخلا فعلياً إلى صميم إصلاح المرفق العمومي.
اترك تعليقاً