منتدى العمق

أسهم السماء في بورصة السياسة

الحسين خاوتي

تتداول السياسة في بورصتها رصيدا خفيا قوامه التقدير والولاء، وقد وضع بيير بورديو لهذا الرصيد اسما هو الرأسمال الرمزي، وعرّفه بأنه الصورة التي تتخذها أنواع الرأسمال بعد أن يدركها الناس ويقروا بشرعيتها، فينال صاحبها منهم توقيرا وطاعة وثقة، ويدخر ذلك رصيدا ينفقه في ميدان المنافسة. وللدين في ضمائر الناس خزانة من هذا الرصيد، تغري الجماعة الحزبية بالسحب منها. وما إن تنقل انتماءها الديني من خانة الإيمان إلى خانة الأرصدة حتى تستحيل العقيدة سندا انتخابيا، وتنقلب صفة التدين شهادة حسن سلوك تمنحها لنفسها. وذلك هو الاحتكار الرمزي للدين: جماعة واحدة تتصرف في رصيد يشترك فيه الجميع. فيختلط في ذهن الناخب خلاف الرأي بخلاف العقيدة، ويلتبس نقد الحزب بالطعن في الدين.

وأصل الالتباس أن الدين والحزب ينتميان إلى منبتين مختلفين. فالدين يغرس جذوره في أسئلة الإنسان عن الوجود والعدل والمصير، والحزب ساحة مزدحمة بالمصالح يتنافس فيها الخصوم على الموارد وعلى إدارة الشأن العام. وهذا التباين يفرض مسافة بين الساحتين، فبها يحفظ الدين استقلاله عن تقلبات المنافسة، وبها تحتفظ السياسة بطواعيتها للمحاسبة. فإن ضاقت تحولت العقيدة إلى أداة حشد، وبات سؤال المسؤول مساسا بالمقدس.

وللتجربة الإسلامية المعاصرة نصيب وافر من هذا الرصيد، وهي تستحق قراءة بمعزل عن أحكام الأنصار والخصوم. جمعت الحركات الإسلامية جماهير واسعة بخطاب الهوية والعدالة والتكافل ومحاربة الفساد، ومنحت فئات بعيدة عن مراكز القرار شعورا بالانتماء والمشاركة، ثم دخلت الانتخابات وتولت الوزارات وأدارت المؤسسات بنتائج متباينة. وتطرح هذه الحصيلة سؤال الصلة بين المرجعية الفكرية وجودة الأداء، وجوابه في الميزان العملي: ما رسمته الحكومات التي تولاها الإسلاميون من سياسات، وما جنته من نتائج، وما صانته من حقوق. أما النيات فسرائر يحجبها الغيب عن المواطن.

ولهذا المسار حجة على الإسلاميين وخصومهم معا. فأما الإسلاميون فقد عجزت مرجعيتهم الدينية وحدها عن ضمان الإنجاز ونزاهة القرار، وصادر احتكارهم الرمزي حكم الناخب على التجربة بسلاح التشكيك في التدين. وأما خصومهم فلا يسوغ لهم أن يجعلوا التعثر السياسي حكما شاملا على المتدينين أو على الإسلام، ويسلب الإقصاء بالقوة الناخبَ حقه في الحكم على التجربة.كما يصادره الاحتكار الرمزي بسلاح التشكيك في التدين. والمعيار العادل يفحص القرارات والبرامج والنتائج، ويسائل المسؤولين بميزان واحد مهما اختلفت شعاراتهم ومصادر إلهامهم.

على أن للإسلاميين اعتراضا مألوفا: السياسة جميعها تستند إلى منظومة قيم، والأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا رفعت مرجعية دينية وصانت الديمقراطية. وفي شطره الأول وجاهة : البرامج السياسية محمّلة بالقيم ، والمقترع المتدين يصحب ضميره إلى الصندوق. وشطره الثاني صحيح، فقد قبلت تلك الأحزاب منذ تأسيسها دولة محايدة تجاه الأديان، وحصرت دعواها في برنامج يناقشه الناس، وبقيت مستقلة عن سلطة الكنيسة، وتعاملت مع معارضها مواطنا مخالفا في الرأي. فالحد الفاصل بين حزب يستلهم قيمه وحزب يستثمر مقدسه يحسمه جواب سؤال واحد: هل يقبل الحزب أن يحاسبه الناخب بالميزان الذي يحاسب به خصومه؟

ويغلق الاحتكار الرمزي للدين الباب أمام سؤال المحاسبة هذا. فالانتخاب يمنح الفائز تفويضا محدودا بإدارة الشأن العام وفق القانون، ويستثني من التفويض ضمائر المواطنين. فإن جعل الحزب التصويت له وفاء للقيم الدينية وضع الناخب أمام معادلة جائرة: فإما أن يصوت للحزب، وإما أن يشكك الحزب وأنصاره في صدق إيمانه. فانتقلت المنافسة من ميدان البرامج إلى ميدان الولاء الروحي، ونال الحزب حصانة خطابية تعفيه من أسئلة الإنجاز والشفافية والكفاءة، فعلل إخفاقاته بمؤامرة تستهدف الهوية.

ويعيد هذا الخلل إلى الواجهة الفرق بين الإيمان الفردي والتنظيم الناطق باسمه. فللمواطن أن يستلهم دينه في اختياراته الاجتماعية والسياسية، وله أن يلتحق بحزب ذي مرجعية إسلامية أو يرفض برنامجه، وسند شرعية اختياره الحرية والمساواة أمام القانون، وفيهما غنى عن تزكية القيادات الحزبية. والقاعدة نفسها تجري على الإسلاميين وخصومهم. فالوطنية والديمقراطية ميراث مشترك يتقاسمه الجميع، وتعريفهما ملك للمجتمع بأطيافه، والمسلمون جمهور متعدد الاجتهادات والتجارب يعصى على وكالة حزب واحد مهما اتسعت قاعدته.

وقد جاءت تجارب ما بعد 2011 بثلاث نتائج لمعادلة واحدة، موضوعها من يملك الحكم على الأحزاب. ففي تونس سلمت حركة النهضة الحكومة عام 2014 إلى فريق من الكفاءات بعد حوار وطني أعقب اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وميزت في مؤتمرها عام 2016 بين العمل الدعوي والعمل الحزبي، ثم تغير المشهد: علق الرئيس قيس سعيد البرلمان في يوليو 2021، واعتقلت السلطات راشد الغنوشي في أبريل 2023، فخرج الحكم على التجربة من يد الناخب إلى يد السلطة. وفي مصر انقسمت الساحة بعد انتخاب محمد مرسي إلى معسكرين يتنازعان الهوية، فاشتد الاستقطاب حتى أطاح الجيش بالرئيس المنتخب في يوليو 2013، وخرج الخلاف السياسي من ميدان الصندوق إلى ميدان القوة. أما المغرب فجاء الحكم فيه من الناخبين أنفسهم: منحوا حزب العدالة والتنمية مئة وخمسة وعشرين مقعدا عام 2016، ثم تركوا له ثلاثة عشر مقعدا عام 2021، وعزا منتقدوه ذلك إلى رفع الدعم عن المحروقات ورفع سن التقاعد، ثم أرسلوه إلى البرلمان بأربعة وخمسين مقعدا في انتخابات 2026. وبين إقصاء أغلق الباب في تونس ومصر وصندوق حاسب في الرباط تستقر قاعدة واحدة: الناخب وحده يحكم على الأحزاب، أيا كانت شعاراتها.

وتشتد الحاجة إلى هذه القاعدة في مواسم الاقتراع، لأن الخطاب العاطفي يستثمر مخاوف الهوية والمصير الأخلاقي. وقد يستحضر بعض الفاعلين الرموز الدينية لحشد المؤيدين، ويصوغون وعودهم في هيئة التزام أخلاقي يتعالى على النقد. وفي وجه ذلك يملك الناخب أدوات للمساءلة: برنامج يتسع للفحص، وميزانية على مرأى من الناس، وهيئات رقابية مستقلة، وقضاء يحرس الحقوق، وصحافة تسائل المسؤولين. وبهذه الأدوات تتحول القيم التي يرفعها الحزب إلى ثقة سياسية إن طابقتها الأفعال، وتبقى الثقة دينا في عنق الحزب الحاكم، يسدده بوفائه بما وعد به الناخبين.

وبصيانة تلك الأدوات والقواعد تتسع الساحة العامة للمتدين وللعلماني معا، شرط أن تخضع السلطة للقانون، وتحفظ كرامة المواطن، ويبقى الضمير بمنأى عن مساومات الاقتراع. وللناخب في هذه الساحة سؤال واحد يوجهه إلى الحزب: ما الذي يحققه شعاره في حياة الناس، وما رعايته لحقوقهم وحرياتهم؟ وبهذا السؤال يتحرر الدين من الحسابات الحزبية فيسترد مقامه الأخلاقي، وتسترد السياسة طبيعتها المدنية، ويستقر الحكم أمانة تقبل الحساب والتصحيح وتداول السلطة، وتظل علاقة الإنسان بربه مقاما يخلو من وكلاء الأحزاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *