أسرار الواقع العجائبي بين سناء الشعلان وإيزابيل الليندي

هناك أشياء تحدث في حياة البشر لا تجد طريقَها إلى التفسير المباشر. وتوجد مشاعر وذكريات ومخاوف وأحلام تتجاوز حدودَ المحسوس، لكنها تظلُّ أكثر حضورًا وتأثيرًا من كثير من الوقائع المادية. لهذا السبب تحديدًا يحتاج الأدبُ إلى الخيال، ليس للهروب من العالَم، وإنما لكي يقترب منه من جهة أُخرى، لا تستطيع اللغةُ الواقعية المألوفة وحدها الوصولَ إليها.
في هذا السياق، تبرز تجربتان أدبيتان تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين، لكنهما تلتقيان في مساحة سردية قائمة على التأمل والعجائبية والغرائبية والدهشة، تجربة الكاتبة الأردنية الفِلَسطينية سناء الشعلان ( وُلدت 1977)، وتجربة الروائية التشيلية الأمريكية إيزابيل الليندي ( وُلدت 1942 ).
بين العالَم الذي تصوغه الشعلان، بما يَحمله من انفتاح على الرمز والاحتمال والأسئلة الوجودية، والعلوم التي تنسجها الليندي، حيث تتجاور الذاكرةُ العائلية والأحداث التاريخية والأرواح والمصائر غير المألوفة، تتشكل علاقة أدبية مثيرة للاهتمام، لا تقوم على التطابق، وإنما على التقاطع في النظر إلى الواقع بوصفه عالَمًا أوسع من حدوده الظاهرة.
والحديثُ عن الواقع العجائبي هُنا لا يعني وضع الكاتبتين في خانة نقدية واحدة، أو افتراض أن كُل ما تكتبانه ينتمي إلى الواقعية السحرية بالمعنى الاصطلاحي الدقيق. فهذا اختزال لا يخدم التجربتين. الأجدى أن ننظر إلى العجائبي باعتباره طريقة في مُساءلة الواقع، وإعادةِ ترتيب العلاقة بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما نُصدِّقه وما نستبعده، وبين الحياة كما تفرضها الوقائع والحياةِ كما تكشفها المُخيِّلة.
من أبرز المشكلات التي تواجه القراءةَ التقليدية للأدب هي اعتبار الواقعية التزامًا بما يمكن حدوثه وفق القواعد المعتادة، وأن كُل خروج على المألوف هو انتقال تلقائي إلى عالَم الخُرافة أو الفانتازيا. لكن الأدب الجيد لا يقيم دائمًا هذه الحدود الصارمة، فقدْ يكون الحدث الغريب أكثر تعبيرًا عن حقيقة إنسانية من حدث مألوف، وقدْ تكون الشخصية التي تتحدث معَ الموتى أقرب إلى واقع الإنسان الموجوع من شخصية لا ترى في الحياة سوى سلسلة من الوقائع اليومية.
العجائبي ليس مجرد ظهور كائن خارق، أو وقوع حادثة يستحيل تفسيرها، إنَّه اضطراب يصيب نظرتنا إلى العالَم، ويجعلنا نعيد النظرَ في المُسلَّمات التي اعتدنا التعاملَ معها بوصفها حقائق نهائية. وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن الواقع، بلْ يتغذى منه، ويستمد قُوَّتَه من تناقضاته، وثغراته، ومناطق الصمت فيه.
عندما تكتب سناء الشعلان، فإن الخيال لا يبدو زينةً لغوية، أو وسيلة لإثارة الدهشة. إنَّ تعدُّد الأجناس التي تشتغل فيها، من الرواية والقصة إلى المسرح وأدب الأطفال، يفتح أمامها إمكانات مختلفة لتناول الإنسان وأسئلته. وتظهر في تجربتها عناية واضحة بالمسائل الإنسانية والاجتماعية، والعلاقةِ بين الفرد والعالَم المحيط به، فضلًا عن توظيف الرمز والاحتمال في بناء المعنى.
أمَّا إيزابيل الليندي، فقدْ جعلت من التداخل بين الذاكرة والتاريخ والحياة الخاصة والعناصة غير المألوفة ملمحًا بارزًا في عدد من أعمالها. في عالَمها، لا تبدو الأرواحُ والأحداث الخارقة عناصر دخيلة على الحياة، وإنما تدخل في نسيجها السردي إلى جوار السياسة والعائلة والحُب والفقد والسُّلطة.
من الصعب قراءة التجربة الإبداعية لسناء الشعلان من خلال البحث عن الحكاية وحدها، لأن الكتابة لديها تتَّصل أيضًا بموقف من الإنسان والمجتمع ، وبأسئلةٍ تتعلق بالحرية والهُوية والعدالة والمرأة والطفولة والهامش الإنساني. وهذه الموضوعات لا تظهر بالضرورة في صورة خطاب مباشر، بلْ يمكن أن تتخذ أشكالًا سردية ورمزية تتيح للقارئ اكتشافَ دلالاتها بنفسه.
إنَّ ما يستحق الانتباه في عالَمها هو أن الواقع لا يُقَدَّم باعتباره حقيقة مكتملة لا مجال للاعتراض عليها. الشخصية الأدبية لا يمكن اختزالها في فرد يؤدِّي وظيفة داخل الحكاية، فهي مساحة تتصارع فيها الرغبات والمخاوف والقيود الاجتماعية، وقدْ يتحوَّل مصيرها إلى سؤال عن طبيعة العالَم الذي تعيش فيه.
في بعض أعمال سناء الشعلان، يتيح الاشتغالُ على الاحتمال المستقبلي والخيال العلمي قراءةَ العلاقة بين الإنسانِ والهُوية والجسد والحُب من خارج التصورات المعتادة. المستقبلُ المُتخيَّل لا يستمد قيمته من غرابة ما يتضمَّنه فحسب، وإنما من قدرته على إعادة طرح أسئلة حاضرة في حياة الإنسان، وبيان ما الذي يبقى مِن هُوية الناس إذا تغيَّرتْ شروطُ وجودهم، وقدرة الحُب على الاحتفاظ بمعناه حين تتبدل الحدود التي نعرف بها الجسدَ والذات.
هذه الأفكارُ تجعل الخيالَ وسيلةً للتفكير، وليس بديلًا عنه. المستقبلُ في الأدب لا يكون مهمًّا لأنَّه يسبق الزمنَ، بل لأنه يكشف ما يخفيه الحاضر من احتمالات ومخاوف.وما يبدو غريبًا في عالَم الرواية قدْ يكون امتدادًا منطقيًّا لمشكلة لَم يُنْتَبَه إلى خطورتها.
ومِن هُنا تأتي أهمية عدم التعامل معَ العجائبي في تجربة الشعلان بوصفه مُرادفًا للغرابة. الغرابةُ وحدها لا تصنع أدبًا، كما أن كثرة الرموز لا تمنح النصَّ عُمقًا تلقائيًّا. القيمة الحقيقية تنشأ عندما تصبح العناصر غير المألوفة جزءًا عضويًّا من رؤية العمل، وعندما يجد القارئ وراءها سؤالًا إنسانيًّا يستحق أن يظل مفتوحًا بعد انتهاء القراءة.
إنَّ الخيال الذي لا يُغَيِّر شيئًا في فهم الواقع قدْ يتحوَّل إلى استعراض، أمَّا الخيال الذي يدفع القارئَ إلى فحص بعض اليقينيات والمُسلَّمات، وتأمُّلِ الممارسات القائمة على الظلم أو الإقصاء أو الاستسلام، فإنه يكتسب وظيفةً معرفية وأخلاقية تتجاوز حدودَ التسلية.
في تجربة إيزابيل الليندي يبدو العالَمُ العجائبي أكثر التصاقًا بالذاكرة العائلية، والحكاياتِ المتوارثة، والتاريخِ السياسي والاجتماعي. إنها لا تضع دائمًا عالَمًا واقعيًّا في جهة، وعالَمًا خارقًا في جهة أُخرى، بلْ تجعل الاثنين يتجاوران، ويتداخلان إلى درجة يصعب معها تحديد اللحظة التي يغادر فيها السردُ المألوفَ.
الأسرةُ عند إيزابيل الليندي ليستْ إطارًا تتحرك داخله الشخصيات فحسب، وإنما فضاء تتراكم فيه الذاكرةُ والأسرار والموروثات والتوترات الاجتماعية والسياسية. وتصبح الشخصيات، عبر أجيال متعاقبة، حاملة لتاريخ عائلي لا ينتهي بانتهاء أصحاب التجارب، بل يستمر في التأثير في الأبناء والأحفاد.
الأرواحُ والقدرات غير المألوفة لا تُستعمَل لمجرد إرباك القارئ أو مفاجأته. إنها تساهم في تشكيل رؤية للعالَم لا تفصل الحياةَ عن الموت فصلًا نهائيًّا، ولا تختزل التجربةَ الإنسانية في الوقائع التي يمكن توثيقها وحدها. الماضي يظلُّ حيًّا في الحاضر، والذاكرة لا تتصرَّف بوصفها أرشيفًا ساكنًا، بلْ قوة تتدخل في المصائر، وتعيد تشكيلَ العلاقات.
وما يجعل هذه التجربة لافتة أن العجائبي لا يلغي التاريخَ، فهو يتجاور في عالَم إيزابيل الليندي معَ العنف السياسي والطبقية والاستبداد والصراع الاجتماعي. والأحداثُ الغريبة لا تمنح الشخصيات حمايةً من القسوة، ولا تُحوِّل المآسي إلى حكايات وردية. قد توجد الأرواح، لكن الموتُ يظلُّ موجعًا، وقد تتَّسع المُخيِّلة، لكن السُّلطة تظلُّ قادرةً على سحق البشر، وقدْ تتوارث العائلةُ أسرارَها، لكن ذلك لا يعفيها من مواجهة أخطائها.
وهذا التداخل يمنح الخيالَ وظيفةً مختلفة عن وظيفة الهروب. إنَّه يعيد إلى المشهد أصواتًا حاولَ التاريخُ الرسمي إسكاتَها، ويمنح الذاكرةَ العائلية قدرةً على مقاومة النسيان. لذلك لا يمكن فصل الواقعية السحرية عن المسألة السياسية والاجتماعية، لأنَّ القضية تتعلَّق بمجتمع له جِراحه، وبشرٍ تتداخل حياتهم الخاصة معَ التحولات العامة.
وإيزابيل الليندي نفسها لا تقبل اختزالَ مسيرتها كُلِّها في الواقعية السحرية. وقدْ أوضحتْ أن هذا الأسلوب حاضر بقوة في أدبها، لكنَّه لا ينطبق على جميع رواياتها، وأنَّ لكل قصة طريقتها الخاصة في السرد، وهذه ملاحظة مهمة، لأنَّه تُحذِّرنا من تحويل تجربة أدبية واسعة إلى وصفة نقدية جاهزة.
قد يبدو وضع سناء الشعلان وإيزابيل الليندي في مقارنة واحدة مغريًا بسبب حضور الخيال والعناصر غير المألوفة في تجربتيهما، لكن المقارنة الجادَّة لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لإثبات أن إحداهما تشبه الأُخرى في كل شيء. لكلِّ كاتبة عالَمها ومرجعياتها وأدواتها السردية، كما أن السياق الثقافي والتاريخي الذي تشكَّلَ في كُل تجربة يفرض أسئلته الخاصة.
سناء الشعلان تكتب من فضاء عربي له خصوصيته الاجتماعية والثقافية، وتتعامل معَ قضايا الإنسان العربي وأسئلته وتحولاته، وتستثمر أشكالًا سردية متنوعة لتفكيك علاقته بالمجتمع والسُّلطة والهوية.
إيزابيل الليندي تنتمي إلى فضاء أدبي لاتيني له تاريخ طويل معَ الواقعية السحرية، وتجارب روائية جعلتْ من الأسطورة والموروث الشعبي والذاكرة والتاريخ مواد أساسيَّة في تشكيل الحكاية. لكن الاختلاف لا يمنع وجود تقاطعات تستحق الدراسة.
أول هذه التقاطعات هو أن الكاتبتين لا تنظران إلى الواقع باعتباره مادَّة محايدة. الواقعُ عندهما مشحون بالدلالات، وممتلئ بأشياء لا تظهر على سطح الأحداث. وقد تكون الشخصية محاصَرة بقوانين اجتماعية أو تاريخية، لكنها تظل قادرة على إنتاج عالَم داخلي يختلف عن العالَم المفروض عليها.
وثانيها أن المرأة ليست مجرد عنصر في الحكاية، إنَّها مركز مهم لفهم التحولات الإنسانية. والكتابة عن المرأة لا تنحصر في وصف معاناتها أو الاحتفاء بقوتها، وإنما تمتد إلى مساءلة البنى التي تصنع مصيرَها، وتحدد ما يُسمَح لها بفعله وما يُمنَع عنها. ومن خلال الخيال تستطيع الكاتبة أن تضع هذه البنى تحت الاختبار، وأن تتخيَّل إمكانات لا تسمح بها الحياة اليومية بسهولة.
وثالثها أن الذاكرة تحتل مكانة مهمة في مقاومة النسيان. والإنسانُ ليس كائنًا يبدأ من لحظته الراهنة، وإنما يَحمل داخله آثارًا متراكمة من التجارب والعلاقات والخسارات.
تفتح تجربة سناء الشعلان مجالات متعددة للتفكير في الذات والهُوية والوجود الإنساني. بينما تبدو إيزابيل الليندي شديدة الارتباط بتاريخ العائلة وامتداداته. ولا يعني ذلك أن الذاكرة تؤدِّي الوظيفةَ نَفْسَها عند الكاتبتين، بلْ إنهما تلتقيان في إدراك أن الإنسان أكبر من اللحظة التي نَراه فيها.
هناك جانب آخَر يستحق التوقف عنده، وهو العلاقة بين الكتابة النسوية والعالَم العجائبي. التاريخُ الأدبي لم يكن دائمًا عادلًا في التعامل معَ المُخيِّلة النسائية. كثيرًا ما جرى التعامل معَ الحُلْم والحدس والذاكرة الشفوية والحكايات الموروثة بوصفها عناصر هامشية، بينما مُنحتْ أشكال أُخرى من المعرفة سُلطة أكبر بسبب ارتباطها بالمنطق الرسمي، أو المؤسساتِ المُهيمنة.
في تجربة الشعلان، تتصل الكتابة عن المرأة والإنسان بقضايا الحرية والكرامة والقدرة على تقرير المصير. وتتيح أدوات التخييل والرمز والاحتمال تجاوزَ حدود التمثيل المباشر، بحيث يمكن مساءلة الواقع الاجتماعي من خلال بناء واقع سردي آخر، أكثر قدرةً على كشف ما تخفيه الأعرافُ والقيود.
في عوالم الليندي، لا تبدو الحكايات التي تتصل بالأرواح والحدس والقدرات غير المعتادة منفصلةً عن الخبرة النسائية، أوْ تاريخِ العائلة. المرأةُ ليست مجرد متلقية للأحداث، فهي قد تكون صاحبة معرفة لا يعترف بها المجتمع، أو حاملة لذاكرة لا يريد التاريخُ الرسمي الاحتفاظَ بها.
إنَّ العجائبي يمنح المُهمَّشين فرصةً لاستعادة حقِّهم في الكلام. وحين تتغير قواعدُ العالَم داخل النص، تتغير أيضًا مواقع الشخصيات. ومَن كان صامتًا يصبح صاحبَ الحكاية، ومَن كان محكومًا عليه بالعجز يمتلك قدرةً على الفعل، ومن اعتبره المجتمعُ مختلفًا أوْ غريبًا يظهر بوصفه الأكثر إدراكًا لحقيقة الأشياء.
والقارئ لا يدخل الروايةَ العجائبية بحثًا عن إثبات علمي للأحداث، ولا ينتظر من الكاتب أن يُقَدِّم له تفسيرًا لكلِّ ظاهرة. إنَّه يبحث عن تجربة شعورية وفكرية تجعله يرى العالَمَ من زاوية جديدة. وقد تكون الحادثة الخارقة في النص أقل أهمية من أثرها في الشخصية، وقد يكون ظهور الروح مجرد مدخل للحديث عن الفقد، وقد يكون الانتقال إلى المستقبل وسيلة للكشف عن مخاوف الحاضر. والغرابةُ ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لإعادة ترتيب المألوف.
والإنسانُ الذي فقد عزيزًا لا يعيش الموتَ باعتباره حقيقة بيولوجية فقط، إنَّه يواصل الحديثَ معَ الغائب في ذاكرته، ويستعيد صَوْتَه في لحظات الصمت، ويرى حضورَه في تفاصيل كانت تبدو عادية. وقد لا تكون هذه التجربة خارقة بالمعنى الحرفي، لكنها تَحمل من القوة الوجدانية ما يجعلها أقرب إلى العوالم الغرائبية والعجائبية والسحرية.
والإنسانُ الذي يعيش تحت وطأة الخوف لا يحتاج إلى وحش أسطوري حتى يشعر بالرعب. قد يكون الواقعُ أكثر وحشية من أي كائن تتخيَّله الأساطير. كما أن المجتمع الذي يقمع الاختلافَ لا يحتاج إلى عوالم مُتخيَّلة حتى يبدو غريبًا، تكفي مراقبة ما يفعله بالبشر كي ندرك أن المألوف ليس دائمًا طبيعيًّا أو مقبولًا. لا تكفي الفكرة العجائبية وحدها لصناعة رواية ناجحة. النص الذي يكتفي بتكديس المصادفات والغرائب والشخصيات غير المعتادة قد يثير الفضولَ في البداية، لكنه يفقد تأثيرَه عندما يكتشف القارئ أن الأحداث لا تنشأ من منطق داخلي متماسك، وأن الغرابة لا تؤدِّي وظيفةً تتجاوز جذبَ الانتباه.
تنوُّعُ الكتابة عند الشعلان بين الرواية والقصة والمسرح وأدب الأطفال، يكشف عن اهتمام بإمكانات الشكل الأدبي، ورغبةِ التعامل معَ الفكرة من خلال قوالب فنية مختلفة، ولا ينبغي أن نقرأ هذا التنوُّع بوصفه مجرد تعدُّد في الإنتاج، وإنما باعتباره فرصة لدراسة الطريقة التي تتغير بها أدوات التعبير عندما تتغير طبيعة الموضوع والجمهور والنوع الأدبي.
في روايات الليندي، تبرز أهمية النَّفَسِ الحكائي الممتد، وتعدُّدِ الشخصيات والأجيال، والقدرةِ على ربط التفاصيل العائلية بالتحولات التاريخية. الحدثُ الشخصي لا يبقى محصورًا في صاحبه، وإنما يكتسب دلالة أوسع من خلال علاقته بالآخرين والزمنِ.وتُساعد الحكايةُ،بما فيها مِن أسرار ومفارقات وتداخلات،على صناعة عالَم يبدو واسعًا ومفتوحًا على طبقات متتابعة من المعنى.
إنَّ النقد الحقيقي لا يكتفي بتعداد السمات الإيجابية. من الضروري أن نسأل عن مدى توازن الفكرة معَ البناء الفني، وقدرةِ الرمز على الاندماج في الحدث دون أن يتحول إلى إشارة مباشرة، ومدى استقلال الشخصيات عن الوظيفة الفكرية التي يمنحها إيَّاها الكاتب.
الشخصية التي لا تعيش إلا لتوصيل رسالة، تصبح أقرب إلى وسيلة إيضاح منها إلى إنسان روائي. والرمزُ الذي يشرح نَفْسَه باستمرار يفقد جزءًا من طاقته، والحوارُ الذي يتحوَّل إلى محاضرة يُضعف اكتشافَ تفاصيل الحياة، حتى لو كان يَحمل أفكارًا صحيحة.
وقوةُ الأدب لا تأتي مِن نُبل موضوعه وحده، وإنما من الطريقة التي يُحوِّل بها الموضوعَ إلى تجربة فنية. وقدْ تكون القضية الإنسانية عظيمة، لكن معالجتها تحتاج إلى اقتصاد في اللغة، وشخصياتٍ مقنعة، وأحداثٍ تنشأ من داخل العالَم الذي يبنيه النص.
وهذا المعيار ينبغي أن يظل حاضرًا عند دراسة التجربتين، بعيدًا عن تأثير الجوائز أو الشهرة أو الانتماءات الجغرافية. فالكاتبُ لا يُقَاس بما يريد قَوْلَه فقط، وإنما بما ينجح في تحقيقه فنيًّا.
من الأخطاءِ النقديةِ الشائعةِ التعاملُ معَ الواقعية السحرية باعتبارها مِلكية حصرية للأدب اللاتيني، أو باعتبارها شكلًا أدبيًّا يمكن نقله من ثقافة إلى أُخرى دون تغيير.
الإنسانية عرفت الأساطيرَ والحكايات الشعبية والمعتقدات المتعلقة بالأرواح والأحلام والغياب في ثقافات متعددة. وما يختلف هو السياق الذي تتحوَّل فيه هذه العناصر إلى بنية فنية.
في أمريكا اللاتينية، ارتبطتْ تجارب كثيرة من الواقعية السحرية بالتاريخ الاستعماري، والتنوعِ الثقافي، والتقاليدِ الشعبية، والتوترِ بين الحداثة والموروث. وقدْ ساهمَ هذا المناخ في إنتاج أشكال سردية تمزج الوقائعَ التاريخية بالعجائبي دون أن تشعر الشخصيات بضرورة تقديم تفسير عقلاني لكل ما يحدث.
أمَّا في الثقافة العربية، فثمَّة رصيد غني من الحكايات الشعبية والسير والأساطير والتصورات التراثية المتعلقة بالعالَم المرئي وغير المرئي. لكن استثمار هذا الرصيد أدبيًّا لا يعني استنساخَ تجربة أُخرى. الكاتبُ العربي يستطيع أن ينطلق من ذاكرته الثقافية، وواقعِه الاجتماعي، ليصنع عجائبيته الخاصة، بشرط ألا يُحوِّل الموروثَ إلى زينة فولكلورية، وألا يتعامل معه باعتباره مادة جاهزة لا تحتاج إلى إعادة بناء.
وهُنا تبرز أهمية تجربة سناء الشعلان في سياق المقارنة معَ إيزابيل الليندي، حيث تبرز الكيفيةُ التي يستطيع بها الخيالُ في سياق عربي أن يعيد تشكيلَ الواقع، والخصائصُ التي يكتسبها عندما يتَّصل بقضايا الإنسان العربي وهواجسه وأسئلته.
لكلِّ ثقافة طريقتها في تخيُّل العالَم، ولكلِّ مجتمع مخاوفُه وأشباحُه وأسئلته التي لا تنتهي. وقدْ تتشابه الأدواتُ، لكن المعنى الذي تنتجه يتغيَّر بحسب السياق.
القاسمُ المشترك الأكثر أهمية بين سناء الشعلان وإيزابيل الليندي، نجده في الإصرار على أن الإنسان ليس رقمًا داخل التاريخ، أوْ شخصية عابرة في نظام اجتماعي أكبر منه. الإنسانُ يَحمل تناقضاته، ويعيش مخاوفَه الخاصة، ويبحث عن الحُب والانتماء والاعتراف، ويحاول أن يجد معنى لِمَا يتعرض له من فقد وظلم وخيبة. وحين لا يستطيع الواقعُ المباشر أن يستوعب هذه التجاربَ بكل تعقيدها، يأتي الخيالُ لِيُوَسِّعَ مساحةَ التعبير عنها.
عند الشعلان، يصبح الخيالُ مجالًا لاختبار حدود الإنسان وأسئلةِ وجوده، ومساءلةِ واقعه، وإعادةِ التفكير في الهُوية والعلاقات الاجتماعية والاحتمالات التي تفتحها الحياةُ أمامه.لكن يبقى من الضروري ألا نُحوِّل هذا التقاطعَ إلى حُكم نقدي نهائي.
وعند الليندي، تصبح الحكايةُ العائلية وسيلة لاستعادة تاريخ كامل، وتتحوَّل الذاكرةُ إلى مواجهة معَ النسيان، ويكشف العجائبيُّ ما تعجز اللغةُ التاريخية وحدها عن نقله.
التجربتان تحتاجان إلى قراءة نصية تفصيلية، تتناول الأعمالَ واحدةً واحدةً، وتفحص بنيةَ السرد والشخصيات واللغة والزمن والرمز، بدلًا من الاكتفاء بإطلاق أحكام عامَّة عن التشابه والاختلاف.
والقراءةُ النقدية التي تكتفي بوصف الكاتبة بأنها مبدعة، أو رواياتها بأنها عوالم ساحرة، لا تضيف شيئًا إلى فهم الأدب. المطلوب هو اكتشاف كيفية صُنع الأثر، وما الذي يجعل المشهدَ مقنعًا، وسبب بقاء بعض الأحداث عالقة في الذاكرة، بينما يمرُّ بعضُها الآخر دون أن يترك أثرًا.
تُقَدِّم المقارنة بين سناء الشعلان وإيزابيل الليندي فرصةً للتفكير في العلاقة المعقدة بين الواقع والخيال، وقدرةِ الأدب على اختراق الحدود التي يضعها الإنسانُ حول معرفته بالعالَم. لكن الأهم أنَّها تُذكِّرنا بأن العجائبي ليس نقيض الحقيقة بالضرورة، وأن ما يبدو غير مألوف قد يَحمل أحيانًا حقيقة أعمق من الوقائع التي اعتادَ الناسُ التعاملَ معها.
سناء الشعلان لا تستثمر الخيالَ والاحتمال والرمز لمجرد مغادرة الواقع، وإنما تفتح من خلالها أسئلةً تتعلق بالإنسان وهُويته وحقوقه ومصيره، وتختبر قدرةَ السرد على تخيُّل عوالم تتجاوز القيودَ القائمة.
وإيزابيل الليندي لا تستحضر الأرواحَ لكي تجعل الحياةَ أكثر غرابةً، وإنما تمنح الذاكرةَ والحكاية والماضي مكانًا داخل الحاضر، وتكشف من خلالها تشابكَ المصائر الشخصية بالتاريخ الاجتماعي والسياسي.
والعالَم العجائبي الحقيقي لا يسكن بالضرورة الأماكنَ البعيدة، ولا يحتاج دائمًا إلى الأشباح والكائنات الغريبة والأحداث المستحيلة. قدْ يبدأ من غرفة تحتفظ برائحة شخص رَحَلَ، أو ذاكرة ترفض أن تَنسى، أو امرأة تحاول استعادةَ حقها في أن تكون نَفْسَها، أو إنسان يكتشف أن المستقبل الذي كان يخشاه قد أصبحَ واقعَه اليومي.
والأدبُ لا يطالب القارئَ بتصديق كل شيء،لكنه يدعو إلى عدم التسرع في إنكار ما لا يَفْهمه.وهذه واحدة من أهم وظائف المُخيِّلة، وهي منح القارئ مسافة يرى منها الواقعَ بصورة مختلفة، وتذكيره بأن العالَم الذي يعيش فيه ليس بسيطًا كما يتصوَّر، والإنسان أكثر تعقيدًا من جميع التعريفات التي تحاول وَضْعَه داخلها.
بين سناء الشعلان وإيزابيل الليندي لا تكمن المسألة في البحث عن عالَم سِحري واحد، وإنما في اكتشاف طرائق متعددة لقراءة العالَم الإنساني. هناك خيال ينطلق من الذاكرة العائلية والتاريخ. وهناك خيال يتَّجه إلى المستقبل والهُوية والاحتمال، وبينهما تتَّسع مساحة الأدب لتستقبل ما لا تستطيع الحياةُ اليوميةُ قَوْلَه بوضوح.
والواقعُ العجائبي ليس عالَمًا بديلًا يذهب إليه القارئ كي ينسى حياتَه، وإنما هو نافذة يعود منها إلى حياته، وهو أكثر انتباهًا إلى ما كان يختبئ فيها.
لهذا السبب يظلُّ الأدبُ قادرًا على تحقيق المفاجآت، لأنه لا يكتفي بأن يُرينا ما حدث، وإنما يجعلنا نتساءل عمَّا كان يمكن أن يحدث، وما يحدث بالفعل دون أن نراه، وما قدْ نكتشفه في أنفسنا حين نجرؤ على النظر إلى العالَم خارج الحدود المألوفة.
اترك تعليقاً