مستحقات التعليم الخصوصي ووضعيته
نرصد من خلال هذا المقال مآل النقاش “شبه العمومي” حول قضية الرسوم والمستحقات الواجبة للتعليم الخصوصي ووضعيته، وذلك بناء على مراسلة “رئيس الهيئة الوطنية لمؤسات التعليم والتكوين الخاص بالمغرب، السيد: الدكتور علوم فؤاد بنشقرن (هكذا في المراسلة) والموجهة إلى كل من مدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس – مكناس، والمدير الإقليمي لإقليم مكناس. والغرض من هذا المقال هو رصد مستويات الفهم ومستويات الخطاب التي يقدمها ممثلو التعليم الخاص والخصوصي في المغرب لأدوارهم ومكانتهم سواء المجتمعية أو الوظيفية.
بداية، ودون الخوض في الأخطاء اللغوية والأسلوبية التي تطغى على الوثيقة حتى أنها تعتبر وصمة عار في حق مكون يعتبر شريكا في العملية التعليمية التعلمية، سنتوقف عند مستويات أخرى، خصوصا التصورية والأخلاقية والوظيفية وذلك بشكل مجمل عبر قراءة خطية لمضامين هذه المراسلة.
أول ما يلفت الانتباه أن كاتب المراسلة لا يميز بين قرار الإغلاق وبين التوقف المؤقت للأنشطة بناء على قرار الطوارئ الصحية، مما يعني أننا أمام كاتب لا يستطيع تمييز المقتضيات القانونية للقرارت الإدارية وما يترتب عنها من وضعيات، فكيف له أن يتحمل مسئولية الإشراف على العملية التعليمية، مدعيا مع ذلك أن مؤسسات القطاع الخاص التزمت بالمقتضيات والشروط التربوية والبيداغوجية (البيداغوجيا والتربية التي سيتنكر لها في ختام مراسلته) التي فرضتها الدولة في هذا السياق.
نتساءل هنا، أية شروط تربوية امتثلت لها هذه المؤسسات والتلاميذ في حالة حجر مع آبائهم؟ وأية بيداغوجيا تم اعتمادها إذا كانت الوزارة نفسها لم تتعامل مع عملية التعليم إلا بشكل نسبي، ولم تلزم بمخرجاتها المتعلمين. فهل يقصد عملية نسخ الدروس، وتجميع التلاميذ في منصات رقمية بشكل غير موجه، التزاما بالشروط التربوية والبيداغوجية ؟؟ أم أن هذا التقديم توطئة كي ينتقل إلى المستوى الموالي والذي يبتدئه بوصف الآباء الممتنعين عن الآداء بـ’المتقاعسين’، والمتقاعس هو الرافض لأداء فعل أو واجب ما لمجرد التهاون أو الاستهتار، في حين أن وضعية الآباء والأولياء ليست كذلك. وبناء على وصف ‘التقاعس’ يبني ملفه المطلبي المشكل من مجموعة من النقاط المرقمة من 1 إلى 8، والتي يستهلها بالحديث عن “التضامن المجتمعي” وهو التضامن لا نجد بصدده أية إشارة لنصيب هذه المؤسسات منه ولا كيف ستقدم حصتها فيه، بل هي لائحة مطالب لا تتوقف إلا عند محطة تخليص معطى الربح وتمييزه عن الخسارة، بل الأنكى أن هذه النقاط تسير نحو تحديد مطالب تخرق القانون خرقا فاضحا، بل إنها تضمر مستوى هبوط أخلاقي فادح، أولها :
أن يقدم الآباء للمدارس أسباب ومبررات طلب التخفيض من الرسوم، وكأن حياة الناس وأوضاعهم الاجتماعية عرضة للتشهير بكل بساطة، منصبا نفسه هيئة اجتماعية مخول لها الفصل في من يستحق ممن لا يستحق، مع أنه لم يحدد ما هي المقاييس التي بناء عليها ستقبل هذه التربريرات أو ترفض؟ وكيف سوف تحتسب نسب التخفيض بناء على ذلك؟ وما حاجة المؤسسات للاطلاع على أسرار الناس ما دامت تتنصل من أدوارها الاجتماعية كلية واصفة العاجزين عن الأداء بالمتقاعسين،
أكثر من ذلك، يطالب أن يقدم هؤلاء الآباء ‘إشهادات’ قصد استفادتهم من هذا التخفيض [أصبحوا يمارسون سلطة إدارية على الزبناء]، وبناء عليه يطالبون بتدخل الوزارة الوصية على القطاع لدى وزارة المالية قصد احتساب هذه التخفضيات في الضرائب، مع العلم أنهم في البداية تنكروا ورفضوا تدخل الوزارة في شئونهم المالية معتبرين أن كل ما يربطهم بالوزارة هو : الجانب التربوي بناء على القانون (القانون رقم 06.00 .بمثابة النظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي)، وهو الجانب الذي سيضربون به عرض الحائط حين سوف تمس مصالحهم المادية، مما يسمح لنا بالاستنتاج أن كاتب المراسلة قد تحول إلى ‘مشرع’ يحدد ما على الوزارة أن تفعله وكيف عليها ذلك،
ثم، ينتقل بعد ذلك للمطالبة بتمكين العاملين في القطاع، (سائقين، عمال نظافة، أعوان.. وغيرهم) من تعويض% 100 من طرف ص و ض إ؛ فلماذا إذن تطالبون بأداء الرسوم إذا لم تكونوا مستعدين لأداء الأجور ؟؟
بعد ذلك نصل إلى زبدة القول وقشدته، فنجده يذكر الدولة بالتزاماتها وبما يجب عليها القيام من أداء التعويضات ليس فقط للعاملين في القطاع بل حتى للآباء المتضررين، على اعتبار أن الدولة مستفيدة من كونها لا تؤدي شيئا مقابل تعليم أبناء هؤلاء المواطنين، بل إنه يذهب مذهبا لا نجد له وصفا حين يقول : دون تلقي أية خدمة من الدولة، هكذا جازما؛ أي أن الآباء يدفعون الضرائب للدولة لكنهم لا يستفيدون أية خدمة في مجال التعليم قصدا. وهو المطلب الذي يتخذ عنده صبغة الإلزام للدولة عبر الدخول في حسابات الربح والخسارة، مع العلم أن هته المؤسسات تشتغل بخريجين درسوا في جامعات الدولة ولم تكونهم هذه المؤسسات، ويعتمدون في الغالب على أطر الوزارة الرسميون في إطار الساعات الإضافية،
وفي النقطة رقم 7 ، نصل للتتويج الذي لا يتصور وهو مطالبة الأكاديميات والمديريات بالمساهمة في عملية ابتزاز الآباء عبر رهن تمدرس أبنائهم إلى أن يؤدوا ما بذمتهم لهذه المؤسسات. وهو بذلك يكون قد سجل نفسه وقطاعه في أدنى مستويات اللا-تربية واللا-أخلاق، عبر المطالبة باستعمال ورقة ‘تعلم الأطفال’ رهينة ضاربا عرض الحائط كل الالتزامات التربوية والقانونية المحلية منها والدولية، بحيث يريد أن يورط الدولة، من خلال الأكاديمية والمديريات، في خرق القوانين والمواثيق الحقوقية الوطنية والدولية، بل يريد توريطها في خرق فاضح للدستور.
وختاما للائحة المطالب، وككل الذين أعماهم الجشع واعتادوا الفساد والريع وغياب المحاسبة والرقابة واستغلال أبناء الشعب أسوأ استغلال، سواء كانوا زبناءه أو عاملين معه، فإنه يعتبر أن مطالبهم هذه مطالب مشروعة واقعية ومنطقية بعيدا عن النعوتات الظالمة التي تطال القطاع مع أن هذه المراسلة نفسها وصمة عار في تاريخ القطاع.
في المحصلة نقول، هذا ما تجنيه الدولة جراء تحويلها لقطاع حيوي مصيري إلى قطاع ريع، والسكوت عقودا عما يطاله من فساد وعفونة، وهذا ما جناه الآباء والأولياء الذين، وبدل انخراطهم المسئول والمبدئي في تدبير الشأن العام والنضال من أجل المدرسة العمومية ومستقبل كل أبناء المغاربة، اختاروا الحل الأسهل والأناني وتحولوا إلى ضحايا ولقمة سائغة يلوكها أصحاب مثل “هذا الخطاب”.
* أستاذ بالمركز الجهوي لمهنة التربية والتكوين
اترك تعليقاً