وجهة نظر

من الإحسان إلى الاعتمادية: مقاربة أنثروبولوجية سوسيولوجية في تحولات الصدقة بالمغرب

مقدمة

بين نُبل المقصد وضباب الممارسة، تتأرجح الصدقة في المجتمعات الإسلامية بين فعلٍ يُحرّر الإنسان من الحاجة، وآخر يُكبّله في دائرة الاعتماد. فبينما تُعدّ الصدقة في أصلها ركنًا من أركان التكافل الاجتماعي، وجسرًا بين العبادة والتنمية، فإنّ أشكال ممارستها اليوم تكشف عن انزياحٍ واضح عن مقاصدها الأولى. في السياق المغربي تحديدًا، تحوّل الفعل الصدقي من وسيلةٍ للتمكين الاقتصادي والاجتماعي إلى آليةٍ تُعيد إنتاج الفقر والهشاشة البنيوية، وتغذي لدى الأفراد نزعة “الراحة السلبية”، حيث يرضى المتلقي بوضعية العجز طالما أنّ المساعدة مضمونة.

هذه الظاهرة ليست حكرًا على المغرب، بل هي امتداد لأنماط من الاعتمادية الاجتماعية التي رصدها علماء الاجتماع الغربيون في تجارب دول الرفاه مثل فرنسا، حيث أدى نظام المساعدات المستمرة إلى خلق فئات اجتماعية “تعيش من الإعانة” دون تحفيز ذاتي على الإنتاج. إلا أنّ خصوصية الحالة المغربية تكمن في التداخل بين المرجعية الدينية والاقتصاد غير الرسمي، وبين الصدقة كقيمة روحية والواقع الاجتماعي الذي حوّلها أحيانًا إلى “اقتصاد خفي للهشاشة”.

من هنا، تهدف هذه المقاربة إلى قراءة تحولات الصدقة في المغرب من زاويتين متكاملتين: الأنثروبولوجية التي تدرس المعنى الرمزي والثقافي للفعل الصدقي، والسوسيولوجية التي تفكك آثاره البنيوية على منظومة العلاقات الاجتماعية.

1. البنية العقدية للصدقة: من التطهير إلى التمكين

في التصور الإسلامي، الصدقة ليست مجرد فعل إحسان، بل هي مشروع أخلاقي لتحرير الإنسان من أسر المال والأنانية. فهي – بحسب النص القرآني – تطهير للنفس والمال:

“خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا” (التوبة: 103).

لكن هذا البعد الروحي لا ينفصل عن بعده الاجتماعي. فالصدقة في جوهرها ليست لتسكين الفقر، بل لمعالجته من جذوره، عبر تمكين الإنسان من الكرامة والقدرة على الاكتفاء. في الفكر الإسلامي الكلاسيكي، كما عند ابن خلدون، نجد تأكيدًا على أن الإعانة التي تُفقد الإنسان قدرته على الكسب تضعف “العصبية” وتؤدي إلى التواكل والانحطاط الحضاري.

غير أنّ الممارسة المعاصرة للصدقة في المغرب غالبًا ما تنزلق إلى منحى عاطفي، يُغفل هذا البعد التمكيني. فالعطاء يُمارس بدافع الشفقة لا بدافع المشاركة في التنمية، فيتحول الفقير من شريك في الفعل الاجتماعي إلى موضوع سلبي للرحمة. وبهذا تُفقد الصدقة معناها التحريري لتصبح آلية رمزية لتصريف الشعور بالذنب الطبقي أو الديني، بدل أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان من هشاشته.

2. الانزياح الشعائري: من التضامن إلى الطقس الرمزي

يُلاحظ في السنوات الأخيرة أن الصدقة تحوّلت إلى طقس اجتماعي موسمي أكثر منها ممارسة أخلاقية مستمرة. فخلال شهر رمضان والأعياد والمناسبات الدينية، يُغرق الفضاء العام بالمبادرات الخيرية، حيث تتخذ الصدقة طابعًا شعائريًا أقرب إلى “الطقس الجمعي” الذي يُؤدى لتحقيق التوازن الرمزي بين الغني والفقير.

هذا التحول يمكن تفسيره من خلال مفهوم “اقتصاد الهبة” كما طوّره الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس (Marcel Mauss) في دراسته الكلاسيكية الهبة (Essai sur le don). يرى موس أن العطاء ليس مجرد فعل مادي، بل نظام رمزي يُنتج روابط اجتماعية قائمة على تبادل الإلزام: من يعطي ينتظر مقابلًا معنويا، ومن يتلقى يصبح مدينًا اجتماعيًا بالعطاء. لكن في الحالة المغربية الحديثة، اختل هذا التوازن، إذ غاب مبدأ “الردّ” أو المشاركة المتبادلة، فتحولت الصدقة إلى علاقة غير متكافئة تُعيد إنتاج التبعية الرمزية والاجتماعية.

كما أنّ الفضاء الإعلامي والرقمي ساهم في تكريس هذا الطابع الطقوسي. فانتشار مبادرات “الخير عبر الشبكات الاجتماعية” جعل الصدقة أحيانًا عرضًا مرئيًا أكثر منها تجربة روحية. يتكرّس بذلك ما يسميه بيير بورديو “رأس المال الرمزي”، حيث يتحول الفعل الخيري إلى وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية أو “الوجاهة الأخلاقية” بدل كونه التزامًا إنسانيًا أصيلًا.

وهكذا، يُختزل الفعل الصدقي في صور ومشاهد آنية، بينما يُغيب البعد البنيوي المتمثل في تمكين المستفيدين من الخروج من دائرة الفقر.

3. التواكل الاجتماعي والاعتمادية البنيوية

حين تُمارس الصدقة خارج إطار التنمية، تتحول من وسيلة للتمكين إلى آلية لإعادة إنتاج الاعتمادية. هذا ما يسميه الباحثون في علم الاجتماع بـ “نظام الإعانة” (assistanat)، أي حالة من التواكل البنيوي حيث يفقد الفرد حافز العمل والمبادرة، لأن الدعم الخارجي أصبح مصدر العيش الأساس.

في المجتمع المغربي، تظهر تجليات هذا النمط بوضوح في ما يمكن تسميته “الاقتصاد الموسمي للصدقة”، حيث تعتمد فئات واسعة من السكان على المساعدات الرمضانية أو الموسمية كوسيلة بقاء. هذا الوضع يخلق دينامية نفسية واجتماعية خطيرة: فبدل أن يكون العطاء وسيلة للاندماج، يصبح أداة لترسيخ الهامشية.

وتتعمق الظاهرة أكثر حين تمتد إلى المجال العائلي. إذ يتحول التضامن العائلي الإلزامي إلى ما يمكن نعته بـ “تواكل القرابة”. فكثير من الأسر المغربية تُدار على قاعدة أنّ فردًا واحدًا – عادة المهاجر أو الموظف المستقر – يتحمل عبء إعالة الأسرة الممتدة. ورغم أنّ هذا السلوك يُنظر إليه ثقافيًا بوصفه “برًّا وصلة رحم”، إلا أنه من الناحية الاقتصادية يُنتج علاقة غير متوازنة تُضعف روح المبادرة لدى الأفراد المعالين، وتُكبّل إمكانات المعيل نفسه.

بهذا المعنى، تتحول الأسرة من شبكة أمان اجتماعي إلى فخٍّ للاعتمادية، يعيد إنتاج الفقر داخل النسيج العائلي ذاته. وهذه المفارقة تُبرز كيف يمكن لقيمة نبيلة – مثل التضامن – أن تنقلب إلى عامل تثبيت للهشاشة إذا لم تُضبط بمنطق التمكين.

4. من العطاء العاطفي إلى التمكين البنيوي

تجاوز هذا الوضع لا يقتضي إلغاء الصدقة، بل إعادة توجيهها لتستعيد معناها الأصلي: تحرير الإنسان من الحاجة لا تثبيته فيها. فالإشكالية ليست في الفعل ذاته، بل في منطق تدبيره.

يمكن هنا استلهام مقاربة الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سِن (Amartya Sen) حول مفهوم “القدرات” (Capabilities)، الذي يرى أن العدالة الاجتماعية تتحقق حين يُتاح للفرد امتلاك الأدوات التي تمكنه من اختيار نمط حياته بحرية. وفق هذا المنظور، تكون الصدقة العادلة هي التي توسع قدرات الفرد على الفعل والعمل، لا تلك التي تمنحه سلعة تُستهلك ثم تنفد.

على مستوى الممارسة، يمكن تصور ثلاثة مستويات من التحول:

على مستوى الفرد:
تحويل الصدقة من عطاء مادي مباشر إلى “هدية تمكينية”؛ مثل تمويل دراسة، اقتناء أدوات عمل، أو تغطية تكاليف علاج تعيد للفرد قدرته على الكسب.
على مستوى الجمعيات والمجتمع المدني:
الانتقال من نموذج “التوزيع” إلى نموذج “التمكين”، أي من منح السلع إلى دعم المشاريع الصغيرة والتدريب المهني. يمكن للجمعيات أن تتحول إلى منصات استثمار اجتماعي تُعيد دمج المستفيدين في دورة الإنتاج بدل الاكتفاء بتصريف الموارد.
على مستوى الأسرة:
إعادة تعريف “برّ الأقارب” كمشروع تنموي؛ فبدل تقديم دعم شهري متكرر، يمكن استثمار المساعدة في تعليم أحد أفراد الأسرة أو تمويل مشروعه الصغير، بما يضمن استقلاليته المادية.

إنّ هذا التحول من “العطاء الاستهلاكي” إلى “التمكين الإنتاجي” هو ما يعيد للصدقة بعدها المقاصدي الأصيل، باعتبارها وسيلة لتزكية المال والنفس والمجتمع في آنٍ واحد.

5. البعد الثقافي والتحولي للصدقة في السياق المغربي

لا يمكن فهم ظاهرة الصدقة في المغرب بمعزل عن البنية الثقافية التي تؤطرها. فالعطاء في المخيال المغربي يتجاوز الدافع الديني إلى كونه فعلًا للتماسك الاجتماعي وللحفاظ على السمعة الطيبة داخل الجماعة. هذه الوظيفة الرمزية جعلت من الصدقة “لغة اجتماعية” لتبادل الاعتراف أكثر مما هي وسيلة لتوزيع الثروة.

من هنا، يتداخل المقدس والدنيوي في الممارسة الصدقية. فالعطاء في الزاوية أو المسجد أو عبر الجمعيات الخيرية يرتبط غالبًا بتطلّع روحي للثواب، لكنه أيضًا يُسهم في إعادة إنتاج المكانة الاجتماعية للفاعل. وهذا ما يجعل إصلاح منظومة الصدقة يتطلب ليس فقط إجراءات اقتصادية أو تنظيمية، بل تحولًا ثقافيًا في وعي العطاء ذاته: من منطق الثواب الفردي إلى منطق التنمية الجماعية.

التحول المطلوب إذن هو الانتقال من “صدقة الرحمة” إلى “صدقة العدالة”، أي من عطاء يُسكّن الألم إلى عطاء يُزيل أسبابه. فالصدقة التي تُعيد للإنسان قدرته على الاختيار والعمل ليست عملًا خيرًا فحسب، بل فعلًا تنمويًا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الغني والفقير، وبين الدين والحياة اليومية.

خاتمة

ليست أزمة الصدقة في المغرب مسألة أخلاق أو نوايا، بل أزمة تصورٍ ونسقٍ اجتماعي. فحين يُختزل الإحسان في العطاء العاطفي، نفقد جوهره التحريري. والنتيجة أن يتحول التكافل إلى تواكل، والرحمة إلى آلية لتثبيت الهشاشة.

الرهان اليوم هو إعادة بناء العلاقة بين الإحسان والعدالة، بحيث تصبح الصدقة ممرًا نحو الكرامة لا وسيلة للنجاة الرمزية. وهذا لا يتحقق إلا حين نُدمج فعل العطاء في مشروع التنمية، عبر تشريعات تحفّز المسؤولية الاجتماعية وتربط الصدقة بالإنتاج والعمل والتعليم.

إنّ الصدقة التي تحرر لا تُقاس بمقدار المال المبذول، بل بمدى قدرتها على استعادة إنسانية المتلقي وفاعليته. وعندها فقط، تستعيد الصدقة معناها القرآني الأصيل: تزكية للمال والنفس والمجتمع، لا مجرد طقس موسمي لتسكين الضمير.