حين تصبح الكرة دولة
ما بالُ هذه البلاد قد أصبحت تُدار بمنطق الكرة؟ سؤالٌ يفرض نفسه كلما خرجت الكرة من ملعبها، وتسلّلت إلى الشاشات والوزارات والانتخابات، حتى خُيّل إلى الناس أن الدولة لم تعد دولةً لها كرة، بل كرةً لها دولة.
فالكرة، في أصلها، جسمٌ مستدير، أجوفُ من الداخل، لا يعيش إلا بالهواء؛ ومع ذلك تستطيع أن تملأ الملاعب والمدرجات والشاشات، وأن تمدّ ظلّها إلى السياسة والإدارة والمجال العام. كانت لعبة، ثم صارت صناعة، ثم تحولت إلى نفوذ، حتى بدا أن صاحبها قد يُعامل، عند بعض القوم، بوصفه مفتاحاً لكل الأبواب.
وهنا يحقّ للمرء أن يسأل: هل صار الفوز في مجال واحد شهادة كفاءة مفتوحة في كل المجالات؟ وهل يكفي أن يرفع المرء كأساً في الملعب كي يُنظر إليه باعتباره صالحاً لإدارة الميزانية، وإعادة ترتيب الأحزاب، واستقطاب الأعيان، وتوجيه الانتخابات، وجمع أصحاب المصالح حوله؟
لا أحد ينكر قيمة الإنجاز الرياضي، ولا ينكر أن تدبير الميزانية مسؤولية رسمية لها أهلها وأدواتها. لكن القضية ليست في الرياضة وحدها، ولا في شخص بعينه، بل في المنطق الذي يحوّل النجاح الرياضي إلى رصيد سياسي، ثم يحوّل الرصيد السياسي إلى سلطة على المجال العام. فالمشكلة تبدأ حين لا يعود الانتصار في الملعب إنجازاً رياضياً فحسب، بل يصبح جواز مرور إلى مواقع لا علاقة مباشرة لها بالملعب.
فالرجل هتف في أذنه يا فوزي :
إليك أسماء الاقاليم ، وإليك ما خفي عن العيون وما ظهر في الصناديق وما بطن ، فطُر على بركة الله، وسنهيئ لك المواعيد والموائد، واستقطب من شئت، فإنك لدينا محظوظ سعيد.
فيجيب صاحب الكرة والزمان :
كيف تُحيي حزباً وهو رميم؟
فيأتيه الجواب:
يُحييه النفوذ، وتُحييه الشبكات، وتُحييه الأسماء، ويُؤذَن في الانتهازيين وأصحاب المصالح، فيأتونك من كل إقليم عنيد.
ثم يُعطى الهدهد، ويعطى المنابر، ويعطى الصحافة، ويُعطى الأعيان، وتُعطى المنصات، ويُسخّر له جنود الإنس والجن، ثم يُقال له: اذهب فبشّر الناس بالنصر!
وليس المقصود بهذا المشهد أن يُنسب إلى أحد ما لم يثبت، بل هو مرآة ساخرة لما يخشاه الناس حين تختلط الرياضة بالسياسة، والميزانية بالانتخابات، والنفوذ بالكفاءة، وحين يصبح الرجل الواحد جواباً جاهزاً عن كل سؤال.
فهل هو مفكر استثنائي؟ لا ندري.
وهل هو فيلسوف في الحكامة؟ لا ندري.
وهل أعاد ترتيب التعليم حتى أصبح المغرب في مصاف الأوائل؟ لا ندري.
وهل هو الوحيد الذي درس في هذا الوطن؟ كلا. فالمغرب لم يعقم عن العلماء والأساتذة والباحثين والخبراء وأصحاب المشاريع والأفكار.
فأين ذهبت الطبقة السياسية؟ وأين الدكاترة والأساتذة والباحثون والخبراء؟ وأين أصحاب البرامج والمشاريع؟ ولماذا يُختصر الوطن في رجل، والحزب في اسم، والانتخابات في نفوذ، والكفاءة في عدد الكؤوس؟
إن النجاح الرياضي يثبت القدرة على النجاح في الرياضة، لا على إدارة كل ما عداها. وهذه بديهية تبدو بسيطة، لكنها تضيع حين يختلط الإعجاب بالإنجاز بالانبهار بصاحبه.
فالكرة لها قوانينها: تسعون دقيقة، وحكم، ومرمى، وشبكة، وفائز وخاسر. أما الدولة فلها تعليم وصحة وقضاء واقتصاد وإدارة وفقر وبطالة وضرائب ودبلوماسية وحكامة. وهذه مجالات لا يكفي فيها التصفيق، ولا تنفع فيها صافرة الحكم.
والميزانية ليست كرة، والدولة ليست ملعباً، والشعب ليس جمهوراً في المدرجات، والانتخابات ليست مباراة، والمواطن ليس مشجعاً ينتظر صافرة النهاية. والأخطر أن يتحول السياسي إلى لاعب، والناخب إلى مشجع، والبرنامج إلى قميص، والانتخابات إلى مباراة، ثم يُمنح من يرفع الكأس ثقةً سياسية لا يبررها إلا بريق الانتصار.
الخطر، إذن، ليس في الرجل وحده، بل في العقلية التي تبحث دائماً عن بطل واحد:
رجل واحد للكرة.
ورجل واحد للميزانية.
ورجل واحد للسياسة.
ورجل واحد للحل.
حينها لن نصبح امام دولة المؤسسات، بل دولة الأشخاص. وليست حكامة، بل اختصارٌ معيب للمجال العام في صورة فرد. فحين يصبح النجاح الشخصي بديلاً عن العمل المؤسسي، تتحول الكفاءة من معيار قابل للفحص إلى هالة تحمي صاحبها من الأسئلة، ويصبح التصفيق بديلاً عن المحاسبة.
أما الإنجازات الرياضية فنحترمها ونحتفي بها؛ فالانتصار الرياضي انتصار رياضي، وله قيمته وفرحته ومكانته. لكن لا ينبغي أن نجعل من الهدف في الملعب مفتاحاً لكل أبواب الدولة، ولا من الكأس ميزاناً للكفاءة في التعليم والصحة والقضاء والاقتصاد والسياسة. فالمجال العام لا يُدار بمنطق: من فاز بالأمس ينجح في كل شيء غداً.
والمفارقة أن الكرة مملوءة بالهواء، والهواء فيزيائياً فراغ. فإذا بالغنا في نفخها، لا تتحول إلى دولة، بل إلى بالون. والبالون، مهما ارتفع، يبقى مربوطاً بخيط؛ ومهما بدا ضخماً، يكفيه ثقب صغير ليعود إلى حجمه الطبيعي.
ولا مشكلة أن ينجح الرياضي في الرياضة، لكن المشكلة أن يصبح النجاح الرياضي جواز سفر إلى كل المناصب.
* الامين العام لحزب النهضة والفضيلة
اترك تعليقاً