كانت جماعة تغبالت، في زمن غير بعيد، واحدة من المناطق النشيطة ثقافيًا وتجاريًا بجنوب شرق المغرب، وكان اسمها حاضرًا بقوة في ذاكرة الساكنة والزوار على حد سواء، بفضل ما كانت تحتضنه من مهرجانات ومعارض موسمية يُصطلح عليها محليًا بـ«أكَدّود».
فقد عرفت المنطقة، على الأقل، دورتين سنويتين بارزتين: أكَدّود سيدي دافو وأكَدّود سيدي بوخلفة، وهما ليسا مجرد أسواق عابرة، بل ملتقيان ثقافيان وتجاريان متكاملان، يجتمع فيهما البعد الاقتصادي بالبعد التراثي والإنساني.
كان «أكَدّود» فضاءً مفتوحًا للتبادل التجاري، تُعرض فيه المواد الغذائية، وأدوات العمل، ومنتجات الصناعة التقليدية، ويقصده أبناء القرى المجاورة، وعلى رأسها دوار تقبلت، للتزود بحاجياتهم السنوية. كما كان مناسبة اجتماعية وثقافية تُقام خلالها طقوس تاريخية وتراثية تعكس عمق الهوية المحلية وتماسكها.
بل أكثر من ذلك، كانت تغبالت تستقبل زوارًا وتجارًا رحّلًا من مدن ومناطق مختلفة من المغرب، ما جعلها آنذاك نقطة إشعاع إقليمي، ومجالًا للتعريف بها وبمؤهلاتها.
غير أن هذا الزخم انطفأ تدريجيًا. فمع توقف تنظيم هذه المعارض، فقدت تغبالت إحدى أهم آليات التعريف بها، ودخلت مرحلة من التهميش غير المبرر، في وقت اختارت فيه مدن أخرى، وعلى رأسها مدينة زاكورة، الاستثمار في المهرجانات والمعارض الحديثة، حيث تُنظَّم اليوم عشرات التظاهرات الثقافية والتجارية على مدار السنة، تُسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتحسين البنية التحتية، وجلب السياح، وخلق فرص الشغل.
والمفارقة المؤلمة أن تغبالت، التي كانت سبّاقة تاريخيًا إلى هذا النوع من التنظيم، أصبحت اليوم غائبة تمامًا عن خريطة المهرجانات، وكأن ماضيها الثقافي لا يستحق الاستمرار. فغياب المعارض والمواسم لم يؤثر فقط على الحركة الاقتصادية، بل حرم المنطقة من فرص تطوير طرقها، ومحلاتها التجارية، وفضاءات استقبال الزوار، وأضعف حضورها السياحي والتجاري.
اليوم، لم يعد المطلب كبيرًا أو تعجيزيًا؛ فالساكنة والفاعلون المحليون يطالبون، على الأقل، بتنظيم مهرجان واحد سنوي أو معرض للصناعة التقليدية، يكون واجهة للترويج لمنتجات المنطقة، والتعريف بمآثرها التاريخية، ومؤهلاتها الطبيعية، وذاكرتها الثقافية الغنية.
فهذه المهرجانات ليست مجرد تظاهرات ثقافية، بل تمثل متنفسًا حيويًا للساكنة المحلية المحرومة من الفضاءات الخضراء والأنشطة الترفيهية. كما ستشكل فرصة تسويقية مهمة للمنتجات المحلية، خاصة تلك التي تُبدعها النساء في مجال الحرف التقليدية، مما يعزز الاقتصاد المحلي ويمنح المنتوج المحلي قيمة اقتصادية حقيقية.
إضافة إلى ذلك، ستوفر هذه التظاهرات فضاءً تجاريًا واعدًا للتجار والمبتدئين في مجال التجارة، بما يساهم في خلق فرص شغل وتحفيز الاستثمار المحلي.
ومن هنا، تُوجَّه الدعوة إلى مجلس الجماعة المحلي لتبني مهرجان سنوي يستجيب لحاجيات الساكنة، خاصة أن تغبالت منطقة واسعة تتوفر على مؤهلات كبيرة لاحتضان مثل هذه التظاهرات، من واحات خضراء، ومعالم تاريخية، ومآثر تستحق الزيارة، مما يجعلها وجهة مفضلة ليس فقط للزوار المحليين، بل للسياح من مختلف أنحاء البلاد.
إن استمرار هذا الوضع يُنذر بخطر حقيقي، ليس فقط على مستوى التنمية الاقتصادية، بل أيضًا على الذاكرة الجماعية للمنطقة وهويتها. فتغبالت لا تفتقر إلى التاريخ، ولا إلى التراث، ولا إلى الموارد البشرية، بل تفتقر إلى قرار شجاع يعيد لها الاعتبار ويُخرجها من دائرة النسيان.
إن دقّ جرس الخطر اليوم ليس ترفًا صحفيًا، بل واجبًا أخلاقيًا وتنمويًا؛ فإما أن يُعاد إحياء روح «أكَدّود» برؤية عصرية تخدم التنمية المحلية، أو أن يستمر التهميش، وتُطوى صفحة مشرقة من تاريخ منطقة كانت يومًا ما قبلة للزوار والتجار، وأصبحت اليوم تنتظر فقط من يُنصت لندائها.