وجهة نظر

الديمقراطية واختلال التمثيل

تُقدَّم الديمقراطية، في الفكر السياسي، كأفق معياري نهائي، تُقاس إليه الشرعيات وتُدان على ضوئه الانحرافات. مُختزلة في صيغة عددية، تُسوّي بين الحقيقة والكم، وتُضفي على الإرادة المُعبَّر عنها انتخابيا طابعا يقارب البداهة. رغم ما يخفيه هذا التقديس الإجرائي، في العمق، من هشاشة بنيوية تتعلق بطبيعة ما يُفترض أنه يُمثَّل، وبكيفية تمثيله.

ذلك أن مفهوم “الإرادة العامة”، الذي يشكل حجر الزاوية في التصور الديمقراطي، لا يحيل في الممارسة إلى معطى سابق على العملية السياسية، بل إلى ناتج لها، أي إلى تركيب مُنتَج داخل فضاء مشبع بعلاقات القوة. وبهذا المعنى، فإن ما يُقدَّم بوصفه تمثيلا، ليس سوى إعادة تشكيل مُقنَّعة للواقع الاجتماعي، وفق آليات تتجاوز الفعل الانتخابي في ذاته، لتشمل منظومات التأثير الرمزي، ورأس المال السياسي، وأشكال الضبط غير المرئية.

ضمن هذا الأفق، تغدو المساواة السياسية ـ في صيغتها الشكلية ـ مبدأ ملتبسا. فهي، من جهة، تؤسس لحق متساو في المشاركة، لكنها، من جهة أخرى، تُعلّق هذا الحق في فراغ لا يأخذ بعين الاعتبار الفوارق الفعلية في الكفاءة المعرفية والقدرة التداولية. وعليه، لا يعود الصوت الانتخابي معبّرا عن موقع داخل أفق عقلاني مشترك، بل عن اصطفاف داخل شبكة من التأثيرات المتباينة، حيث يتحدد الاختيار بقدر ما يتحدد بالتوجيه.

ومن ثم، فإن إشكال التمثيل لا يكمن في انحراف عرضي، بل في بنية النظام، إذ لا يضع، في صيغته المهيمنة، شروطا نوعية للولوج إلى الفضاء التمثيلي، لأن أي اشتراط يُقرأ بوصفه مساسا بالمساواة. غير أن هذا الامتناع عن الاشتراط، الذي يُقدَّم كضمانة ديمقراطية، ينقلب إلى آلية لتسوية الفوارق، بحيث يُصبح معيار الوصول هو القابلية للحشد، بكافة السبل الممكنة، التي تختلف حسب الأنساق وتبعا لطبيعة المخاطَب.

بهذا المعنى، لا تعمل الديمقراطية على فرز النخب بقدر ما تُعيد توزيع إمكانات الوصول وفق منطق السوق السياسي، تتفوق المقدرة التواصلية على الكفاءة المعرفية، ويُستبدل معيار الأهلية بمعيار القابلية للتسويق. وهنا تتبدد الفرضية الكلاسيكية التي تربط بين العدد والعقلانية، ليغدو الإجماع العددي أثرا جانبيا لسيرورات تأثير لا يمكن اختزالها في حرية الاختيار.

إن الدفاع غير المشروط عن هذا التصور الإجرائي للمساواة، يكشف عن مفارقة عميقة، إذ بينما يُفترض فيه تحييد الهيمنة، ينتهي إلى إعادة إنتاجها في شكل أكثر “مقبولية”، فبدل أوليغارشية مُعلنة، تتشكل أوليغارشية مُضمَرة، تعمل داخل القواعد ذاتها التي يُفترض أنها تقوّضها. وبذلك، لا تُلغى علاقات السيطرة، بل يُعاد توزيعها داخل بنية أكثر تعقيدا، وأقل قابلية للرصد، لاحتمائها النظري بمعطى ” الأغلبية”.

ولا يعني هذا الانزلاق نحو نقد معياري خارجي للديمقراطية، بقدر ما يفرض مساءلتها من داخل مفاهيمها. فإذا كانت الحرية السياسية تفترض، في حدها الأدنى، قدرة على التقدير، فإن تغييب شروط هذه القدرة يجعل من المساواة إجراءً فارغا، ومن الاختيار فعلا مُفرغا من مضمونه التداولي. وعليه، فإن السؤال لا يتعلق بإمكانية تقييد الإرادة الشعبية، بل بكيفية صيانتها من التفريغ ومن الصورية.

غير أن أي محاولة لإدخال معايير نوعية تصطدم فورا بشبهة النخبوية، بما يكشف عن مأزق لا يمكن حله ضمن ثنائية الإطلاق والتقييد. فالديمقراطية، في جوهرها، ليست نظام توازن مستقر، بل توتر دائم بين مقتضيات الانفتاح وشروط الفعالية، بين مبدأ الشمول وضرورة الانتقاء.

وعليه، فإن المسألة لا تتعلق بالدفاع عن الديمقراطية أو الطعن فيها، بقدر ما تتعلق بتفكيك توترها الداخلي الذي لا يُختزل. فهي، في آن واحد، آلية للانفتاح غير المشروط، وبنية تتطلب قدرا من الانتقاء. وهي وعد بالمساواة، لكنها مشروطة بفوارق لا تستطيع استيعابها دون أن تُفرغ ذاتها. بهذا المعنى، لا تُفهم الديمقراطية كحلّ، بل كمعضلة دائمة، كل محاولة لتخليصها من نقائصها تُهدد بتقويض أحد أسسها، وكل إمعان في إطلاق مبادئها يدفع بها نحو حدودها القصوى، حيث تنقلب على ذاتها. وبين هذين الحدّين، لا تستقر الديمقراطية، بل تستمر بوصفها توترا غير محسوم.

وليس نقد الديمقراطية خاصية حديثة اقترنت بأزماتها المعاصرة، بل يكاد يكون ملازما لنشأتها. ويكفي في هذا السياق، استحضار السجال الأثيني حولها، حيث صاغ كلٌّ من أفلاطون وأرسطو، على اختلاف منطلقاتهما، اعتراضات مبكرة على منطقها. فإذا كان أفلاطون قد ربطها بإمكان انزلاقها نحو حكم الأهواء والدهماء وصعود الخطاب الديماغوجي، بما يفضي إلى تقويض معيار الكفاءة، فإن أرسطو، وإن كان أكثر اعتدالا، لم يُخفِ بدوره قابلية هذا النمط من الحكم للانحراف حين تنفصل إرادة الكثرة عن فكرة الصالح العام. وبهذا المعنى، لا يظهر نقد الديمقراطية كطارئ على مسارها، بل كبعد مكوِّن من تاريخها النظري، يكشف عن توترها الأصلي بين مبدأ العدد ومطلب العقلانية.

لذلك، فإن ما يجعل الديمقراطية أقلّ الأنظمة سوءا ليس كمالها، بل قابليتها للدوران على ذاتها، بما يفتح أفق التغيير ويُبقي الإمكان قائما.