تقديم عام:
تعد الأعياد والمناسبات مجالا لإبراز العادات والأعراف لدى سكان كل منطقة، إذ تختلف من منطقة لأخرى حسب الخصوصية التي تميز كل قطر من أقطار البلاد.
ويعتبر عيد الأضحى من أهم المناسبات الدينية التي تحظى بأهمية كبيرة لدى سكان قبائل سوس لعدة أسباب، دينية وتاريخية واقتصادية، مما جعل من عيد الأضحى مناسبة بأبعاد مختلفة تجاوزت المنطق الاحتفالي الديني، الى منطق الاحتفال بالعادات الفلاحية والفنية والتجارية.
فنظرا للعامل الجغرافي للمنطقة الموصوف بالنائي لتوسع المجال القروي بها، فرض على أغلب سكان منطقة جزولة الكبرى الهجرة للبحث عن فرص الشغل بحواضر المغرب، وهو ما يجعل المدن في حالة فراغ تام من ناحية الحركية الاقتصادية والتجارية في عطلة عيد الأضحى، وتمتاز كل منطقة من أرض سوس بالتزامها بحرفة ومهنة معينة بالمدن بشكل متوارث بين الأجيال، كمثال حرفة بيع المواد الغذائية فتتمركز بمحور (اغرم-تفراوت-أيت باها).
وسيتم في هذه الدراسة معالجة مفاهيم متعددة يجمع بينها رابط الاحتفال بعيد الأضحى، وهي مفاهيم مرتبطة أساسا بنمط عيش الانسان السوسي وهجرته واستقلاله الاقتصادي وارتباطه الوجداني بالدين والتصوف(المواسم الدينية) والبعد الاحتفالي الفرجوي الفني(الرمى-بوجلود_بيلماون-أحواش)، والسيرورة التاريخية للاحتفال بالعيد في ظل تطورات العصرنة والحداثة واللمسة الشبابية التي أفرزت مظاهر أخرى للاحتفال -كدوريات كرة القدم والملتقيات الثقافية-، والتحول الاداري في نمط تسيير القبيلة -أي البعد السياسي للأحزاب والبعد المدني للجمعيات-، وبروز مراكز حضرية داخل منطقة سوس أصبحت تشكل النموذج الأمثل للأصالة والمعاصرة”أكادير نموذجا”.
المحور الأول: السفر كمعطى اجتماعي للاحتفال بعيد الأضحى في ناحية سوس
تشكل عطلة عيد الأضحى في مناطق سوس مناسبة اجتماعية تتجاوز بعدها الديني المرتبط بأداء شعيرة الأضحية، لتتحول إلى لحظة جماعية كبرى تعيد تشكيل الحركية البشرية داخل المجال السوسي وخارجه، حيث تعرف مختلف الطرق والمحاور الرابطة بين المدن الكبرى ومناطق سوس حركة انتقال كثيفة تعكس قوة الارتباط الرمزي والعاطفي بالأصل العائلي والمجال القروي. فمع اقتراب العيد يبدأ آلاف الأفراد المنحدرين من سوس والمقيمين في مدن مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة في تنظيم رحلات العودة نحو القرى والدواوير والمدن الصغرى المنتشرة بمناطق سوس، في مشهد سنوي أصبح جزءا من الذاكرة الجماعية المحلية، إذ ينظر إلى قضاء العيد داخل “تامازيرت” باعتباره حفاظا على الروابط العائلية واستمرارا لقيم التضامن وصلة الرحم التي ما تزال تحظى بمكانة مركزية داخل الثقافة السوسية الموروثة من أعرافها الحسنة، وهو ما يجعل المدن الكبرى في حالة فراغ تام من أهل سوس مما يؤثر على الحركية الاقتصادية بإغلاق المحلات التجارية نظرا للانتشار الكبير لسكان سوس في كل مناطق المغرب التي تكون في حالة شلل تام خصوصا فيما يتعلق بتجارة المواد الغذائية وبعض الحرف الأخرى التي يمتهنها أهل سوس.
وتتخذ هذه الحركية أبعادا اقتصادية واجتماعية وثقافية متشابكة، إذ تشهد وسائل النقل العمومي، خاصة الحافلات وسيارات الأجرة الكبيرة، اكتظاظا غير مسبوق، كما ترتفع وتيرة التنقل بالسيارات الخاصة بشكل لافت، الأمر الذي يحول الطرق الوطنية المؤدية إلى مدن مثل أكادير وتافراوت وتارودانت وتيزنيت وأولاد تايمة إلى فضاءات لعبور جماعي مكثف يمتد لساعات طويلة. ولا يرتبط هذا التنقل فقط بالرغبة في الاحتفال، بل يعكس أيضا استمرار البنية الأسرية الممتدة داخل المجتمع السوسي، حيث ما يزال حضور الأبناء والأقارب في بيت العائلة خلال المناسبات الكبرى يمثل قيمة اجتماعية وأخلاقية مهمة، بل إن الغياب أحيانا ينظر إليه باعتباره نوعا من القطيعة الرمزية مع الجماعة الأصلية.
وتبرز في هذا السياق العلاقة الخاصة التي تجمع السوسي بالمجال القروي، فحتى أولئك الذين اندمجوا لسنوات طويلة داخل المدن الحديثة يحتفظون بعلاقة وجدانية قوية مع القرية والأسرة والأرض، وهو ما يجعل عيد الأضحى مناسبة لإعادة وصل ما انقطع مع المجال الأصلي. وتتحول العودة إلى سوس خلال هذه الفترة إلى طقس اجتماعي قائم بذاته، يبدأ بالاستعداد المبكر للسفر واقتناء مستلزمات العيد ونقلها إلى القرية، مرورا بلقاء الأقارب والجيران وتبادل الزيارات، وصولا إلى المشاركة الجماعية في طقوس الذبح وإعداد الطعام وتوزيع اللحوم. ومن هنا فإن الرحلة نفسها لا تُفهم باعتبارها مجرد انتقال جغرافي، بل باعتبارها انتقالا رمزيا من فضاء المدينة الفرداني إلى فضاء الجماعة والتكافل والحميمية الاجتماعية.
كما تكشف هذه الحركية عن استمرار نوع من “الاقتصاد العائلي الموسمي”، إذ تعتمد كثير من الأسر القروية خلال العيد على الدعم الذي يجلبه الأبناء العاملون في المدن، سواء عبر تحويلات مالية أو عبر شراء الأضاحي ومستلزمات الاحتفال، مما يجعل العيد لحظة لإعادة توزيع الموارد داخل الأسرة الممتدة. وفي المقابل تستفيد الأسواق المحلية ومحلات التجارة والنقل من هذه الحركة الموسمية التي تنعش الاقتصاد المحلي بشكل واضح، حيث يرتفع الطلب على المواد الغذائية والفحم والأعلاف والملابس والخدمات المرتبطة بالعيد.
غير أن هذه الرحلات لم تعد تحافظ دائما على طابعها التقليدي القديم، إذ بدأت تعرف تحولات مرتبطة بتغير أنماط العيش ووسائل النقل والتواصل. فبعدما كانت الرحلة نحو سوس تتم في الماضي بشكل جماعي وبطيء، وغالبا في ظروف شاقة، أصبحت اليوم أكثر سرعة وتنظيما بفعل توسع البنية الطرقية واستعمال التطبيقات الرقمية للحجز والتنسيق. كما أن بعض الأسر أصبحت تفضل قضاء العيد داخل المدن بسبب تكاليف السفر أو ظروف العمل أو تغير طبيعة العلاقات العائلية، وهو ما يعكس التحولات التي مست الأسرة السوسية المعاصرة وانتقالها التدريجي من النموذج الجماعي التقليدي نحو أنماط أكثر فردانية. ورغم ذلك ما تزال العودة إلى سوس خلال عيد الأضحى تحافظ على قوتها الرمزية والاجتماعية، باعتبارها ممارسة تؤكد استمرار الانتماء إلى الأصل والمجال والعائلة، وتكشف في الوقت نفسه قدرة المجتمع السوسي على التوفيق بين الوفاء للموروث والانخراط في تحولات الحياة الحديثة.
المحور الثاني: طقوس عيد الأضحى في سوس بين المرجعية الدينية والعادات المحلية
تكتسي الشعائر الدينية المرتبطة بعيد الأضحى داخل المجتمع السوسي مكانة مركزية تتجاوز البعد التعبدي الصرف، إذ تشكل جزءا من البناء الثقافي والرمزي الذي ينظم الحياة الجماعية ويؤطر علاقة الإنسان السوسي بالدين والأسرة والجماعة. فالعيد في مناطق سوس لا يختزل في لحظة ذبح الأضحية فقط، بل يمثل موسما روحيا واجتماعيا تتداخل فيه العقيدة بالعادات، وتتقاطع فيه التعاليم الإسلامية مع الموروث المحلي الذي راكمته الأجيال عبر الزمن. ومنذ الأيام السابقة للعيد تبدأ مظاهر الاستعداد الديني بالظهور من خلال تنظيف البيوت وتهيئتها واستحضار أجواء المناسبة داخل الأسرة، حيث تحرص العديد من الأسر على ربط هذه التحضيرات بمعاني الطهارة والاستقبال الرمزي للأيام المباركة، كما يكثر الحديث داخل المجالس العائلية عن فضل الأضحية وصلة الرحم والتوسعة على الأهل، وهو ما يعكس استمرار حضور المرجعية الدينية في الوعي الجماعي السوسي.
وفي صباح يوم العيد تبرز المكانة الخاصة لصلاة العيد باعتبارها لحظة جماعية جامعة، إذ يتوافد الرجال والشباب والأطفال على المصليات في أجواء يغلب عليها الوقار والفرح في الآن نفسه، بينما تحرص النساء داخل البيوت على استكمال الترتيبات المتعلقة باستقبال أفراد الأسرة وتحضير بعض المستلزمات المرتبطة بالأضحية. وتمثل صلاة العيد في المنظور السوسي مناسبة لإعلان التماسك الجماعي، حيث يلتقي سكان الدوار ويتبادلون التهاني والدعوات وتتم تلاوة الأذكار المرتبطة بصلاة العيد بالطريقة السوسية باللكنة الأمازيغية، كما تستعاد من خلالها قيم التضامن والتسامح والتقارب الاجتماعي، حيث أنها فرصة لأداء أجرة الفقيه السنوية الذي يرتبط بالقبيلة بعقد المشارطة، وبعد العودة من الصلاة تبدأ طقوس الذبح التي تحاط بعناية خاصة، إذ تحرص الأسر على الالتزام بالكيفية الشرعية للأضحية، مع استحضار التكبير والدعاء وذكر اسم الله.
كما يحتفظ المجتمع السوسي بعادات دينية واجتماعية مرتبطة بتقاسم لحم الأضحية وتوزيعه على الأقارب والجيران والفئات المحتاجة، وهي ممارسة تعكس حضور قيم التكافل والتعاون التي تشكل إحدى السمات البارزة للثقافة المحلية. فالأضحية لا تفهم فقط باعتبارها شعيرة فردية، بل باعتبارها مناسبة لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية وتقوية العلاقات داخل الجماعة، لذلك تحرص الأسر على تبادل الأطباق والزيارات واللحوم، ويتم صباح العيد تنظيم فطور جماعي بين أهل المنطقة يساهم فيه الجميع، كل أسرة تأتي بطابق معين ويكون عادة بالمسجد أو قربه والجميع يتناول من كل الأطباق الموجودة، في نوع من الاقتصاد التضامني الرمزي الذي يخفف من الفوارق الاجتماعية ويعزز الإحساس الجماعي بالمناسبة. كما تعرف بعض المناطق السوسية استمرار طقوس مرتبطة بإعداد أكلات وأطباق تقليدية مخصوصة بالعيد، وهي ممارسات تحمل أبعادا ثقافية متوارثة بقدر ما ترتبط بالمناسبة الدينية نفسها.
وتجب الإشارة كذلك أن مناسبة عيد الأضحى وما تعرفه من تجمع كبير لساكنة القرى بمنطقة سوس، تكون الفرصة المواتية لتنظيم الملتقيات والمواسم الدينية، وكذا ما يسمى بالمعروف أو السلكة، التي يتم خلالها قراءة وختم القران بشكل جماعي وتلاوة الأذكار والقصائد الدينية من بردة وهمزية والختم بالدعاء، وتتخلل هذه الجلسات شرب الأتاي وأكل وجبات الفطور والغذاء والعشاء بشكل جماعي.
غير أن الشعائر الدينية للعيد داخل سوس لم تبق بمنأى عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي عموما، إذ بدأت بعض المظاهر التقليدية تتراجع تدريجيا بفعل تغير أنماط العيش وتنامي النزعة الفردانية وتقلص حجم الأسر الممتدة، كما ساهمت وسائل الإعلام والتواصل الحديثة في إعادة تشكيل تمثل الناس للعيد وطقوسه. فبعدما كانت المناسبة تركز أساسا على الجانب الروحي والاجتماعي، أصبح جانب من الاهتمام يتجه نحو المظاهر الاستهلاكية المرتبطة باقتناء الأضاحي والتباهي ببعض تفاصيل الاحتفال، وهو ما يعكس انتقال جزء من المجتمع من منطق البساطة الجماعية إلى منطق الاستعراض الاجتماعي. ومع ذلك ما تزال مناطق كثيرة من سوس تحافظ على جوهر الشعائر الدينية التقليدية للعيد، خاصة في القرى والدواوير التي ما تزال تحتفظ ببنية اجتماعية متماسكة وروابط أسرية قوية، حيث يستمر العيد باعتباره مناسبة لإحياء قيم الدين والتكافل وصلة الرحم واستحضار الذاكرة الجماعية المحلية.
وتكشف هذه الاستمرارية عن قدرة المجتمع السوسي على التوفيق بين المرجعية الدينية الإسلامية والموروث الثقافي المحلي، إذ ظل عيد الأضحى يشكل لحظة تتجدد فيها الروابط بين الأفراد والجماعات، وتعاد من خلالها صياغة معاني الانتماء والتعاون والتدين الشعبي. لذلك فإن دراسة الشعائر الدينية لأهل سوس خلال عيد الأضحى لا تسمح فقط بفهم طقوس الاحتفال، بل تمكن أيضا من قراءة التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع السوسي بين المحافظة على التقاليد والانخراط في مظاهر الحداثة والتغير الاجتماعي.
المحور الثالث: البعد الاحتفالي لدى أهل سوس في عيد الأضحى
يتجلى البعد الاحتفالي لدى أهل سوس خلال عيد الأضحى باعتباره امتدادا مركبا لمجموعة من الممارسات الاجتماعية والثقافية التي تجعل من هذه المناسبة لحظة كثيفة الدلالة تتجاوز إطارها الديني لتتحول إلى فضاء واسع للفرح الجماعي وإعادة إنتاج الهوية المحلية. ففي مناطق سوس لا يختزل العيد في شعيرة الأضحية فقط، بل يفهم باعتباره موسما اجتماعيا وثقافيا تتداخل فيه الاحتفالات الشعبية مع أشكال التعبير الفني واللقاءات الجماعية، حيث تنفتح الفضاءات العامة والخاصة على أنماط متعددة من التفاعل الاجتماعي الذي يعكس عمق الموروث المحلي وقدرته على التجدد، وتعلب في ذلك المرأة السوسية دورا هاما ومحوريا وأساسيا.
ومن أبرز مظاهر هذا البعد احتفال “بيلماون” أو “بوجلود”، الذي يمثل أحد أكثر التعبيرات الشعبية رمزية خلال أيام العيد، حيث يظهر مجموعة من الشباب مرتدين جلود الأضاحي وأقنعة وملابس ذات طابع ساخر أو غرائبي، ويجوبون الأزقة والساحات في أجواء يغلب عليها الطابع الكرنفالي القائم على المزاح والحركة والاستعراض. هذا الاحتفال، رغم طابعه الشعبي العفوي في أصله، يحمل أبعادا رمزية متعددة ترتبط بالذاكرة الثقافية الأمازيغية، إذ ينظر إليه كطقس احتفالي يعبر عن الفرح الجماعي والانفلات المؤقت من القيود الاجتماعية اليومية، كما يعكس فكرة التجدد بعد لحظة دينية مركزية. وقد عرف هذا التقليد تحولات مهمة في السنوات الأخيرة، خاصة في بعض المدن مثل أكادير وإنزكان، حيث أصبح أكثر تنظيما وارتباطا بالجمعيات الثقافية والتظاهرات الفنية، مما ساهم في تحويله إلى فرجة عامة تستقطب اهتماما إعلاميا وسياحيا دوليا، مع استمرار النقاش حول حدود الحفاظ على عفويته الأصيلة.
وإلى جانب “بيلماون”، تحتل سهرات أحواش موقعا مركزيا ضمن الاحتفالات المرتبطة بعيد الأضحى، حيث تتحول الساحات والدواوير إلى فضاءات للغناء الجماعي والرقص وتبادل الأشعار الأمازيغية في أجواء احتفالية تجمع بين الفن والهوية والانتماء. ويتميز “أحواش” بطابعه الجماعي الذي يدمج بين الإيقاع الشعري والحركة المنظمة، ويتيح مشاركة مختلف الفئات العمرية، مما يجعله أداة أساسية لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية داخل الجماعة المحلية. وخلال عيد الأضحى تكتسب هذه السهرات طابعا خاصا، بحكم عودة أفراد الجالية وتجمع الأسر، فتتحول الليالي إلى لحظات للتلاقي وإحياء الذاكرة الثقافية المشتركة، حيث يتم تداول الأشعار والحكايات الشعبية وتكريس قيم الفرح والتضامن.
كما يبرز خلال هذه الفترة دور الملتقيات الثقافية والأنشطة الموازية التي تنظمها الجمعيات المحلية والمؤسسات الثقافية، والتي تهدف إلى تثمين التراث السوسي وإبراز غناه وتنوعه. وتشمل هذه الملتقيات تنظيم عروض فنية، وندوات فكرية، ومعارض تراثية، ولقاءات تواصلية تسلط الضوء على الموروث الأمازيغي المحلي، بما في ذلك فنون الأداء الشعبي والحرف التقليدية والعادات المرتبطة بالعيد. وقد ساهمت هذه المبادرات في نقل الاحتفال بعيد الأضحى من طابعه التقليدي المحض إلى فضاء ثقافي منظم يجمع بين الترفيه والتأطير والتوثيق، كما فتحت المجال أمام إدماج هذا التراث في الديناميات الثقافية الوطنية.
ويكشف تداخل هذه العناصر الاحتفالية عن طبيعة خاصة للعيد في سوس، حيث لا ينظر إليه فقط كطقس ديني، بل كمنظومة اجتماعية وثقافية متكاملة تعيد تشكيل العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتسمح بإحياء الروابط الاجتماعية وتجديدها. فاحتفالات “بيلماون” وسهرات “أحواش” والملتقيات الثقافية لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل لتشكيل مشهد احتفالي شامل يعكس قدرة المجتمع السوسي على الجمع بين الموروث الشعبي والتحولات الحديثة، وبين العفوية والتنظيم، وبين المحلي والانفتاح الثقافي. وهو ما يجعل البعد الاحتفالي لعيد الأضحى في سوس أحد أبرز مظاهر استمرارية الهوية الثقافية في سياق اجتماعي متغير.
المحور الرابع: تطور العلاقات الاجتماعية بسوس في فترة الاحتفال بعيد الأضحى
تشكل عطلة عيد الأضحى في مناطق سوس فضاء اجتماعيا مفتوحا لإعادة بناء العلاقات بين الأفراد والجماعات، حيث لا تقتصر على الطقوس الدينية والاحتفالات التقليدية، بل تمتد لتشمل أنشطة اجتماعية ورياضية حديثة أصبحت جزءا من المشهد الاحتفالي المعاصر، من أبرزها ظاهرة التعارف “الصقير” وما يرتبط بها من لقاءات شبابية غير رسمية، إضافة إلى دوريات كرة القدم المحلية التي تنظم داخل الأحياء والدواوير، ثم الدور المتزايد للجمعيات المحلية في تأطير هذه الدينامية.
فما يعرف بـ”الصقير” في بعض السياقات المحلية يمكن فهمه باعتباره شكلا من اللقاءات الشبابية غير المنظمة التي تنشأ خلال فترة العيد بين الشابات والشباب الهادفين للزواج، حيث تستغل عودة أفراد الجالية والمغتربين من المدن أو الخارج لتوسيع دوائر العلاقات الاجتماعية، سواء عبر التعارف المباشر أو عبر لقاءات جماعية في الفضاءات العامة أو المقاهي أو الساحات القروية. هذه اللقاءات، رغم طابعها غير الرسمي، تلعب دورا مهما في إعادة تشكيل الروابط الاجتماعية بين أبناء وبنات المنطقة، إذ تسمح بتجديد الصداقات القديمة وبناء علاقات جديدة، كما تعكس تحولا في أنماط التواصل داخل المجتمع السوسي من الروابط التقليدية المغلقة إلى علاقات أكثر انفتاحا ومرونة.
وفي السياق نفسه، أصبحت دوريات كرة القدم خلال عيد الأضحى من أبرز المظاهر الاحتفالية الحديثة داخل الأحياء الشعبية والدواوير، حيث يتم تنظيم مباريات بين فرق محلية تمثل الدواوير والقبائل أو الجماعات القروية، وغالبا ما تمتد هذه الدوريات طوال أيام العطلة. وتتحول الملاعب الترابية أو الفضاءات المفتوحة إلى ساحات تنافس رياضي وجماهيري، يحضرها الأطفال والشباب وحتى العائلات، مما يمنحها بعدا احتفاليا يتجاوز مجرد اللعب الرياضي إلى فضاء للتجمع والتفاعل الاجتماعي. كما تساهم هذه الدوريات في تعزيز روح الانتماء المحلي، وتقوية العلاقات بين شباب المنطقة، وتوفير بديل ترفيهي جماعي في ظل محدودية الفضاءات الثقافية والرياضية المنظمة.
وتكتسي هذه الأنشطة الرياضية بعدا تنظيميا متزايدا بفضل تدخل الجمعيات المحلية، التي أصبحت فاعلا أساسيا في تأطير الاحتفالات خلال عيد الأضحى. إذ تعمل العديد من الجمعيات الرياضية والثقافية على تنظيم دوريات كرة القدم، وتنسيق المباريات، وتوفير بعض الإمكانيات اللوجستية مثل الأقمصة والكرات والجوائز الرمزية، وأحيانا حتى تنظيم أنشطة موازية كالتكريمات أو اللقاءات التحسيسية. كما تسهم الجمعيات في تحويل هذه المبادرات من أنشطة عفوية إلى برامج شبه منظمة، مما يمنحها استمرارية ويحد من بعض الفوضى التي كانت ترافقها في السابق.
ويعكس هذا الدور الجمعوي تحولا مهما في بنية المجتمع السوسي، حيث أصبحت الجمعيات وسيطا بين التقليد والحداثة، تسعى إلى تنظيم الفضاء الاجتماعي وتوجيه طاقات الشباب نحو أنشطة إيجابية خلال فترة العيد. كما أن حضورها يعكس أيضا دينامية مدنية متزايدة داخل القرى والمدن الصغيرة، حيث لم يعد الاحتفال بالعطلة محصورا في الأسرة أو الطقوس الدينية، بل أصبح يشمل أشكالا جديدة من التنظيم الاجتماعي القائم على المبادرة والتطوع، وتعد فترة عطلة عيد الأضحى التوقيت المناسب لعقد الجموع العامة للجمعيات المحلية بحكم تواجد جميع السكان بالمنطقة وكذا فرصة لتنظيم مجموعة من المبادرات التنموية والاشعاعية.
غير أن هذه التحولات لا تلغي الطابع العفوي الذي يميز هذه الأنشطة، إذ ما تزال الروح الاحتفالية الجماعية حاضرة بقوة، سواء في اللقاءات الشبابية أو في مباريات كرة القدم أو في التجمعات الليلية بعد نهاية المباريات. فالعيد في سوس يتحول إلى لحظة لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية وتجديدها، حيث تلتقي التقاليد القديمة مع أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي، في مزيج يعكس قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الحديثة دون التخلي عن جذوره الثقافية والاجتماعية.
خاتمة:
فالأعراف السوسية وكذا طريقة تدبير المجتمع السوسي يجد أساسه في نظام الألواح، حيث أن الألواح السوسية وتسمى الأعراف، أو القانون، أو الديوان عند بعض القبائل، هي: “مجموعة من الضوابط والقوانين تكتب على شكل فقرات بلغة مبسطة أقرب إلى العامية “، وتكتب على ألواح من خشب، أو عظام، أو جلود حيوان، أو أوراق، ويتم إشهار ما فيها بعد عملية التحرير.
وقد وضعت هذه “الألواح ” من قبل “إِنْفَلاس” وهم عرفاء القبائل، أو مجلس القبيلة، يجتمعون في المسجد، أو في مكان عام لكتابة اللوح أو تجديده، أو نسخ لوح قبيلة أخرى، مع الإشارة إلى ذلك في اللوح الجديد، ويكون ذلك دفعة واحدة بمداد واحد، وتوقيعات مجتمعة، وقد تقع أحيانا كتابته في فترات متفرقة إذا كان فصولا.
ويقع التنصيص على أسماء الحاضرين من “إِنْفَلاس”، وبعد اتفاق الجماعة وعرض ما اتفقت عليه على العلماء، تستدعي الجماعة إمام المسجد، أو فقيه المدرسة العتيقة، أو عدلي القبيلة؛ لكتابة ما تم الاتفاق عليه.
ويكتب الكاتب ما تمليه عليه القبيلة دون رأيه الشخصي في الاختيار أو الترتيب؛ وذلك كله لتنظيم مختلف العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، والقضائية والأمنية بين أفراد المدشر داخل القبيلة الواحدة، أو بينها وبين قبائل أخرى مجاورة.
ونخلص إذن أن مناسبة عيد الأضحى داخل المجتمع السوسي، تشكل كما جاء في متن هده الدراسة مناسبة تتجاوز حدود الشعيرة الدينية لتتحول إلى لحظة اجتماعية وثقافية جامعة تتقاطع فيها مظاهر التدين مع العادات والتقاليد وأنماط الاحتفال الجماعي. فمن خلال مختلف الممارسات المرتبطة بهذه المناسبة، ويتبين أن أهل سوس استطاعوا عبر الزمن بناء نموذج احتفالي خاص يجمع بين المرجعية الإسلامية والموروث المحلي الأمازيغي، حيث تتداخل طقوس الأضحية وصلة الرحم مع أشكال التعبير الفني والاحتفالي والاجتماعي التي تمنح العيد خصوصيته داخل الذاكرة الجماعية السوسية، وذلك بين الجمع بين الموروث والمستحدث.
لائحة المراجع المعتمدة:
العلامة امحمد العثماني، ألواح جزولة والتشريع الإسلامي، دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، سنة 2004.
العلامة محمد المختار السوسي، خلال جزولة، 4 أجزاء، المطبعة المهدية، تطوان، المغرب، 1959.
العلامة مولاي محمد ادريسي الطاهري، العرف المعتبر وأثره في الفتوى والقضاء، طبعة 2016.
نزهة العمراني، الحصون التاريخية “إكودار” ودورها في الاقتصاد القومي المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، سنة 2019.
الأستاذ البشير عدي، قضايا الأسرة من خلال النوازل الفقهية: دراسة لقضايا الخطبة والزواج والطلاق على ضوء أحكام مدونة الأسرة، مجلة المنبر القانوني، العدد 4، سنة 2013.
قرار محكمة النقض عدد 625 صادر بتاريخ 05 مارس 2015 في الملف الاجتماعي رقم 1728/5/1/2013 منشور بالمنصة الإلكترونية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
العلامة اليزيد الراضي، التواصل النوازلي بين علماء سوس وغيرهم، مجلة المذهب المالكي، منشورات مركز الجنوب للإنماء الثقافي والإنساني، العدد 8، سنة 2009.
العلامة الحسن العبادي، عمل المرأة في سوس، منشورات كلية الشريعة بأيت ملول، جامعة ابن زهر، الطبعة الأولى.
يوسف القسطاسي، الإشهاد على جهاز العروس وإثباته بين العمل السوسي والاجتهاد القضائي، مجلة الفقه والقانون، العدد10، سنة 2013.
العلامة الحسن العبادي، فقه النوازل في سوس، قضايا وأعلام، منشورات كلية الشريعة بأيت ملول، جامعة ابن زهر، سنة 1999.
Justinard (Léopold), mission de la tachelhit 1914-1954, Quarante ans d’études berbères, présentation et choix de textes de Rachid Agrour, op c