منتدى العمق

الخلية الفاضلة تموت.. حينما تم الإعلان: الرذيلة تبني الدول

حينما نسمع بروبرت ماندوفيل(1670-1733): Robert Mandoville ، ذلك الطبيب الهولندي، الذي عاش معظم حياته في إنجلترا… ذلك الكاتب الساخر الجامع ما بين الفلسفة والاقتصاد والسياسة، الذي عاش عيشة التقشف و اكتفى بدعم بعض التجار الهولنديين له، و بعض مقطري الخمر، مقابل دفاعه عن فائدة “المشروبات الروحية”…

نتذكر مباشرة حكايته الشهيرة: “أمثولة النحل”، ذات النفس السياسي الاقتصادي…، التي كتبت في مستهل القرن 18م وبالضبط عام 1714م بعبرة في الغالب ما تختصرها القولة الشهيرة التالية: “الرذائل الخاصة تصنع الخير العام”.

إن هذه الحكاية(القصيدة)، تبرز كيف أن مجتمع النحل كان في رفاهية وقوة وازدهار حينما كان أفرادها يتصرفون وفق مصالحهم الخاصة (أي وفق سلوكيات رذلة) وكيف أنها ستنهار وتضعف حينما اشتغلوا وفق مسار الفضائل (أي الاشتغال ضد بواعث الطبيعة ولصالح الآخرين).

بعبارة أخرى كانت جماعة النحل في حياة مزدهرة، إلى حين قررت أن تصبح شريفة فاضلة، حيث سيتحول أفرادها إلى الخمول وعدم الرغبة في المكسب الشخصي، لتنهار الخلية وتنحط، ويلجأ الباقي من النحل إلى جذع شجرة مجوفة لعيش حياة بسيطة وزاهدة… إن تحول الخلية إلى نمط العيش الصادق والفاضل والزاهد، قاد إلى زوال الغرور وانعدام الجشع…، وجعل الرذائل تؤول إلى الصفر،مما سبب نهاية أعمال الترف والعدالة والنمو… فالفضائل عند ماندوفيل أكبر معيق لتقدم الدولة ونموها، فأحط الخصال وأبغض الرذائل هي من تجعل المجتمعات تزدهر.

و هنا لا بأس هنا من ذكر بعض العبارات الصريحة والمؤكدة على أهمية الرذائل في صناعة الدول وازدهارها على لسان ماندوفيل نفسه:
يقول ماندوفيل: ” لو أمكن للجنس البشري أن يشفى من العيوب التي يشعر بالذنب تجاهها على نحو طبيعي، فلن يغدو قادرا على الارتفاع إلى تلك المجتمعات الهائلة والقوية …” ويقول أيضا: ” إن الرذائل ملازمة للمجتمعات العظيمة والقوية، وأنه من المستحيل أن توجد ثروتها وعظمتها بدونها”.

ويضيف: “هكذا كان كل جزء مليئا بالرذيلة، لكن المجموع كله كان فردوسا وجنة جميلة…هكذا كان من بركات تلك الدولة، أن تعاونت جرائمهم لتجعلهم عظاما وأصحاب صولة”
ليختم ماندوفيل حكايته بعدما وصف وضع الخلية وهي تنهار جراء قرار الحياة بشرف وفضيلة بقوله: ” ليس بمستطاع الفضيلة المجردة أن تجعل الأمم تحيا في عظمة وفخامة”
إن قصيدة ماندوفيل “حكاية النحل” قصيدة مربكة ولم تقبل حينها بالأيادي المفتوحة، بل أثارت ضده هجوما عنيفا من الكتاب والصحف، مما دفعه للرد والدفاع عن نفسه في العديد من المقالات. بل جرته للقضاء عام 1729 بتهمة “النزعة اللاأخلاقية”…

كما تم وسم فلسفتة في الغالب بأنها زائفة ومتشائمة ومخزية، إلى حد أن المؤرخ ويل ديورانت قال: “كتابات ماندوفيل من أقدع وأفحش ما كتب حول الطبيعة البشرية”.
لكن بالرغم من ذلك جعله العديد ممهدا لكتابات آدم سميث مؤسس الرؤية الرأسمالية الحديثة، فسميث لم يفعل سوى أخذ ماندوفيل في وجهة أخلاقية، فهو خفف من لغته “الفجة” ليجعلها مقبولة ومستساغة، فمثلا عوض الحديث عن الرذائل سيتحدث سميث عن المصلحة الخاصة، وعوضا عن الأنانية سيتحدث عن حب الذات… وهكذا ليصبح البحث عن المصالح الخاصة والرفاه الشخصي هو المحفز للاقتصاد (الاستهلاك، العمل…) رغم أن الأمر مستهجن أخلاقيا… فماندوفيل يعد أحد المدافعين عن فكرة: “دعه يعمل، دعه يسير”، بل هو يعد من المؤسسين الأوائل لنظرية ” التسرب الاقتصادي” Trickle-Down / la théorie de ruissellement التي تفتح الباب للأغنياء على مصراعيه من أجل أن يتسرب الخير من عندهم للفقراء…
يبقى السؤال عندنا:

ما الذي جعل فكرة ماندوفيل القائلة بأن الحصول على مجتمع يدمج بين الفضيلة والغنى مجرد أحلام. تكون؟ بعبارة أخرى ما الشروط التي سمحت بإعلان هذه الواقعية المغالية التي سبقه طبعا إليها ميكيافيلي وإن بطريقة أخرى؟ …