منتدى العمق

من نقوش الحجر إلى رسمية الدستور.. رحلة الأمازيغية

كثيراً ما يُطلب من الأمازيغي أن يأتي بكتاب مكتوب بتيفيناغ أو بأي لغة أخرى ليثبت تاريخه، وكأن التاريخ لا يُختزل إلا في الورق والحبر. والحقيقة أن هذا الطرح يغفل جانباً مهماً من واقع شمال إفريقيا، وهو أن الشعوب لا تعيش دائماً في ظروف تسمح لها بالكتابة والتدوين، خصوصاً إذا كانت تحت ضغط الحروب والغزوات والاضطرابات المستمرة.

فالأمازيغ، باعتبارهم السكان الأصليين لشمال إفريقيا، عاشوا قروناً طويلة وهم يواجهون موجات متتالية من الحروب والصراعات، منذ العصور القديمة إلى الأزمنة الحديثة. هذه الظروف جعلت الأولوية للبقاء والدفاع عن الأرض والهوية، لا للتدوين وحفظ التاريخ في الكتب. ولو عدنا فقط إلى الأمس القريب، نجد أجيالاً كثيرة لم تدخل المدرسة أصلاً، ولم تتعلم القراءة أو الكتابة، لا لأنها رفضت العلم، بل لأنها لم تجد مدرسة ولا ظروفاً مناسبة للتعلم.

وهنا يجب أن نفهم أن غياب الكتابة لا يعني غياب التاريخ. فالتاريخ الأمازيغي لم يُمحَ، بل بقي محفوظاً بطرق أخرى: في الذاكرة الجماعية، في الحكايات الشفوية، في أسماء الجبال والوديان، وفي النقوش المنتشرة على الصخور والأحجار التي لا يزال كثير منها إلى اليوم لغزاً لم يُفك بالكامل. هذه النقوش دليل حي على وجود حضارة عريقة تركت بصمتها على الأرض قبل أن تتركها على الورق.

وعندما نتحدث عن وصول الإسلام إلى شمال إفريقيا، يجب التمييز بين الإسلام كدين قائم على الأخلاق والعقيدة، وبين الغزو العسكري الذي حمله بعض البشر إلى هذه الأرض. فالإسلام في جوهره دين رحمة وعدل، لكنه في بعض المحطات التاريخية ارتبط بحروب وتوسعات سياسية وعسكرية، كما حدث مع كثير من الإمبراطوريات عبر التاريخ. لذلك فإن قراءة تلك المرحلة تحتاج إلى إنصاف ووعي، بعيداً عن التقديس أو التشويه.

إن مطالبة الأمازيغي اليوم بإثبات تاريخه بكتاب مكتوب، دون فهم الظروف التاريخية التي عاشها أجداده، هي مطالبة غير منصفة. ولهذا يمكن للمرء أن يسأل: هل أجدادنا جميعاً كانوا يعرفون الكتابة؟ وهل كانت فرص التعلم متاحة للجميع؟ الجواب واضح: لا. وهذا لا يلغي وجودهم ولا تاريخهم.

وفي المقابل، فإن استعمال الأمازيغية فقط كورقة في منطق “خالف تُعرف”، أو كوسيلة لإثارة الجدل العقيم، لن يزيد أصحابه إلا تبريراً لجهلهم بالقضايا العامة والشاملة. فالأمازيغية ليست أداةً للمزايدة ولا مادةً للسخرية، بل هي قضية هوية وذاكرة وتاريخ. ومن يحاول اختزالها في نقاشات سطحية، إنما يهرب من جوهر الحقيقة إلى هامشها.

القضية اليوم ليست إثبات وجود الأمازيغ، لأن وجودهم ثابت في الأرض والتاريخ والذاكرة، بل القضية هي كيف نبني مجتمعاً يعترف بكل مكوناته الثقافية واللغوية، ويجعل من هذا التنوع قوةً لا سبباً للفرقة. فالأمم المتقدمة لا تخاف من تعدد هوياتها، بل تستثمره في بناء مستقبلها.

اليوم، ومع تطور التكنولوجيا وتقدم العلوم، دخلت الأمازيغية مرحلة جديدة من حياتها. فقد بدأت عملية جمعها وترميمها وإعادة صياغتها في نظام لغوي واضح، بحروفها وقواعدها وأساليبها. وهذا ليس اختراعاً جديداً، بل هو إحياء لذاكرة قديمة وإعادة بناء لجسر انقطع بفعل التاريخ.

وفي المغرب، جاء دستور سنة 2011 ليعترف بالأمازيغية لغة رسمية للدولة، وهو اعتراف تاريخي مهم أغلق الباب أمام كل محاولات الإقصاء أو التهميش. فالأمازيغية اليوم لم تعد مجرد مطلب ثقافي، بل أصبحت جزءاً من مؤسسات الدولة، ومن التعليم، والإدارة، والإعلام، وهي تسير بثبات نحو حضور أوسع في مختلف القطاعات.

الأمازيغية اليوم ليست في انتظار من يقدم لها الورود أو الهدايا لكي تنمو، لأنها قائمة بذاتها، متجذرة في الأرض والإنسان والتاريخ. إنها لغة وهوية وحضارة قاومت الزمن، وما زالت تتطور وتستعيد مكانتها الطبيعية. ومن لم يفهم تاريخها جيداً، فالأجدر به أن يعيد قراءة الماضي، لأن فهم التاريخ هو الطريق الوحيد لصناعة المستقبل.