منتدى العمق

الأعياد في المغرب: ذاكرة حية أم عطل موسمية؟

كلما حلّت مناسبة وطنية أو دينية أو عالمية، يتكرر المشهد نفسه: يوم عطلة، طرقات مكتظة، وأسواق تعج بالحركة. لكن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: كم من الناس يعرفون فعلاً لماذا يحتفلون؟ وكم من الأطفال والشباب يدركون الخلفيات التاريخية أو الدينية أو الوطنية لهذه المناسبات؟

لقد كان الاحتفال بالمناسبات في فترات سابقة مناسبة للتذكير بالذاكرة الجماعية، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع المدني. وكانت العديد من الجمعيات تنظم لقاءات وندوات ومسابقات وأنشطة ثقافية تعرف بالأحداث الوطنية والدينية وتربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها. وما زالت بعض الجمعيات تقوم بهذا الدور إلى اليوم رغم محدودية الإمكانيات.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يكفي الاعتماد على جهود جمعوية متفرقة للحفاظ على ذاكرة مجتمع بأكمله؟

بين الدولة والجمعيات: من يحفظ ذاكرة المغاربة؟

الحقيقة أن مسؤولية صيانة الذاكرة الوطنية والدينية ليست مسؤولية الجمعيات وحدها. فالدولة تمتلك من الإمكانيات والوسائل ما يجعلها الفاعل الرئيسي في هذا المجال. وإذا كانت تنتظر من الجمعيات أن تساهم في التوعية الثقافية والتربوية، فإن عليها أولاً أن تنظر إليها كشريك حقيقي، وأن توفر لها الدعم والتشجيع والبرامج التي تمكنها من أداء هذا الدور.

إن الحفاظ على الذاكرة الجماعية لا يتحقق عبر الخطب الرسمية أو البرامج التلفزية وحدها، خاصة في زمن تراجعت فيه متابعة التلفزيون وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة لدى فئات واسعة من المواطنين. ولذلك فإن الحاجة أصبحت أكبر إلى مبادرات ميدانية قريبة من الناس، وإلى أنشطة ثقافية وتربوية مستمرة داخل القرى والأحياء والمؤسسات التعليمية.

ويبدو هذا الخلل واضحاً داخل المدارس. فكثير من التلاميذ لا يتذكرون دلالة المناسبات الوطنية والدينية إلا عندما يذكرهم بها المدرس مع كل عطلة جديدة. ويتكرر الأمر سنة بعد أخرى، وكأن المعرفة بهذه المناسبات لا تجد من يغذيها خارج أسوار الفصل الدراسي. وهذا مؤشر على وجود فراغ ثقافي وتربوي لا يمكن للمدرسة وحدها أن تملأه.

وفي العالم القروي تزداد الإشكالية تعقيداً بسبب ضعف البنيات الثقافية وقلة الفضاءات المخصصة للأنشطة التربوية والثقافية، مما يجعل فرص التعرف على التاريخ الوطني والذاكرة المحلية محدودة. وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الجمعيات لو تم تمكينها من الوسائل الضرورية ومنحها المكانة التي تستحقها ضمن السياسات العمومية.

إن الأعياد والمناسبات ليست مجرد تواريخ حمراء في التقويم، بل هي محطات لتجديد الوعي بالهوية والقيم المشتركة. وعندما نفقد القدرة على تفسير سبب الاحتفال بها، فإننا لا نفقد معلومة تاريخية فحسب، بل نفقد جزءاً من ذاكرتنا الجماعية.

لذلك فإن الوقت قد حان لإعادة طرح السؤال: من يحفظ ذاكرة الأعياد والمناسبات في المغرب؟ وهل نريد لهذه المناسبات أن تبقى مجرد أيام للراحة، أم نريدها أن تكون فرصاً لتربية الأجيال على معرفة تاريخها وفهم هويتها والانتماء إلى وطنها؟

إن الجواب لا يمكن أن يكون مسؤولية طرف واحد، بل هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمدرسة والأسرة والجمعيات ووسائل الإعلام. فالأمم لا تبنى بالذاكرة المنسية، وإنما بالذاكرة الحية التي تنتقل من جيل إلى جيل.