منتدى العمق

كرة القدم في زمن الخوارزميات.. أي موقع لأسود الأطلس في سباق الذكاء الاصطناعي؟

أصبحت كرة القدم الحديثة صناعة مركبة تتداخل فيها المهارة البدنية والخبرة التكتيكية مع القدرة على جمع البيانات وتحليلها، فالتفوق في الملعب يرتبط اليوم بما يملكه الفريق من معرفة عن لاعبيه ومنافسيه، وبقدرته على تحويل هذه المعرفة إلى إعداد أفضل وقرارات أكثر دقة، ويضع هذا الواقع المنتخبات الصاعدة، وفي مقدمتها المنتخب المغربي، أمام تحدي بناء قدرة معرفية وتقنية توازي ما حققته من تقدم ميداني.

وتتضح ملامح هذه الصناعة قبل أن يطلق الحكم صافرة البداية، إذ يبدو للجمهور أن المباراة تبدأ حين يدخل فريقان من أحد عشر لاعبا إلى رقعة الملعب، بينما يكون جانب مهم من المواجهة قد جرى قبل ذلك داخل غرف التحليل وقواعد البيانات، حيث تفكك تحركات اللاعبين، وتدرس اختيارات المدربين، وتختبر السيناريوهات المحتملة، وهكذا تدخل المنتخبات الكبرى المنافسة بأقدام لاعبيها وبعقل رقمي يعمل خلف المشهد، يحول المعطيات المتراكمة إلى معرفة تسند الإعداد والاختيار والاستباق.

وفي قلب هذه المنظومة يأتي اللاعب بوصفه أحد أهم موضوعات التحليل، إذ أصبحت قراءته تتجاوز مستواه في المباراة الأخيرة وعدد أهدافه وتمريراته، فقد تتحول مسيرته إلى سجل قابل للفحص يشمل جاهزيته البدنية، وتمركزه، وسرعة انتقاله، وتصرفه تحت الضغط، ومدى تغير أدائه باختلاف المنافس والخطة وزملائه في التشكيلة، وكلما اتسع هذا الرصيد أمكن بناء صورة أدق عن قدراته والظروف التي يرتفع فيها مردوده.

أما المدرب، فتكشف اختياراته المتكررة، وتوقيت تبديلاته، وانتقاله بين الخطط، وطريقة إدارته للتقدم أو التأخر، عن بصمة تكتيكية يمكن تتبعها ومقارنتها، وتمنح هذه المعرفة الجهاز الفني تقديرا احتماليا بشأن توقيت الضغط، وطريقة حماية التقدم، واللاعب الذي قد يلجأ إليه المنافس لتغيير إيقاع المباراة، وفي المستويات العليا قد يكون تقليص مساحة المفاجأة في قرار واحد كافيا لصناعة أفضلية.

وقد نقلت الأنظمة الحديثة التحليل من استعادة ما وقع إلى اختبار ما يمكن أن يقع، ويقدم نظام TacticAI مثالا واضحا على ذلك، إذ طورته Google DeepMind بالتعاون مع خبراء Liverpool FC لتحليل الركلات الركنية، والتنبؤ باللاعب المرجح أن يتلقى الكرة، وتقدير إمكان نشوء فرصة للتسديد، واسترجاع وضعيات مشابهة، واقتراح تعديلات على تمركز اللاعبين، وقد فضل خبراء Liverpool FC الترتيبات التي اقترحها النظام على الترتيبات الأصلية في تسعين في المائة من الحالات التي عرضت عليهم.

وتكشف تجربة TacticAI عن اتساع المجال الذي أصبح متاحا أمام الأجهزة الفنية، إذ يمكن تحليل عدد كبير من الوضعيات، واسترجاع الحالات المتشابهة، ومقارنة البدائل الممكنة، واقتراح تعديلات يصعب اختبارها جميعا بالوسائل التقليدية، وبذلك يكتسب المدرب قدرة إضافية على استكشاف الاحتمالات وبناء السيناريوهات قبل تحويلها إلى قرارات داخل الملعب.

ومع اتساع دور التحليل داخل الأندية، انتقل الذكاء الاصطناعي إلى البنية الرسمية لكرة القدم العالمية، ففي عام 2026 كشفت FIFA بالتعاون مع Lenovo عن FIFA AI Pro، وهو مساعد معرفي مخصص للأجهزة الفنية للمنتخبات الثمانية والأربعين المشاركة في كأس العالم، ويجمع بين بيانات الأحداث والتتبع ولقطات المباريات والنماذج المتخصصة، ويتيح للمحللين توجيه الأسئلة باللغة الطبيعية والحصول على تحليلات تكتيكية وتقييمات للأداء وتوصيات استراتيجية.

وخلال كأس العالم 2026 تفاعلت المنتخبات الثمانية والأربعون مع FIFA AI Pro، واستخدمت الأداة بخمس عشرة لغة، وهو ما يعكس انتقال التحليل المتقدم من دوائر الأندية الغنية تقنيا إلى فضاء أوسع، ويمنح الأجهزة الفنية قدرة سريعة على استخراج المعلومات من البيانات الرسمية ولقطات المباريات وتحويلها إلى تقارير قابلة للتوظيف.

ويفتح تعميم هذه الأداة بابا جديدا للتنافس، إذ تتفاوت استفادة المنتخبات منها بحسب ما تملكه من خبرة بشرية ومؤسسية، فالبيانات تحتاج إلى محللين يحسنون صياغة الأسئلة وتفسير الأجوبة وربط النتائج بهوية الفريق وحالة لاعبيه وظروف المباراة، ولهذا قد يمتلك منتخبان البرنامج نفسه، بينما يحقق أحدهما استفادة أكبر بفضل الكفاءات التي راكمها وقدرته على تحويل نتائج التحليل إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

ومن هنا تتشكل فجوة الذكاء الكروي، فقد كان التفوق يقاس بجودة التكوين والبنية التحتية ومستوى اللاعبين وكفاءة الأجهزة الفنية، ثم أضيف إلى ذلك حجم الرصيد المعلوماتي وجودة أدوات المعالجة والقدرة على تحويل المعلومة الخام إلى اختيار عملي، وقد يدخل فريقان الملعب بالعدد نفسه من اللاعبين، بينما يستند أحدهما إلى ذاكرة رقمية تستحضر عددا كبيرا من الحالات المشابهة، ويستند الآخر إلى الملاحظة المباشرة والاجتهاد الفردي.

وفي ضوء هذه الفجوة يبرز السؤال المتعلق بموقع المغرب في هذا السباق، فقد راكم حضورا كرويا مكنه من مقارعة المدارس الكبرى، ويقتضي تثبيت هذا الصعود تحويل الإنجاز الميداني إلى خبرة مؤسسية تتراكم عبر الأجيال، وتحفظ المعرفة من التبدد مع تغير المدربين والمحللين والأطقم الفنية.

وفي هذا السياق برز حضور الذكاء الاصطناعي رسميا في محيط المنتخب المغربي في مايو 2026، حين أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم Google Gemini راعيا رسميا للذكاء الاصطناعي للمنتخب الوطني، وتضمنت التفاصيل المنشورة عن الشراكة الترويج للمنتخب محليا ودوليا، وتطوير تجربة الجماهير، وإنتاج الصور والأناشيد والمحتوى المرتبط بالتشجيع، إلى جانب إتاحة أدوات لتحليل الأداء وتوقع النتائج لفائدة المتابعين.

وتضع طبيعة هذه الشراكة المغرب أمام خطوة تالية تتمثل في نقل الذكاء الاصطناعي من مجال الرعاية والتواصل الجماهيري إلى صميم الأداء الرياضي، عبر بناء منظومة وطنية تحفظ البيانات، وتراكم خبرات الأجهزة الفنية، وتربط التحليل العلمي بالإعداد والاختيار وصناعة القرار، بحيث يستمر أثرها عبر البطولات والأجيال ويتجاوز الارتباط بأداة معينة أو بطاقم فني محدد.

وتبدأ هذه المنظومة بإنشاء ذاكرة كروية مترابطة تتابع اللاعب منذ مراكز التكوين، وتجمع مساره مع الأندية والمنتخبات السنية والمنتخب الأول، وتحفظ خبرات الأجهزة الفنية السابقة داخل قاعدة قابلة للتطوير والاستفادة، وتكمن قيمة هذه الذاكرة في جودة البيانات وتنظيمها وترابطها، وفي إتاحتها للكفاءات المختصة وفق ضوابط واضحة، بما يحول مسار اللاعب وخبرات المدربين إلى معرفة وطنية قابلة للتراكم والاستثمار.

ويستند هذا البناء إلى كفاءات تجمع بين Data Science وفهم كرة القدم، من محللين يعرفون كيف يصوغون السؤال الصحيح، ومدربين يحسنون توظيف نتائج النماذج، ومهندسين قادرين على تطوير أدوات تراعي خصوصيات اللاعب والبطولة الوطنية، كما يشمل حماية بيانات اللاعبين والتدريبات والوثائق الفنية والتسجيلات الداخلية، وتحديد شروط استخدامها داخل التطبيقات الخارجية وفي تدريب النماذج.

ويمكن أن تتجسد هذه الرؤية في مركز وطني للذكاء الاصطناعي الرياضي، يمتد عمله إلى المنتخب الأول والفئات العمرية وكرة القدم النسوية والبطولة الوطنية والطب الرياضي والوقاية من الإصابات، وتتمثل مهمته في إنتاج معرفة مغربية، وتكوين خبرة وطنية، وربط التحليل العلمي باحتياجات الأجهزة الفنية، بما يعزز استقلال القرار الرياضي ويحد من التبعية التقنية والمعرفية.

وهكذا غدا سباق الذكاء الاصطناعي جزءا من سباق التفوق الكروي نفسه، فالخوارزميات توسع قدرة الأجهزة الفنية على قراءة المباريات واختبار البدائل واستباق الاحتمالات وتحويل البيانات إلى قرارات أكثر دقة، أما المغرب فقد بلغ مرحلة كروية تجعل بناء هذه القدرة ضرورة لاستمرار الصعود، وتحويل الإنجاز الميداني إلى تفوق مؤسسي يرسخ موقع أسود الأطلس بين المنتخبات الكبرى.