منتدى العمق

العلامة الوطنية Nation Branding.. الوجه الآخر للتنافس بين الدول

كانت قوة الدول تقاس بعدد الجنود، وحجم الجيوش، والثروات الطبيعية في وقت ما ، ثم أصبح الاقتصاد والتكنولوجيا معيارا للتفوق ، أما اليوم، فقد أصبحت السمعة الدولية إحدى أهم عناصر قوة الدول.

فالدولة التي تحظى بصورة إيجابية في أذهان شعوب العالم والمستثمرين تستطيع أن تجذب رؤوس الأموال، و ملايين السياح ، و الاستثمارات ، وأن تدافع عن مصالحها أكثر من دولة أخرى تمتلك الإمكانات نفسها، لكنها تعاني صورة سلبية .

و هذا التحول أفرز مفهوما جديدا هو العلامة الوطنية Nation Branding.

ورغم أن المصطلح يوحي بأنه مأخوذ من عالم التسويق، فإن معناه أعمق بكثير من مجرد تصميم شعار يجذب الأنظار، أو إطلاق حملة إعلامية.

فالعلامة الوطنية هي الإدارة الاستراتيجية لسمعة الدولة ، بحيث تصبح الصورة التي تنتشر في العالم عنها انعكاسا حقيقيا لما تحققه من إنجازات وما تمثله من قيم حضارية.

و يعود الفضل في صياغة هذا المفهوم إلى الباحث البريطاني Simon Anholt، الذي قدم مصطلح Nation Branding في أواخر القرن الماضي.

غير أن أنهولت Anholt عاد لاحقا لينتقد الفهم السطحي لهذا المفهوم، و يطرح مفهوما أكثر دقة هو Competitive Identity أي (الهوية التنافسية)، و هذا المفهوم الجديد يعني أن سمعة الدولة ليست نتاج الدعاية الإعلامية وحدها فقط ، وإنما حصيلة أدائها الحقيقي في مختلف المجالات السياسة، والاقتصادية، والثقافية، والتعليم، والابتكار، والدبلوماسية…

فالدعاية الإعلامية قد تجذب الانتباه، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع العالم إذا كان الواقع يناقضها.

و يرتبط مفهوم العلامة الوطنية بمفهوم آخر لا يقل أهمية عنها، و هو مفهوم القوة الناعمة (Soft Power)، الذي صاغه عالم السياسة الأمريكي Joseph S. Nye Jr.

ويقصد بالقوة الناعمة، قدرة الدول على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية والإقناع، بدلا من الإكراه العسكري أو الضغوط الاقتصادية.

فالثقافة، والتعليم، و الجامعات، واحترام القانون، والابتكار، والفنون، والسياسة الخارجية المتوازنة و الهادئة ، كلها مصادر تمنح الدولة تأثيرا كبيرا يفوق أحيانا تأثير القوة العسكرية.

ولذلك كلما ازداد احترام العالم لدولة ما، ازدادت قدرتها على الدفاع عن مصالحها، وبناء الشراكات، وكسب التأييد في مختلف القضايا الدولية.

لكن السمعة تحتاج إلى أدوات تواصل فعالة، وهنا يأتي دور الدبلوماسية العامة (Public Diplomacy)، وهو مفهوم طوره الباحث الهولندي Jan Melissen، و هو يعني تواصل الدولة مع شعوب العالم والرأي العام الدولي، وليس مع الحكومات فقط.

و يرى المؤرخ البريطاني Nicholas J. Cull أن الصورة الإيجابية للدولة لا تصنعها المؤتمرات الصحفية والبيانات الرسمية وحدها، بل تشيدها أيضا المنح الدراسية، والاشعاع الثقافي، والإعلام ، والعمل الإنساني، والبرامج الأكاديمية، وكل أشكال التواصل التي تجعل الشعوب تعرف الدولة عن قرب.

و يرى الباحث البريطاني Keith Dinnie أن السمعة الوطنية مشروع تشارك فيه الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، والمجتمع المدني، لأن كل مؤسسة ناجحة، وكل جامعة متقدمة، وكل شركة عالمية ناجحة، وكل فنان أو رياضي متميز في المحافل الرياضية الدولية و الملتقيات العالمية، يسهم في رسم صورة بلده لدى شعوب و دول العالم.

و يرى الباحث الكندي Nicolas Papadopoulos أن صورة الدولة تؤثر مباشرة في قرارات المستثمرين والمستهلكين.

فالبلد الذي يتمتع بسمعة جيدة يصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمار، و تحظى منتجاته بثقة أكبر في الأسواق العالمية، وهو ما يعرف ب Country of Origin Effect أي (تأثير بلد المنشأ).

و يرى الباحث الصيني Ying Fan أن الدولة لا يمكن اختزالها في علامة تجارية، وأن اختزالها في منطق التسويق يتجاهل تعقيدها التاريخي والثقافي والسياسي.

فالهوية الوطنية حسب الباحث الصيني لا تصنع في وكالات الإعلان، بل تتشكل عبر السياسات العامة، والمؤسسات، والذاكرة الجماعية.

وفي السياق نفسه، ترى الباحثة الكندية Melissa Aronczyk أن العلامة الوطنية ليست مجرد وسيلة لتحسين الصورة في الخارج، بل هي أيضا أداة لتعزيز الإحساس بالانتماء للوطن والهوية المشتركة .

ولهذا يمكن التمييز بين نوعين من العلامة الوطنية:

الأول : هو العلامة الوطنية الخارجية (External Nation Branding)، وتهدف إلى تحسين صورة الدولة لدى المستثمرين، و السياح، والمؤسسات الدولية.
أما الثاني : فهو العلامة الوطنية الداخلية (Internal Nation Branding)، ويركز على المواطن ، حيث إنه يعتبر أول سفير لبلده ، من خلال تحسين الخدمات العامة، وترسيخ الهوية الوطنية.

فالعلامة الوطنية إذن هي نتيجة تراكم طويل من المنجزات، والسياسات الرشيدة، واحترام القانون، وجودة التعليم، والنجاح الاقتصادي، والإبداع الثقافي، والمصداقية في العلاقات الدولية.

و النتيجة هي أن العلامة الوطنية (Nation Branding) ليست ترفا فكريا ، بل أصبحت جزءا من الأمن الاستراتيجي للدول.

ففي عصر تتنافس فيه الدول على الاستثمارات، والثقة قبل تنافسها على الأسواق و الموارد، أصبحت السمعة أحد أهم أصول الدول، وربما أكثرها قيمة.