منتدى العمق

أمراض السياسة: النرجسية

نعم المرضعة… وبئس الفاطمة

أقسى لحظات السياسة ليست لحظة الهزيمة في صناديق الاقتراع، بل لحظة اكتشاف السياسي أن المقعد الذي ألفه لم يعد ينتظره. هناك يتبدل معنى الكلمات، وتتغير قيمة المبادئ، وتصبح المؤسسة التي كانت بالأمس موضع ثناء موضع شك، لا لشيء إلا لأن قرارها لم يعد يفضي إلى الاسم نفسه.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، بدأت الأحزاب تدخل زمن الحسابات الدقيقة: من يبقى؟ من يتقدم؟ من يغادر؟ ومن يستحق التزكية؟ وهي أسئلة تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها تكشف في العمق عن أحد أكثر أمراض السياسة استعصاء: النرجسية.
فليست النرجسية السياسية مجرد حب للظهور، ولا هي مرادف للطموح. الطموح ضروري في الحياة العامة، بل لعل السياسة من دونه تتحول إلى إدارة بلا روح. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الموقع من وسيلة لخدمة الناس إلى جزء من هوية صاحبه، وحين يصبح فقدانه أقرب إلى فقدان الذات منه إلى نهاية مرحلة.
بعض السياسيين لا يعيشون في الحزب بقدر ما يعيش الحزب في صورتهم عن أنفسهم. فهم يقيسون قوة التنظيم بمدى قربهم من مركز القرار، ويقيسون عدالة الاختيارات بمدى خدمتها لمسارهم، ويختبرون الديمقراطية حين تكون نتائجها في صالحهم. أما حين تأتي النتائج على غير ما يشتهون، يصبح كل شيء قابلا لإعادة التأويل.
هنا تبدو النرجسية، بمعناها النفسي، مدخلا مفيدا للفهم. فقد تحدث فرويد عن ارتداد الطاقة النفسية نحو الأنا، بحيث تنسحب من العالم الخارجي لتستقر في الذات. والسياسة تعرف شكلا شبيها من هذا الانكماش: حين يضيق المجال العام في وعي السياسي حتى يصبح بحجم طموحه الشخصي.
وعندها لا يعود السؤال: ما الذي يحتاجه الحزب؟ ولا: من الأصلح لهذه المرحلة؟ بل يصبح السؤال الصامت: لماذا ليس أنا؟
في هذا المستوى، تتحول التزكية من اختيار سياسي إلى شهادة تقدير للذات. ومن هنا يأتي الاحتقان. فالسياسي الذي يربط قيمته بموقعه لا يتعامل مع الاستبعاد بوصفه احتمالا طبيعيا في الحياة الحزبية، بل بوصفه إهانة أو تنكرا لتاريخه.
وهنا يتسلل الوهم الأخطر: أن الخبرة تمنح حقا دائما في البقاء.
لكن السياسة لا تعرف الحقوق الأبدية. من خدم سنوات قد يكون جديرا بالتقدير، لكن التقدير شيء، وتجديد الولاية إلى ما لا نهاية شيء آخر. التداول ليس عقوبة، وتجديد النخب ليس محوا للذاكرة، بل شرط من شروط بقاء السياسة نفسها حية.
ومن النرجسية تتفرع أمراض أخرى: الوصولية التي تجعل الحزب مجرد سلم، والانتهازية التي تعيد ترتيب القناعات وفق فرص الترشيح، والزبونية التي تستبدل المشروع بشبكات المصالح، والولاءات الشخصية التي تحول التنظيم إلى دوائر مغلقة.
ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه النرجسية وقودا إضافيا. صور يومية، ومقاطع منتقاة بعناية، وتعليقات لا تنتهي بالثناء، ومحيط رقمي يكرر للصاحب ما يحب سماعه. ومع الوقت قد يختلط عليه الصدى بالحقيقة، ويظن أن حضوره في الشاشة هو نفسه حضوره في المجتمع.
لكن السياسة، في النهاية، لا تختبرها الهواتف بل الوقائع.
وهنا تقع مسؤولية الأحزاب قبل مسؤولية المرشحين. فالحزب الذي يخشى تجديد أسمائه خوفا من غضب أصحاب النفوذ، يحكم على نفسه بالشيخوخة. والحزب الذي يجعل التزكية مكافأة على طول الإقامة، لا على الكفاءة والقبول والقدرة على الإضافة، يحول الانتخابات إلى إعادة توزيع للأدوار القديمة.
السلطة في بدايتها مغرية، وفي امتدادها مريحة، وفي لحظة الابتعاد عنها قاسية. ولذلك كانت دائما امتحانا مزدوجا: امتحان لمن يصل إليها، وامتحان أشد لمن يطلب منه أن يغادرها.
هناك يظهر الفرق بين من فهم السياسة تكليفا مؤقتا، ومن استبطنها امتيازا دائما.
فالسياسي الكبير لا تقاس قامته بعدد السنوات التي بقي فيها، بل بقدرته على أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى يترك للزمن أن يصنع وجوها أخرى.
وذلك هو الفطام الأصعب في السياسة: أن يغادر المرء موقعه من دون أن يظن أن العالم غادر معه.