منتدى العمق

جواز الشباب والجامعة الملكية لكرة القدم.. لماذا لا نفتح الباب أمام شراكة جديدة؟

هناك أفكار بسيطة في شكلها وربما حتى في مضمونها أيضا، لكنها قد تكون كبيرة في أثرها، ومن جملة هذه الأفكار، أن يصبح جواز الشباب المغربي أكثر ارتبطا بكرة القدم الوطنية، لاسيما في ظل ما باتت تعرفه هذه الرياضة من إشعاع وطني ودولي، ومن خلال فتح المجال أمام شراكة مؤسساتية أوسع مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

فكرتنا ليس أن يتحول جواز الشباب إلى جواز لكرة القدم، ولا أن تقتصر خدماته على تذاكر المباريات، بل هي فكرة أعمق من ذلك بكثير، تنطلق من سؤال، لماذا لا نستثمر في الشعبية الهائلة لكرة القدم لجعلها إحدى الأدوات العملية للسياسة الشبابية في المغرب؟

جواز الشباب، الذي تم تعميمه وطنيا في يناير 2025، يستهدف الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، ويوفر لهم عروضا وامتيازات في مجالات متعددة، من الثقافة والرياضة إلى التنقل والإقامة، وهي أنشطة دفعت الشباب إلى الانخراط بشكل فاعل من خلال تطبيق جواز الشباب الذي تجاوز عدد مستخدميه مليون ونصف مستفيد، الأمر الذي يؤكد وجود قاعدة شبابية واسعة يمكن البناء عليها.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم هو، ماذا يمكن أن نضيف إلى هذا المشروع حتى يصبح أكثر التصاقا بالحياة اليومية للشباب؟ الجواب في تقديري، يوجد جزئيا في كرة القدم، لأن كرة القدم لغة يغهمها الشباب بشكل جيد.

وهي رياضة لا تحتاج إلى حملة تعريفية وهي موجودة في الأحياء، في المقاهي، في الملاعب، وفي النقاشات اليومية لملايين الشباب.
لكن قوة كرة القدم لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المتابعين أو بحجم الحماس الذي تخلقه المباريات بل بالقدرة على التأثير والتأطير.
ويبقى السؤال الأهم، هو كيف يمكن تحويل هذه القوة الجماهيرية إلى فرصة للشباب؟

ومن هذا الجانب، يأتي دور الجامعة الملكية لكرة القدم كشريك في جواز الشباب، فالتجربة موجودة.. فلماذا لا نوسعها؟
لاسيما أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل سبق أن دخلت في شراكة مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لتنظيم دوري وطني لكرة القدم المصغرة لفائدة حاملي جواز الشاب، تحت شعار الطريق إلى كان المغرب 2025، وكان الهدف المعلن هو تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة والمساهمة في تطوير كرة القدم الوطنية.

إلى جانب ذلك، فالوزارة سبق أن تعاونت مع الجامعة في مبادرات شبابية رياضية أخرى، ما يعني أن الأرضية المؤسساتية للتعاون موجودة أصلا وبشكل مسبق.
لذلك، لا يتعلق الأمر اليوم باختراع علاقة جديدة بين الطرفين، وإنما بطرح سؤال أكثر طموحا
لماذا لا ننتقل من شراكة في نشاط أو دوري إلى شراكة دائمة داخل منظومة الشباب؟

ماذا لو أصبح للجواز عرض كروي؟
الأمر ببساطة يقوم على أن حامل جواز الشباب أن يحصل على أولوية أو أسعار تفضيلية لحضور مباريات البطولة الوطنية أو مباريات المنتخبات، وفق نظام مدروس.
كما أن الأمر يمكن أن يتضمن دوريات محلية وجهوية، وبرامج لاكتشاف المواهب، وورشات للتدريب والتحكيم، وزيارات لمراكز التكوين، ولقاءات مع لاعبين ومدربين، بل وحتى فرصا للتطوع والمشاركة في تنظيم التظاهرات الرياضية.

وهنا يصبح الجواز أكثر من تطبيق يقدم تخفيضات، يصبح بوابة إلى تجربة رياضية كاملة، والمهم أن هذه التجربة لا يجب أن تكون موجهة فقط إلى من يريد أن يصبح لاعب كرة القدم.
فالكرة الحديثة خلفت عشرات المهن، التدريب، التحكيم، الإدارة، التسويق الرياضي، الإعلام الرياضي، صناعة المحتوى، تحليل الأداء، التنظيم، التصوير والإنتاج وغيرها.
أي أن الاستثمار في العلاقة بين الشباب وكرة القدم يمكن أن يتحول أيضا إلى استثمار في المهارات وفرص المستقبل.

فالجامعة تمتلك منظومة واسعة للتكوين والتأطير، وبرنامجا وطنيا لتكوين المواهب الشابة يحظى باهتمام دولي، بل أعلنت الجامعة في فبراير 2026 أن الفيفا أبدت تقديرا كبيرا لهذا البرنامج ودرست إمكانية الاستفادة من النموذج المغربي في بلدان إفريقية أخرى.
وهذا ما يجعل إشراك الجامعة في مشروع شبابي وطني أمر محمزدا.

فإذا كانت الجامعة تمتلك الخبرة في اكتشاف المواهب وتكوينها، بينما يمتلك جواز الشباب منصة رقمية وقاعدة واسعة من الشباب، فلماذا لا نجمع الإمكانيتين؟
الفكرة ليست منح امتيازات.. بل خلق مسارات..
المطلوب ألا يكون التفكير في هذه الشراكة محصورا في سؤال، كم سيكون ثمن تذكرة المباراة لحامل جواز الشباب؟ هذا سؤال مهم، لكنه أصغر من الفكرة، ويبقى السؤال الحقيقي هو كيف يمكن أن يجد شباب مغربي، بفضل جواز الشباب، طريقا جديدا داخل عالم الرياضة؟

قد يكون ذلك الطريق لاعبا، حكما، مدربا، مسير، متطوعا، أو صحافيا رياضيا أو متخصصا في التسويق الرياضي أو ببساطة شابا وجد في الرياضة مساحة للانتماء والمشاركة.
وهنا بالضبط يمكن أن يصبح جواز الشباب أداة للتمكين، وليس مجرد أداة للحصول على التخفيضات، والأهم ألا تكون المبادرة حكرا على المدن الكبرى.

أي شراكة من هذا النوع ستكون ناقصة إذا بقيت محصورة في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة وغيرها من المدن التي تتوفر أصلا على بنيات رياضية وإمكانيات أكبر، قيمة الفكرة ستظهر عندما يصل أثرها إلى الشباب في الأقاليم والمناطق القروية والمدن الصغيرة.

يمكن مثلا تنظيم دوريات جهورية مرتبطة بجواز الشباب، وإقامة أيام لاكتشاف المواهب، واستعمال الشبكة الجهوية للأندية والعصب الرياضية للوصول إلى الشباب في مختلف مناطق المملكة.
وهنا يمكن أن تصبح كرة القدم وسيلة لتحقيق هدف أكبر، العدالة المجالية في الولوج إلى الرياضة والفرص المرتبطة بها.
وربما يطرح البعض سؤالا، لماذا الآن؟
لأن المغرب يعيش مرحلة استثنائية في علاقته بالرياضية، البلاد تستثمر في البنية التحتية، وتستعد لاستحقاقات رياضية كبرى، والمنتخبات الوطنية حققت حضورا غير مسبوق، كما أن منظومة تكوين المواهب تعرف تطورا واضحا.

في المقابل، لدينا مشروع شبابي رقمي وصل إلى قاعدة كبيرة من الشباب.
إذن، لدينا عنصران جاهزان، الأول يتعلق بمنظومة رياضية قوية، والثانية، منصة شبابية واسعة، يتبقى فقط وضع تصور يجعل الإثنين يعملان معا بشكل أكثر اتساقا وانتظاما.
اقتراح قابل للنقاش
قد يكون من المفيد التفكير في إحداث العرض الرياضي لجواز الشباب، على أن تكون الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أحد شركائه الأساسين، ولا يتعلق الأمر بالضرورة بإنفاق عمومي كبير، بل بإعادة تنظيم الإمكانيات الموجودة أصلا وربطها بمنصة واحدة.

ويمكن أن يقوم العرض على أربعة محاور، المشاهدة من خلال عروض وتذاكر تفضيلية، الممارسة عبر دوريات وأنشطة رياضية للشباب، التكوين مؤسس على برامج في التدريب والتحكيم والمهن الرياضية، المواطنة في ظل التطوع والمشاركة في تنظيم التظاهرات الرياضية.
بهذه الآلية، يمكن أن تتحول العلاقة بين جواز الشباب والجامعة إلى مشروع قابل للتوسع، بدل أن تبقى مرتبطة بمبادرة موسمية أو مناسبة رياضية معينة.
كلمة أخيرة..

المغرب نجح في جعل كرة القدم جزءا من صورته الجديدة في العالم بالتزامن مع احتضان مونديال 2030، والتحدي المقبل، في رأيي، هو أن نجعل نجاح كرة القدم جزءا من مستقبل الشباب المغربي، وهذا لن يتحقق فقط عبر الملاعب والمنتخبات والألقاب، بل عبر فتح الأبواب أمام الشباب للاستفادة من هذه المنظومة والمشاركة فيها، لذلك، فإن إشراك الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بشكل مؤسساتي وأوسع في جواز الشباب يستحق أن يكون موضوع نقاش جدي بين مختلف الفاعلين.

ليس لأن كرة القدم هي كل شيء، بل لأنها ببساطة، واحدة من أكثر الأدوات التي يمكن أن تصل إلى الشباب المغربي وتخاطبه بلغته، وربما يكون الوقت قد حان لكي لا نقول للشباب فقط، هذا جوازك للاستفادة من الخدمات، وإنما أيضا هذا جوازك لاكتشاف فرصة جديدة.