منتدى العمق

من تسديد التبليغ: تسديدُ مكان التلقّي

الإصلاح لا يكتمل بالخطاب وحده

ليس الإصلاح الديني إصلاحًا للخطاب وحده، ولا نجاحُه رهينًا بصواب المضمون فقط؛ إذ لا ينفصل وقعُ الكلمة عن الفضاء الذي تستقر فيه، ولا يكتمل أثرُ التوجيه ما لم يكن مكانُ تلقّيه مهيّأً لحمل معناه، من هنا تبدو الحاجة اليوم إلى استكمال ورش تسديد التبليغ بـورشٍ لا يقل عنه أهمية، هو تسديدُ مكان التلقّي؛ أي إعادةُ المسجد إلى مقامه الحقيقي: بيتًا لله في الأرض، ومجالًا للذكر والعلم، وموئلًا للسكينة، ومؤسسةً حيّةً في خدمة الدين والمجتمع.

مكانة المسجد في الشرع ووظيفته في العمران الإيماني

لقد شرّف الله المساجد فنسبها إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، وجعلها بيوتًا أذن أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، ثم جعل عمارتها علامةً من علامات الإيمان الصادق: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، وجاء في الأثر: “بيوتي في الأرض المساجد، وزوّاري عُمّارها”، وهذه المعاني كلّها ليست إنشاءً وعظيًا، بل تأسيسٌ شرعيٌّ لوظيفة المسجد ومكانته في العمران الإيماني للأمة.

من تأطير الحقل الديني إلى العناية برسالة المسجد

وإذا كانت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في ظلّ القيادة الرشيدة لمؤسسة إمارة المؤمنين، قد حققت مكاسب معتبرة في تأطير الحقل الديني، وتأهيل الأئمة والمرشدين، وصيانة الثوابت الدينية للمملكة، فإن المرحلة الموالية من هذا الجهد الإصلاحي تقتضي مزيدًا من العناية بالمسجد نفسه، لا من حيث بناؤه المادي فقط، بل من حيث رسالته الحية ووظيفته اليومية في حياة الناس، فكم من مسجدٍ أُحسن بناؤه وتجهيزه، ولكن لم يُستثمر بما يليق بحرمته ومكانته! وكم من خطابٍ ديني رصينٍ يُلقى، ثم يضعف أثره لأن الفضاء الذي يستقبله لم يُفعّل تربويًا وروحيًا كما ينبغي!

المسجد فضاءُ إقامةٍ معنوية لا مكان عبور

إن المسجد في التصور الإسلامي ليس مكان عبورٍ لأداء الصلاة والانصراف، بل هو فضاءُ إقامةٍ معنوية، تُعمر فيه القلوب قبل الجدران، ومن ثَمّ، فإن أولَ ما ينبغي التفكير فيه هو أن يعود المسجد عامرًا بالذكر والفكر والشكر، وأن يُفتح أمام الناس ليجدوا فيه ما يملأ أوقاتهم بما ينفعهم، لا شيء يردّ للمسجد هيبته مثل أن يكون حيًّا في وجدان الناس، مأهولًا بتلاوة القرآن، وحلقات الذكر، ومجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة المصنفات التي شكّلت على مدى قرون جزءًا من الشخصية الدينية المغربية، مثل دلائل الخيرات والشفا ونظائرهما من كتب التزكية والمحبة والعلم النافع.

وصل الناس بمصادر النور والسكينة

وليس المقصود هنا إحياء طقوسٍ شكلية، بل إعادة وصل الناس بمصادر النور والسكينة في زمنٍ تتكاثر فيه دواعي التشتيت والقلق والفراغ، فالمسجد إذا امتلأ بالقرآن، انكمش فيه اللغو؛ وإذا امتلأ بالذكر، ضاقت فيه الغفلة؛ وإذا امتلأ بالعلم، تراجعت فيه أسباب الجهل وسوء الفهم، وفي مجتمعٍ يعاني كثيرٌ من أبنائه من فراغ قاتل، لا ينبغي أن تظل المساجد مغلقة المعنى، محدودة الوظيفة، مع أن بإمكانها أن تكون من أقوى الفضاءات العمومية تأثيرًا في ترشيد الزمن العام وبناء المناعة الروحية والأخلاقية.

تفعيل البعد العلمي والتربوي للمسجد

ومن تمام هذه الوظيفة أن يُفعّل البعد العلمي والتربوي للمسجد بصورة منتظمة ومدروسة، وهنا يمكن التعويل على الأئمة، والأئمة المرشدين، ومؤطري برنامج محو الأمية بالمساجد، لتنظيم دروس قصيرة، وورشات تعليمية، ومجالس قراءة، بحسب خصوصية كل مسجد وحاجات محيطه الاجتماعي، فليس المطلوب أن تتحول المساجد إلى مؤسسات تعليمية موازية على نحو مرتبك، وإنما أن تستعيد قدرها الطبيعي من التأطير الهادئ المستمر، الذي يجمع بين التعليم والتهذيب، وبين التبصير الديني والتأهيل الأخلاقي، حينئذٍ يصبح المسجد أقرب إلى الناس، ويغدو حضوره في حياتهم حضورًا نافعًا لا موسميًا ولا عابرًا.

صيانة حرمة المسجد بالأمن والتنظيم

غير أن عمارة المسجد بالذكر والعلم لا تنجح ما لم تُدعَم بإطارٍ من الحفظ والتنظيم يليق بحرمة المكان، فبيوت الله أولى البيوت بالصيانة والرعاية، ومن هنا تبرز أهمية توفير حراس أمن للمساجد، بحسب سعتها وخصوصيتها، يسهرون على النظام والسكينة، ويحفظون للمكان وقاره، ويوجهون المرتادين بأدبٍ وحزم إلى ما يليق بآداب المسجد، وليس في هذا ما ينافي روح المسجد المفتوحة، بل هو من تمام تعظيمه؛ لأن الحرية داخل المسجد لا تعني الفوضى، والانفتاح لا يعني التفريط في الهيبة.

كاميرات المراقبة وحماية المرافق

كما أن تجهيز المساجد بـكاميرات مراقبة في المواضع المناسبة أصبح اليوم إجراءً معقولًا ومطلوبًا، حمايةً للممتلكات، وصونًا للمرافق، وردعًا للسلوكات المسيئة، فالمسجد ليس معزولًا عن تحولات المجتمع، والقيام على أمنه جزءٌ من القيام بحرمته، وكما نبني المساجد بأموال وجهود معتبرة، يجب أن نحسن حمايتها وحسن تدبيرها، حتى تبقى فضاءً مطمئنًا وآمنًا للجميع.

قانون داخلي وآداب ظاهرة لبيوت الله

وفي السياق نفسه، تبدو الحاجة ماسّة إلى قانون داخلي واضح للمسجد، تُعبّر عنه لافتات رصينة وجميلة، تذكّر بآداب بيوت الله: المحافظة على النظافة، وخفض الصوت، واحترام المصلين، وإغلاق الهواتف، وعدم اتخاذ المسجد موضعًا للنوم أو المبيت على وجهٍ يخلّ بوظيفته ووقاره، وسائر ما يعين على صيانة حرمة المكان، فالتربية لا تقوم على الزجر وحده، بل على التذكير المستمر وصناعة الوعي العام، واللافتة الجيدة قد تؤدي أحيانًا ما لا يؤديه التنبيه العابر، لأنها تؤسس لثقافة جماعية في التعامل مع المسجد.

إعادة بناء العلاقة بين المسلم ومسجده

إن جوهر هذا المقترح ليس أمنيًا ولا إداريًا فحسب، بل هو في عمقه اقتراحٌ لإعادة ترتيب العلاقة بين المسلم ومسجده، فحين يشعر الناس أن المسجد بيت الله حقًا، وأنه بيتهم الروحي والتربوي، سيتغير سلوكهم فيه، وسيتحول من فضاءٍ يؤدَّى فيه واجبٌ ديني محدود، إلى مصدر إشعاع يومي ينعكس على الأخلاق والعلاقات والاختيارات، وهكذا تُعمر المساجد، لا بكثرة الزخارف وحدها، بل بكثرة الذاكرين، وحسن التنظيم، ودوام الرسالة.

المسجد في قلب الإصلاح الديني

إن المغرب، في ظل إمارة المؤمنين، راكم تجربةً متميزة في تدبير الشأن الديني على أساس الاعتدال والثوابت الجامعة، وما أحوج هذه التجربة اليوم إلى أن تمضي خطوةً أخرى في تعميق أثرها، بجعل المسجد في قلب الإصلاح لا على هامشه؛ لا باعتباره بنايةً تؤدى فيها الشعائر فقط، بل باعتباره مكان التلقّي الذي تتشكل فيه النفس الدينية للمجتمع، فنجاح التبليغ لا يكتمل إلا إذا وجد مكانًا مسدّدًا يستقبله، ويمنحه شروط الرسوخ والاستمرار.

خاتمة: إعمار بيوت الله وإعمار الإنسان

إننا حين ندعو إلى تسديد مكان التلقّي، فإننا ندعو، في الحقيقة، إلى إعمار بيوت الله بما يُعمر به الإنسان نفسه: ذكرًا، وعلمًا، ونظامًا، وسكينة، وذلك، في نهاية المطاف، من أصدق وجوه الإصلاح، وأبقى آثاره.