موسم الأعياد الوطنية… حين تحتفل الدولة وحدها
منتدى العمق

موسم الأعياد الوطنية… حين تحتفل الدولة وحدها

في المغرب، يبدو أن شهر غشت لم يعد مجرد شهر للعطلة والحرارة والازدحام على الطرقات. إنه موسم رسمي مكثف لإعادة اكتشاف معنى الوطن.
عيد العرش، ذكرى استرجاع وادي الذهب، ذكرى ثورة الملك والشعب، عيد الشباب… رزنامة وطنية عامرة بالمناسبات التي يفترض أن تقول للمغربي: أنت جزء من وطن عظيم، ومواطنك الآخر شريكك في هذا الوطن، والدولة بيتك الكبير.
لكن هناك مشكلة صغيرة.
المواطن لم يقرأ نفس النص.
فبينما كانت المنابر الرسمية تشرح لنا عظمة اللحظة الوطنية، كان بعض الشباب يشرحون لنا، بطريقة أكثر بلاغة، ماذا يعني الوطن بالنسبة إليهم: الهروب منه.
في نهاية يوليوز وبداية غشت، تحولت سبتة إلى مرآة قاسية للمغرب. عشرات الآلاف حاولوا العبور، وسط تضارب كبير في الأرقام، فيما تحدثت السلطات المغربية عن 40 ألف شخص عبروا نحو سبتة، وأعلنت عن 11 وفاة في معطيات أولية، بينما تحدثت السلطات في سبتة عن أعداد أكبر بكثير وعن عشرات الوفيات؛ وقد أشار المجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه إلى هذا التضارب.
وليس المهم هنا أن نختلف: هل الرقم 40 ألفا أم 60 ألفا أم 72 ألفا؟
المهم أن نسأل سؤالا أكثر إزعاجا:
كيف استطاع وطن كامل أن يقنع عشرات الآلاف من أبنائه بأن المستقبل يوجد في الجهة الأخرى من السياج؟
والأكثر سخرية أن هذه الموجة جاءت في الوقت نفسه تقريبا الذي كانت فيه البلاد تستعد لموسم الولاء والاحتفالات الوطنية.
هناك، على منصة الاحتفال، وطن يحتفل بنفسه.
وهناك، عند البحر، مواطن يسبح بحثا عن وطن آخر.
أي مفارقة هذه؟
كأن المغرب الرسمي يقول للشاب: انظر كم أنت محظوظ لأنك تنتمي إلى هذا الوطن.
فيرد الشاب: أعرف… ولهذا أحاول مغادرته.
طبعاً، لا يجوز اختزال ظاهرة الهجرة في الفقر وحده، ولا تحويل كل شاب حاول العبور إلى “خائن للوطن”. فالأسباب مركبة، وتدخل فيها البطالة، وانتظارات الشباب، وتأثير شبكات التواصل، والمعلومات المضللة، وتصورات جاذبية أوروبا. وقد أشار المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالفعل إلى دور الرسائل الرقمية والدعوات المتداولة في تعبئة بعض المشاركين.
لكن حتى التضليل الرقمي يحتاج إلى أرض خصبة.
ولا يمكن أن تنتشر فكرة “الهروب” بهذه السرعة في مجتمع واثق من مستقبله.
ثم نصل إلى فصل آخر من الكوميديا السوداء: المؤسسات.
في يوليوز، صادق البرلمان على مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة في قراءة ثانية. ثم أحيل النص إلى المحكمة الدستورية، لكن المحكمة، في قرارها الصادر في 10 غشت، لم تتمكن من البت في مطابقته للدستور، لأن الإحالة لم تكن مرفقة بنسخة مطابقة لأصل النص موضوع الرقابة
يا لها من مفارقة!
في بلد تتحدث فيه الخطب الرسمية كثيرا عن دولة المؤسسات، تستطيع المؤسسة أن تصل إلى المحكمة الدستورية ومعها ملف… لكن من دون الشيء الذي جاءت المحكمة أصلا لتنظر فيه!
إنها ليست مشكلة في القانون فقط؛ إنها صورة رمزية عن علاقة مختلة بالمؤسسات:
المؤسسة موجودة، والإجراءات موجودة، والأختام موجودة، والملفات موجودة… أما جوهر العمل المؤسساتي فله موعد آخر.
ثم يأتي 14 غشت، ذكرى استرجاع وادي الذهب.
وهي ذكرى يفترض أن تفتح سؤال السيادة والوحدة الترابية والكرامة الوطنية.
لكن في الزمن نفسه، كان مغاربة آخرون يصنعون صورة مختلفة تماما للسيادة: شباب يفرون عبر البحر، وأسر تبحث عن أبنائها، وأرقام الموتى تتضارب بين مؤسسة وأخرى.
فما قيمة أن نستعيد الأرض إذا كان الإنسان فوقها يشعر أنه يريد استعادتها من نفسه؟
وما معنى أن نحتفل بالسيادة على التراب، بينما يشعر المواطن أن سيادته على مستقبله وحياته وكرامته محدودة؟
ثم جاءت المفارقة الأكثر استفزازا في جدول هذا الصيف:
ثورة الملك والشعب.
ذكرى ثورة قامت على فكرة بسيطة وعميقة: حين تعرض الوطن لمحنة، اجتمع الملك والشعب.
لكن في 24 غشت، بحسب الإعلان المنشور، يفترض أن تستأنف الرحلات الجوية المباشرة بين تل أبيب ومراكش، بمعدل رحلتين أسبوعيا.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدا:
كيف يمكن أن نحتفل بذكرى “ثورة الملك والشعب”، بينما تتسع المسافة بين جزء من الوعي الشعبي الرافض للتطبيع وبين اختيارات رسمية واقتصادية تسير في الاتجاه الآخر؟
لا يتعلق الأمر هنا بتسجيل نقاط سياسية، بل بمشكلة أعمق:
الوطن يحتاج إلى حد أدنى من الانسجام بين رموزه وسياساته ومشاعر مواطنيه.
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يعيش التاريخ كذاكرة مقدسة، ثم نطلب منه أن يعيش الحاضر وكأن التاريخ لا علاقة له بما يحدث.
وهكذا انتهى بنا الصيف إلى لوحة سريالية مكتملة العناصر:
في الرباط: احتفالات.
في التلفزيون: أغانٍ وطنية.
في الخطب: الوحدة والولاء والمجد.
في البرلمان: قوانين ومؤسسات.
في سبتة: شباب يركضون نحو السياج.
في البحر: جثث ومفقودون.
في المحاكم: قانون ينتظر أن تستكمل مؤسساته أوراقه.
في الجريدة الرسمية إقرار قانون وتعطيل للمؤسسات
وفي الأجواء: رحلات جوية تعود إلى تل أبيب.
لو كان هذا الصيف مسرحية ساخرة، لقال الجمهور إن الكاتب بالغ في الخيال.
لكن المشكلة أن الكاتب هو الواقع.
والأخطر من كل ذلك أن المسافة بين المغرب الرسمي والمغرب الاجتماعي لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر.
إنها تتحول إلى هوة في تعريف الوطن نفسه.
الدولة تقول: الوطن هو الاستقرار، والمشاريع، والإنجازات، والاحتفالات، والولاء.
والشباب يجيبون، بأقدامهم وهواتفهم وأحلامهم: الوطن هو المستقبل الذي أستطيع أن أراه، والكرامة التي أستطيع أن ألمسها، والمؤسسة التي أستطيع أن أثق بها، والصوت الذي أستطيع أن أرفعه دون خوف.
وحين تفشل الدولة في إقناع المواطن بأن الوطن يتسع له، لا يعود كافيا أن تكثر الأعلام في الشوارع.
العلم لا يصنع الانتماء وحده.
والنشيد لا يصنع المواطنة وحده.
والاحتفال لا يصنع الكرامة.
والولاء الرسمي لا يعوض الثقة الشعبية.
بل إن الإفراط في الاحتفال بالوطن، في الوقت الذي يشعر فيه المواطن بأنه مهمش داخله، قد يتحول من وسيلة لترسيخ الانتماء إلى تذكير مؤلم بالفجوة بين الخطاب والواقع.
وهنا تكمن المسألة الأخطر:
الاستبداد لا يبدأ دائما بإغلاق الأبواب.
أحيانا يبدأ حين تصبح الدولة مقتنعة بأنها تعرف مصلحة المواطن أكثر منه، وحين تصبح المؤسسات مجرد واجهات، وحين يصبح النقد تشويشا، والاحتجاج تهديدا، والاختلاف قلة ولاء، وحين تصبح كرامة المواطن تفصيلا يمكن تأجيله إلى إشعار آخر.
ثم نتساءل بدهشة:
لماذا يريد الشباب الرحيل؟
ربما لأنهم لم يجدوا في خطاب الوطن جوابا عن سؤال المستقبل.
وربما لأن الوطن الذي نطلب منهم أن يحبوه لم ننجح في أن نجعلهم يشعرون بأنه يحبهم أيضا.
لهذا، فإن أخطر ما حدث هذا الصيف ليس أن آلاف الشباب حاولوا عبور البحر.
الأخطر أن البحر أصبح في مخيلة بعضهم أقصر طريق إلى الكرامة.
وهذه، في النهاية، ليست مشكلة شباب.
إنها مشكلة وطن.
ولا يعالجها المزيد من الأعياد.
بل المزيد من الحرية، والعدالة، والكرامة، والمؤسسات الحقيقية، والثقة، والقدرة على الإصغاء.
فالوطن الذي يحتاج كل عام إلى مهرجان طويل ليقنع أبناءه بأنه عظيم، ربما يحتاج قبل ذلك إلى أن يسألهم سؤالا بسيطا:
هل تشعرون فعلا أن هذا الوطن وطنكم؟
فإذا جاء الجواب من البحر…
فقد يكون الوقت قد حان لأن نصغي جيدا.