توطئة
حين يطول ليل الانحطاط الأخلاقي، وتتكاثف سُحب التدنّي حتى يظنّ الظانّ أنّ القيم صارت أثرًا بعد عين، يأتي النداء القرآنيّ شاقًّا ذلك الظلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نداءٌ ليس للأسماع وحدها، بل للأرواح التي أثقلها ما ترى من حولها من تبدّل الموازين وانقلاب المعايير، فتكاد تفقد يقينها بجدوى الاستقامة في زمنٍ صار فيه الانحراف هو القاعدة.
إنّ الله جلّ نوره حين نادى عباده بهذا النداء، لم يكن يدعوهم إلى الفرار من الناس ولا إلى التقوقع في عُزلة باردة، بل كان يُنزل عليهم درعًا ربّانيًّا، ويُلبسهم مناعةً أخلاقيّة تحفظ جوهرهم من أن يتلوّث بأوبئة العصر، كان يقول لهم ما معناه: ابنوا أنفسكم من الداخل بناءً لا تزلزله الأعاصير، وحصّنوا قيمكم تحصينًا لا تنفذ إليه سهام الرداءة، ثمّ بعد ذلك لا تخشوا على إيمانكم من ضلال الضالّين، فإنّ الشمس لا تفقد نورها لأنّ في الأرض عميانًا.
هذه القراءة تحاول أن تستجلي الأبعاد التربويّة والأخلاقيّة لهذه الآية، مع التنبيه على سوء فهمٍ شائعٍ راح ضحيّته كثيرٌ من مؤمني هذه المرحلة.
المبحث الأوّل: عليكم أنفسكم — فنّ البناء الداخليّ
ثمّة فرقٌ دقيقٌ وخطيرٌ بين أن تبدأ بنفسك وبين أن تنتهي عندها، والقرآن الكريم حين قال ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ رسم نقطة البداية لا نقطة النهاية، إنّه أمرٌ بالتأسيس لا بالتقاعس، دعوةٌ إلى أن يكون أوّل مشروعاتك الأخلاقيّة هو مشروع ذاتك، أن تُعمّر داخلك قبل أن تطرق أبواب الآخرين.
والعارفون بالله من أهل السلوك يقولون: من لم يملك نفسه لم يملك نُصحها لغيره، ومن لم يُقم العدل في مملكة روحه فأنّى له أن يُقيمه في ممالك الناس؟ فالآية إذن مفتاحها في كلمة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ التي تحمل معنى الإلزام والمسؤوليّة، لا معنى الأنانيّة والتخلّي، إنّها تقول: أنتم مسؤولون عن أنفسكم مسؤوليّة الراعي عن رعيّته، فابدؤوا بها وأحسنوا تربيتها.
وليست النفس شيئًا يُبنى مرّة واحدة ثمّ يُترك، بل هي مشروعٌ حيٌّ يحتاج إلى رعايةٍ دائمة ومراجعةٍ مستمرّة، والمؤمن الحقيقيّ يعلم أنّ أخطر أعدائه ليس ذلك الضالّ الذي يراه أمامه، بل تلك الغفلة التي تتسلّل إلى قلبه من حيث لا يشعر، ولذلك كان الأمر القرآنيّ بلزوم النفس أمرًا بالمجاهدة الدائمة، تلك المجاهدة التي سمّاها أهل الله الجهاد الأكبر، لأنّ ميدانها هو أصعب الميادين: ميدان الروح.
أمّا قوله ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ فليس شهادة براءة من المسؤوليّة تجاه الآخرين، بل بيانٌ لحقيقة كونيّة: أنّ ضلال الضالّين لا ينبغي أن يكون سببًا في ضلالك أنت، إنّها تحصينٌ نفسيّ يمنع المؤمن من أن يستسلم لليأس حين يرى كثرة الضالّين، أو أن ينجرّ إلى مستنقعاتهم بدعوى أنّ الجميع فيها، الآية تصنع في قلب المؤمن ما يُشبه الجهاز المناعيّ في الجسد: لا يمنع وصول الأمراض، ولكنّه يمنعها من أن تهزمه.
المبحث الثاني: شرط الاهتداء وسوء الفهم الذي أفسد جيلًا
كلمة ﴿اهْتَدَيْتُمْ﴾ هي مفتاح الآية وسرّها الأعظم، والاهتداء في لسان القرآن ليس مجرّد أن تعرف الحقّ بعقلك، بل أن تسلكه بكلّيتك: عقلًا وقلبًا وجارحةً وسلوكًا ومعاملةً، والمهتدي حقًّا هو من اهتدى إلى الله بقلبه، وإلى الناس بخُلُقه، وإلى الحياة برسالته.
ولذلك فسّر غير واحد من أجلّة المفسّرين هذا الشرط بأنّه يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنّه قال على المنبر: “يا أيّها الناس، إنّكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها”، ثمّ ذكر حديث النبيّ ﷺ: “إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه.” فانظر كيف ربط الصدّيق بين الآية وبين المسؤوليّة الجماعيّة ربطًا يقطع الطريق على كلّ من يُريد أن يتّخذ منها ذريعة للتخلّي.
وهنا يجب أن نقف وقفة تحذيرٍ صارمة عند ذلك الفهم المغلوط الذي شاع بين كثيرٍ من المتديّنين في هذا الزمان، يقول أحدهم بكلّ أريحيّة: “عليّ نفسي! لا يضرّني من ضلّ!” ثمّ يُغلق على نفسه باب حجرته ويدع الناس يتخبّطون في ظلماتهم، ظانًّا أنّه قد حقّق مراد الله من الآية.
إنّ هذا الفهم الرديء قد ذهب ضحيّته خلقٌ كثير، ظنّوا أنّ الإيمان شأنٌ فرديّ مغلق، وأنّ التقوى حالة شخصيّة لا علاقة لها بالمحيط، فصنعوا لأنفسهم دينًا مريحًا لا يُكلّفهم شيئًا تجاه الآخرين، دينًا بلا رسالة، وإيمانًا بلا مسؤوليّة، وهذا ليس من دين الله في شيء.
لو تأمّل هؤلاء الآية لوجدوا أنّها تردّ عليهم من داخلها، فمن ترك الأمر بالمعروف والنصح والتواصي بالحقّ لم يكن مهتديًا أصلًا، وإذا لم يكن مهتديًا سقط الشرط وسقط معه الوعد، ثمّ إنّ القرآن نفسه وصف الأمّة المؤمنة بأنّها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فكيف يكون المؤمن خير أمّة أُخرجت للناس وهو لا يُعنى بالناس؟
المبحث الثالث: المؤمن كالنخلة — ثبات الأصل وسموّ الفرع
ولعلّ أجمل ما يُصوّر حال المؤمن في زمن الانحطاط هو ذلك المثل النبويّ الذي شبّه المؤمن بالنخلة، تأمّل النخلة تجدها عجبًا: أصلها ثابتٌ ضاربٌ في أعماق الأرض لا تزعزعه الأعاصير، وفرعها شامخٌ في السماء يتطلّع إلى العلوّ ولا ينحني، وبين هذا وذاك تحمل ثمرها الطيّب وتُعطيه لكلّ من يقصدها.
هكذا المؤمن، أصله ثابتٌ في تربة الإيمان والقيم، مهما تبدّلت الأحوال وانقلبت الموازين، لا يتلوّن بلون بيئته الفاسدة لأنّ جذوره ضاربة في عمق لا تصل إليه يد التبديل، وفرعه في السماء: همّته عالية ونفسه تتطلّع إلى المعالي، يرى الانحطاط من حوله فلا ينحطّ، ويرى التدنّي فلا يتدنّى، وثمره طيّب: لا يكتفي بأن يكون صالحًا في ذاته، بل يُثمر خيرًا لمن حوله، إنّه ليس صالحًا فحسب، بل هو مُصلِح، وشتّان بين المقامين.
إنّ من أعظم ابتلاءات هذا الزمان أنّ القيم الأخلاقيّة صارت تُعامَل معاملة الموضة، حتى صار ما كان بالأمس فضيلةً يُنظر إليه اليوم على أنّه تخلّف، وما كان رذيلةً صار يُحتفى به على أنّه تحرّر، وفي هذا المناخ يأتي المؤمن ليقول بوضوح: لست أتغيّر بتغيّركم، فإنّ مرجعي ليس إلى أعرافكم المتقلّبة، بل إلى قيمٍ أنزلها من يعلم السرّ وأخفى، وهذا لا يعني الجمود، بل يعني أنّ الثوابت الأخلاقيّة — الصدق والأمانة والعدل والرحمة والحياء — ليست قابلة للتفاوض لأنّها ليست من صنع البشر.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الثبات على أنّه استعلاء، فالمؤمن الحقيقيّ يعلم أنّه عُرضة للزلل، وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فيحفظ أخلاقه دون أن يفقد تواضعه، ويلزم قيمه دون أن يلبس رداء الكبر، ينظر إلى المنحرفين بعين الرحمة ويدعو لهم بالهداية، ويتذكّر أنّه لولا فضل الله لكان في مكانهم.
المبحث الرابع: النصيحة ركنٌ من أركان الاهتداء
من أعظم ما يجب التأكيد عليه أنّ نصح الآخر والاهتمام بشأنه ليس تدخّلًا في خصوصيّاته، بل هو عبادة من أجلّ العبادات، قال ﷺ: “الدين النصيحة”، فجعلها هي الدين كلّه في كلمة جامعة، والقرآن حين رسم صورة المؤمنين جعل من صفاتهم: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، فالولاية تتضمّن المسؤوليّة المتبادلة لا الانفصال.
بل إنّ الله حين ذمّ بني إسرائيل ذكر من أسباب ذلك: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، فتأمّل كيف أنّ ترك النهي عن المنكر كان سببًا للّعن، ثمّ تأمّل حال من يظنّ أنّ القرآن يأمره بترك هذا النهي.
غير أنّ النصيحة التي يأمر بها الإسلام ليست فظّة غليظة تُنفّر، بل هي نصيحة الحكيم الرحيم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، اشترط الحكمة في الدعوة، والحُسن في الموعظة، والأحسن في الجدال، إنّها أخلاق النصيحة التي بدونها تتحوّل إلى عدوان.
المبحث الخامس: القرآن والتأسيس لدين قيم
حين نعود إلى القرآن الكريم في كُلّيّته نجد أنّه قبل كلّ شيء كتاب قيم وأخلاق، لقد لخّص الله جلّ نوره رسالة دينه في كلمتين: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾، فالدين في جوهره قيم، والقيم في حقيقتها دين.
المتأمّل في القرآن يجد أنّ كلّ آية فيه مشدودةٌ بخيطٍ من نور إلى منظومة القيم، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهّر وتزكّي، والصيام يُعلّم التقوى، والحجّ ينهاك عن الرفث والفسوق، فالعبادات كلّها روافد تصبّ في نهر الأخلاق، ومن فصلها عنه فقد حوّلها إلى طقوس جوفاء.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقول النبيّ ﷺ: “إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، فجعل الغاية الكبرى من رسالته إتمام الأخلاق، وقد وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فلم يصفه بكثرة عبادته بل بخُلُقه، لأنّ الخُلُق هو الثمرة النهائيّة لكلّ عبادة، وهو الميزان الحقيقيّ لإيمان المرء.
ختم:
الآية الكريمة تؤسّس لمناعة أخلاقيّة تحفظ المؤمن من أن يذوب في انحراف المحيط، لكنها لا تأمره بالتخلّي عن مسؤوليته تجاه ذلك المحيط، ابدأ بنفسك، ابنِ داخلك، حصّن قيمك، لكن إيّاك أن تظنّ أنّك بهذا قد انتهيت، إنّما بدأت.
المؤمن كالنخلة: أصله ثابت، وفرعه في السماء، وثمره للناس جميعًا، لا ينسحب من البستان لأنّ بقية الأشجار ذبلت، بل يبقى واقفًا شامخًا مُثمرًا، يُنير بمناعته الأخلاقيّة ولا يكتفي بها لنفسه، بل يبذلها نصحًا ورحمةً وإصلاحًا، بالحكمة والموعظة الحسنة، دون استعلاء ولا انغلاق.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا النبي المربي، مولانا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.