لم تكن فاطمة أوبلال المنحدرة من إقليم طاطا مجرد اسم جديد يضاف إلى قائمة ضحايا لدغات الأفاعي في الجنوب الشرقي، بل أصبحت قصتها عنوانا لمأساة أكبر من مجرد حادث عرضي. ففي الساعات التي كان يفترض أن تكون فيها الأولوية لإنقاذ حياتها، وجدت نفسها في مواجهة سباق قاس مع الزمن والجغرافيا، بين طرق طويلة ومتعبة، ومؤسسات صحية لا تملك ما يكفي من الإمكانيات، ورحلة بحث عن مصل مضاد للسموم انتهت قبل أن تصل إلى بر الأمان.
من إݣضي إلى طاطا، ومن طاطا إلى أكادير، ثم البحث عن الأمصال في كلميم، تحولت رحلة العلاج إلى مسار شاق يختبر قدرة المريض وعائلته على مقاومة المرض والطريق في آن واحد. وبينما كانت عقارب الساعة تتحرك بسرعة، كانت المسافات تكبر، وكانت فرص الإنقاذ تتراجع، إلى أن فاضت روح فاطمة إلى بارئها.
هنا لا يتعلق الأمر فقط بلدغة أفعى، ولا بخطر طبيعي تعرفه مناطق الجنوب الشرقي خلال فصل الصيف، وإنما بسؤال أكبر يتصل بالحق في العلاج وفي الوصول إلى خدمة صحية قريبة وآمنة وفي الوقت المناسب.
فكيف يمكن أن تتحول جرعة من مصل مضاد للسموم إلى رحلة بين المدن والأقاليم؟ وكيف يعقل أن يضطر مواطن في منطقة نائية إلى قطع عشرات أو مئات الكيلومترات بحثا عن علاج قد تكون الدقائق فيه حاسمة بين النجاة والموت؟
حين تصبح الجغرافيا عاملا إضافيا للموت
في مناطق الجنوب الشرقي التي ما يزال بعضها يعيش خراج الزمن المغربي، لا تبدأ معاناة المريض عند باب المستشفى، بل قد تبدأ منذ لحظة وقوع الحادث. فالمسافة، ووعورة الطرق، وغياب وسائل النقل الطبي، ونقص التجهيزات والموارد البشرية، كلها عوامل يمكن أن تحول حالة صحية طارئة إلى مأساة.
ولذلك، فإن النقاش حول لدغات الأفاعي والعقارب لا ينبغي أن يختزل في حملات التوعية بمخاطرها، رغم أهمية الوقاية، بل يجب أن يمتد إلى سؤال جاهزية المنظومة الصحية في المناطق الأكثر عرضة لهذه الحوادث.
فالمصل لا يفترض أن يكون حاضرا فقط في المستشفيات الجامعية والمراكز الكبرى، إذا كانت طبيعة المنطقة وموقعها الجغرافي يجعلان الوصول إلى تلك المؤسسات رحلة قد تستغرق وقتا ثمينا. كما أن توفير المصل وحده لا يكفي، إذا لم يكن مصحوبا بطواقم قادرة على التعامل مع الحالات الخطرة، وتجهيزات للإنعاش والمراقبة والتدخل الاستعجالي.
فاطمة ليست رقما
مأساة فاطمة أوبلال تفرض إعادة طرح السؤال القديم المتجدد حول العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية. فالمواطن الذي يعيش في منطقة جبلية أو قرية بعيدة لا ينبغي أن تتحول جغرافيته إلى عقوبة إضافية عندما يواجه حالة صحية طارئة.
ولا يمكن لمنظومة صحية أن تتحدث عن تعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية وتحديث المستشفيات، بينما لا يزال الوصول إلى بعض العلاجات الأساسية رهينا بالمسافة وبالقدرة على التنقل بين المدن.
إن العدالة الصحية لا تقاس فقط بعدد المستشفيات التي يتم تشييدها أو حجم الاستثمارات المعلنة، وإنما أيضا بمدى قدرة المواطن الموجود في أبعد نقطة على الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب، وبمدى استعداد المراكز الصحية القريبة للتعامل مع الحالات الاستعجالية التي تعرفها خصوصية كل منطقة.
هل ننتظر مأساة جديدة؟
رحيل فاطمة يجب ألا يتحول إلى خبر عابر سرعان ما يختفي من الذاكرة مع نهاية موسم الصيف. فكل وفاة من هذا النوع تفتح السؤال نفسه: هل كان بالإمكان إنقاذ الضحية لو توفرت وسائل العلاج والتدخل في المكان والوقت المناسبين؟
والإجابة عن هذا السؤال ليست مهمة الصحافة وحدها، بل مسؤولية الجهات الصحية المختصة التي يفترض أن تقرأ هذه الوقائع باعتبارها مؤشرات على مكامن الخلل، وأن تعمل على سدها قبل أن تتحول الحوادث المتكررة إلى قدر محتوم.
ولا يمكن فصل مأساة فاطمة أوبلال عن واقع أوسع تعيشه مناطق الجنوب الشرقي، حيث ما تزال مظاهر الخصاص في البنيات الصحية والطرق والخدمات الأساسية تذكر بأن العدالة المجالية لم تتحول بعد، في عدد من هذه المناطق، إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.
والمفارقة أن الخطاب الرسمي نفسه أقر، في مناسبات عدة، بوجود فوارق اجتماعية ومجالية وبضرورة تجاوزها، فقد أكد الملك محمد السادس أن “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”، داعيا إلى تدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية والتأهيل الشامل للمجالات الترابية. كما سبق أن شدد على صعوبة الأوضاع التي يعيشها سكان المناطق البعيدة والمعزولة، وعلى ضرورة تحسين أوضاعهم والتخفيف من معاناتهم.
ومن هنا تطرح مأساة فاطمة سؤال المسؤولية السياسية والإدارية والمؤسساتية بكل وضوح: إلى أي حد يضطلع المنتخبون، والسلطات الترابية، والمؤسسات العمومية، والقطاعات الحكومية المعنية، كل من موقعه، بمسؤولياتهم في تقليص هذه الفوارق؟ فاستمرار ضعف بعض الخدمات الأساسية لا يمكن أن يبقى مجرد معطى جغرافي أو قدرا مفروضا على سكان هذه المناطق، كما لا ينبغي أن تتحول عبارة “المناطق النائية” إلى مبرر دائم لتأخر التنمية التي تهدر لإجلها الملايير دون جدوى.
“المغرب غير النافع”
إن استمرار هذا الوضع يهدد بإبقاء جزء من المواطنين في دائرة الهشاشة والعزلة، ويعيد، بشكل أو بآخر، إنتاج التصور القديم لـ”المغرب غير النافع”، وهو تصور يفترض أن تكون السياسات العمومية قد تجاوزته نهائيا، لا أن تستمر بعض مظاهره في الواقع.
والمسؤولية هنا مشتركة، تبدأ من التخطيط والتنفيذ الحكومي، ولا تنتهي عند المنتخبين المحليين والجهات والمؤسسات المعنية، لأن المواطن في هذه المناطق لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى مستشفى قريب، وطريق سالك، وخدمة صحية متاحة في اللحظة التي يكون فيها الوصول إليها مسألة حياة أو موت.
المطلوب ليس بالضرورة بناء منظومة صحية جديدة من الصفر، وإنما ضمان الحد الأدنى من الجاهزية في المناطق التي تعرف تكرار هذه الحالات: توفير الأمصال حيث تقتضي الحاجة، تأمين وسائل الإنعاش والتدخل الاستعجالي، تقوية المراكز الصحية القريبة، وتحسين آليات نقل الحالات الحرجة، إلى جانب وضع خرائط واضحة للمخاطر والموارد الصحية المتاحة.
فالأفاعي قد تكون جزءا من الطبيعة، لكن أن تصبح المسافة ونقص التجهيزات وانتظار المصل عوامل إضافية في تحديد مصير الإنسان، فهنا تتحول المشكلة من خطر طبيعي إلى قضية عدالة صحية ومجالية.
رحم الله فاطمة أوبلال، وكل ضحايا هذه الحوادث، ولعل رحيلها يكون مناسبة لفتح نقاش جدي ومسؤول حول واقع الخدمات الصحية في الجنوب الشرقي، حتى لا يبقى المواطن هناك مضطرا إلى خوض معركتين في الوقت نفسه: مع المرض، ومع الطريق المحفوف بالموت.