أكد سعيد صديقي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء يكرّس تحولاً في مقاربة تسوية النزاع، من خلال تكريس المسار الذي أطلقه قرار مجلس الأمن رقم 2779 الصادر في 31 أكتوبر 2025، فضلاً عن تضمّنه أفكاراً سبق أن وردت في مقترح الحكم الذاتي المغربي لسنة 2007.
وأوضح صديقي، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “وجهاً لوجه” على قناة “فرانس 24″، أن المنعرج الأساسي في مقاربة تسوية النزاع حدث خلال السنة الماضية، مشيراً إلى أن أهمية التقرير الأخير تكمن في إشارته إلى أفكار توحي بأن الأطراف دخلت فعلاً في نقاش وتفاوض حول مضامين مقترح الحكم الذاتي المغربي.
وقال صديقي إن التقرير أشار، من بين الأفكار التي تضمنها، إلى المجلس الانتقالي، وهو ما اعتبره مؤشراً على أن الأطراف تناقش عملياً الأرضية المغربية أو بعض الأفكار الواردة في المبادرة المغربية، على ضوء قرار مجلس الأمن الصادر السنة الماضية، مضيفاً أن هذا يعكس تحولاً عملياً في مسار المفاوضات، وإن كان التحول الأبرز قد حدث خلال السنة الماضية.
وبخصوص اعتماد مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، اعتبر صديقي أن الأمر يمثل، “من الناحية الدبلوماسية السياسية، انتصاراً تاريخياً للمغرب”، لكنه شدد على ضرورة عدم النظر إلى القضية بمنطق الانتصار والهزيمة، قائلاً إن الأمل هو “أن نتوافق جميعاً على حل لا خاسر فيه ولا منهزم”، مضيفا أن الأهم هو تسجيل تحول في مسار المفاوضات، معرباً عن أمله في أن “ينتصر الجميع في نهاية المطاف في التوافق على صيغة موحدة يتفق عليها الجميع”.
وفي ما يتعلق بإبقاء تقرير المصير كمرجعية سياسية للحل النهائي، بالتوازي مع اعتماد مقترح الحكم الذاتي قاعدة للمفاوضات، أكد صديقي أن هذا الأمر “يتطابق تماماً مع روح مبادرة المغرب للحكم الذاتي في 2007″، مشيراً إلى أن النسخة الأولى من المبادرة المغربية تشير صراحة إلى أن الحكم الذاتي هو شكل من أشكال تقرير المصير.
وأوضح أن المبادرة المغربية تضمنت عبارة تقرير المصير مرتين، كما أكدت أن الصيغة النهائية المتفق عليها للحكم الذاتي ينبغي أن تتم استشارة السكان المعنيين بشأنها، معتبراً أن هناك “إشارة واضحة وصريحة” في المبادرة المغربية والاستراتيجية المغربية إلى استشارة السكان المعنيين.
وشدد صديقي على أن السكان المعنيين “لا يمكن أن يُستبعدوا”، وأنه لا بد من منحهم الكلمة ليقرروا بأنفسهم شكل الحكم الذاتي، موضحاً أن الاستشارة في هذا السياق ذات طبيعة استفتائية.
وفي المقابل، أوضح أن المبادرة المغربية وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة يستبعدان بشكل تام خيار الانفصال، مشيراً إلى أن الاستفتاء أو الاستشارة أو تقرير المصير في هذا السياق لا يتضمن خيار الانفصال، وإنما يتعلق بإبداء الرأي في صيغة وشكل الحكم الذاتي، وقال إن الأمر يتعلق، بحسب تصوره، باستشارة السكان بشأن “دستور خاص فرعي لمنطقة الصحراء”، وليس تقرير المصير بمفهومه التقليدي الذي يعني الانفصال.
وأكد صديقي أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك تصريحات المسؤولين الأمميين عندما يشددون على تقرير المصير لسكان الصحراء، “لا يتناقض إطلاقاً مع روح المبادرة المغربية”، بصرف النظر عن استعمال عبارة تقرير المصير أو حتى عبارة الشعب الصحراوي.
وأضاف أنه لا يرى إشكالاً منهجياً في هذه المصطلحات، لأن ما يهمه هو أن تكون للسكان الكلمة الأخيرة، مشدداً على أن “تقرير المصير بمعنى الانفصال لم يعد مقبولاً دولياً، ولم يعد واقعياً”، وبالتالي يجري استبعاده من طاولة المفاوضات، معتبراً أن هذا هو “التحول الكبير الذي حدث”، موضحا أن مفاهيم أخرى، من قبيل تقرير المصير والاستفتاء، تظل واردة في الخطاب المغربي والاستراتيجية المغربية التي تسعى إلى تحقيق حل توافقي مع جميع الأطراف.
وفي ما يتعلق بفكرة المجلس الانتقالي التي وردت في التقرير، أكد صديقي أنها ليست جديدة، موضحاً أنها كانت متضمنة في المبادرة المغربية لسنة 2007، التي اقترحت إنشاء مجلس انتقالي ومنحته بعض الاختصاصات والصلاحيات.
وأضاف أن من حق جبهة البوليساريو، باعتبارها طرفاً أساسياً في المفاوضات، أن تقدم اقتراحاتها وأن تطالب بتوسيع اختصاصات المجلس الانتقالي وأن تكون لها رؤية خاصة بشأنه، معتبراً أن “نقاش المجلس الانتقالي في حد ذاته ليس بالضرورة انتصاراً للمبادرة المغربية”.
وشدد على أن الأهم هو أن المفاوضات بدأت تناقش أموراً عملية، من قبيل كيفية تنظيم المرحلة الانتقالية وكيف سيكون شكل الحكم الذاتي، معتبراً أن ذلك يكرّس التصور المغربي، لكنه لا يعني استبعاد تصور جبهة البوليساريو التي من حقها، باعتبارها طرفاً أساسياً، تقديم رؤاها واقتراحاتها وتعديلاتها.
وأشار إلى أن هذه المسائل تشكل أرضية للنقاش، كما أن من حق الأطراف الأخرى، وفي مقدمتها الأمم المتحدة بصفتها راعية للمفاوضات، أن تبدي آراءها بشأن مختلف تفاصيل الحوار، وأن تضطلع بدور الرعاية والضمان لإنجاح المفاوضات وتحقيق الحل.
غير أن صديقي شدد على أن هذا الدور ينبغي أن يتم “دون أن تكون هناك وصاية دولية”، موضحاً أن ما يرفضه المغرب هو وجود أي وصاية على المجلس الانتقالي، الذي يفترض أن يتشكل من الأطراف، وأن تركيبته واختصاصاته تظل خاضعة للمفاوضات.
كما رفض صديقي ربط قضية الصحراء المغربية بقضية الشرق الأوسط، معتبراً أن هذا الربط قد يكون مرتبطاً بديناميات وتفاعلات تكتيكية عابرة، لكنه لا يمثل جوهر القضية، التي وصفها بأنها قضية إقليمية تهم المغرب وسكان الصحراء والجزائر باعتبارها طرفاً أساسياً.
وأكد أن قضية الصحراء “ينبغي أن تُحل إقليمياً”، محذراً من أن أي تقدم على المستوى الدولي لن يكون كافياً إذا لم يتم الوصول إلى حل توافقي مع مختلف الأطراف، قائلاً: “إذا لم نصل إلى حل توافقي سواء مع الإخوة الصحراويين أو الأشقاء الجزائريين سيظل المشكل معلقاً”، معتبرا أن الدينامية الحالية للقضية وارتباطاتها المحتملة بتفاعلات أخرى قد تكون “مسألة تكتيكية عابرة”، مؤكداً أنه لا يعول عليها كثيراً في تحليله لمسار النزاع.
وكان التقرير الجديد للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء المغربية، كشف تفاصيل غير مسبوقة عن المسار السياسي الذي أعقب قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، مؤكدا عقد ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، وبإشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة.
ويتعلق الأمر بتقرير مؤرخ في فاتح أكتوبر 2026 ويحمل الرمز S/2026/781، وهو أول تقرير للأمين العام حول الصحراء بعد اعتماد القرار 2797، في سياق شهد إعادة إطلاق الاتصالات السياسية المباشرة بين الأطراف، حيث قال غوتيريش إن الوضع في الصحراء ظل مطبوعا بالتوتر والمواجهات منخفضة الحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو، غير أن اعتماد القرار 2797 أعطى زخما جديدا للمسار السياسي الذي يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.
وأشار إلى أن الربع الأول من سنة 2026 شهد ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات، في تطور اعتبره التقرير مهما في مسار البحث عن تسوية سياسية للنزاع، مسجلا أن المغرب أعد نسخة موسعة من مبادرته للحكم الذاتي لسنة 2007 تحت عنوان “مشروع نظام للحكم الذاتي”، وجرى تقاسمها في يناير 2026 مع المبعوث الأممي والولايات المتحدة، بصفتهما رئيسين مشاركين للمفاوضات، فضلا عن البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
وفي خلاصاته وتوصياته، اعتبر غوتيريش أن استئناف الاتصال المباشر بين الأطراف للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات يشكل تطورا مشجعا، داعيا الأطراف إلى استغلال الفرصة للتقدم نحو حل سياسي مقبول منها.
ودعا الأمين العام تحديدا إلى الدخول في مفاوضات منسقة وبحسن نية، تحت إشراف مبعوثه الشخصي، من أجل استكشاف إمكانية إقامة “حكم ذاتي حقيقي” في الصحراء، مستعيدا صيغة قرار مجلس الأمن 2797 التي اعتبرت أن هذا الخيار “يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق”.
وفي ختام التقرير، دعا غوتيريش إلى وقف ما اسماها بـ “الأعمال العدائية” وتجنب أي خطوات من شأنها تقويض فرص الحل السياسي، معتبرا أن استمرار بعثة المينورسو يظل ضروريا لمنع التصعيد ومراقبة الحوادث والتواصل مع الأطراف.