طوى إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، صفحة وصف حزب الأصالة والمعاصرة بـ”الوافد الجديد”، مقراً بأن الحزب أصبح قوة سياسية رسخت مكانتها في المشهد الحزبي المغربي، ومؤكداً أن أي مشاركة محتملة للاتحاد الاشتراكي في الحكومة المقبلة لن تُقاس بعدد الحقائب الوزارية أو منطق “البيسري” و”توزيع الغنيمة”، بل بمدى مساهمة الحزب، إلى جانب باقي الأطراف، في تحقيق التنمية العادلة.
وأوضح لشكر، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت اجتماع المجلس الوطني للحزب، صباح السبت بالرباط، أن ما يحرك الاتحاد الاشتراكي في التفكير في المشاركة الحكومية ليس مجرد الرغبة في الانضمام إلى تحالف عددي، مشيراً إلى أن رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، تتوفر على خيارات وطلبات متعددة في هذا السياق، وأن حزبه لا ينطلق من هاجس حسابي ضيق وليس بمنطق “البيسري”، وفق تعبيره، بل من تقدير طبيعة المرحلة السياسية وما يمكن أن تتيحه من فرص للإسهام في إحداث تحولات داخل المجتمع.
واعتبر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أن تعيين امرأة على رأس الحكومة يمثل، في حد ذاته، مبرراً يدعو إلى المساهمة في هذه المرحلة، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات مرتبطة بمكانة النساء في المجتمع المغربي، مشدداً على أن تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة لا ينبغي المرور عليه ببساطة، لأنه يشكل مكسباً ينبغي العمل على تحويله إلى قفزة نوعية في تفعيل قيم الحرية والمساواة التي تؤمن بها.
وفي رده على سؤال بشأن التحول في موقفه من حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما أطلق عليه في السابق وصف “الوافد الجديد”، اعتبر لشكر أن هذا الوصف كان مرتبطاً بسياقه السياسي آنذاك، وأن الاستمرار في استعماله اليوم سيكون تعبيراً عن الجمود الفكري والسياسي، بعدما أصبح الحزب جزءاً من المشهد الحزبي المغربي واحتل مكانة معتبرة داخله.
وقال لشكر إن وصف “الوافد الجديد” كان له معنى في مرحلة سابقة، حين برز الحزب في الساحة السياسية، مذكراً بأن الاتحاد الاشتراكي واجه حينها خلافات داخلية بشأن كيفية التعامل معه، بعدما اعتبر بعض الفاعلين أن الحزب الاتحادي انتهى، وأن الوافد الجديد هو الأجدر بقيادة اليسار، وهو ما رافقته، بحسبه، تحركات واستقطابات شملت شخصيات وتيارات يسارية التحقت بالحزب الجديد.
وشدد المتحدث على أن من حق الاتحاد الاشتراكي الدفاع عن تاريخه وتراكماته السياسية والتنظيمية، مبرزاً أن موقفه في البداية كان رافضاً حتى للجلوس مع حزب الأصالة والمعاصرة، كما رفض التنسيق معه، غير أن الاستقطابات التي شهدها الحزب في تلك المرحلة ظلت محدودة، مؤكداً أن الاتحاد الاشتراكي لا يزال حاضراً بقوة في المشهد السياسي.
واستحضر لشكر، في هذا السياق، تحولات مواقف عدد ممن عارضوا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة الإسلامية، قبل أن يصبحوا من أشد المدافعين عن الإسلام، متسائلاً عما إذا كان من المنطقي مطالبتهم بالبقاء في المواقف التي تبنوها سابقاً، معتبراً أن التحولات في المواقف لا ينبغي أن تمنع الاعتراف بالأدوار التي يمكن أن تضطلع بها القوى التي أصبحت جزءاً من المشهد.
وأكد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أنه لا يرى أي تناقض في اشتغال حزبه مع حكومة تترأسها فاطمة الزهراء المنصوري، موضحاً أنه لم يعد ينظر إلى حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره “وافداً جديداً”، وإنما باعتباره فصيلاً سياسياً رسخ مكانته داخل المشهد الحزبي، ولا يمكن، بحسب تعبيره، إقصاؤه من الحسابات السياسية إلا من منطلق الجهل بالواقع الحزبي.
وبخصوص الانعكاسات المحتملة للمشاركة الحكومية على الوضع الداخلي للاتحاد الاشتراكي، شدد لشكر على أن المشاركة لم تتحقق بعد، وأن الموجود حالياً هو تعيين رئيسة للحكومة، مضيفاً أن تقييم انعكاسات أي مشاركة لا يعود إلى الحزب وحده، بل إلى الرأي العام، وإلى مدى حاجة رئيسة الحكومة نفسها إلى مساهمة الاتحاد الاشتراكي في تشكيل الأغلبية المقبلة.
ورأى لشكر أن الأغلبية الحكومية لا تتشكل فقط من خلال مشاركة الأحزاب في الحكومة، بل أيضاً عبر المساندة السياسية التي يمكن أن تحظى بها من الرأي العام وامتداداته، معتبراً أن توفر هذه المساندة من شأنه خلق دينامية سياسية جديدة، وربما منح الاختلاف بين الأحزاب داخل المشهد الحزبي معنى أوضح.
وأضاف أن بعض الحكومات قد تجمع أحياناً أطرافاً متناقضة، في وقت ينبغي أن تكون المشاركة السياسية مبنية على تصورات ومواقف واضحة، لا على الرغبة في الحصول على المناصب والامتيازات، متسائلاً عما إذا كان بعض الفاعلين يبحثون فقط عن المقاعد والسيارات الفارهة والتعويضات.
وشدد لشكر على أن أي مشاركة محتملة للاتحاد الاشتراكي في الحكومة المقبلة لن تكون محكومة بعدد الحقائب الوزارية، بل بمدى مساهمة الحزب، إلى جانب باقي الأطراف، في تحقيق التنمية العادلة التي يتطلع إليها المغرب، مؤكداً أن معيار المشاركة ينبغي أن يكون القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها الحزب في المرحلة المقبلة، وليس عدد المناصب التي سيحصل عليها.
وفي رده على أسئلة بشأن الانتقادات التي أعقبت النتائج الانتخابية الأخيرة، وما أثير عن وجود غضب داخل الحزب وتهديدات بالاستقالة، نفى لشكر أن تكون هذه التعبيرات دليلاً على وجود تصدع تنظيمي واسع، معتبراً أن بعض المواقف صدرت في لحظات غضب، قبل أن يتراجع أصحابها عنها، بينما اختار آخرون الإعلان عن استقالتهم عبر وسائل الإعلام.
وقال لشكر إنه كان ينتظر حضور من وصفهم بالغاضبين إلى اجتماع المجلس الوطني للتعبير عن مواقفهم، مشيراً إلى أن الدعوة وُجهت إلى أعضاء الحزب، بمن فيهم الذين لم يتوصلوا بها، والراغبين في الحضور والمشاركة في النقاش. وأضاف أن بعض المناضلين الذين أعلنوا استقالتهم تراجعوا عنها، بينما أثار استغرابه استمرار آخرين في التعبير عن مواقفهم من خارج التنظيم، مشيراً إلى أن أحدهم تحدث، بحسب قوله، عن الاستعانة بمفوض قضائي.
واعتبر المتحدث أن الانتماء الحزبي يندرج ضمن حرية الاختيار، وأن من يقرر مغادرة الحزب ينبغي أن يتحمل مسؤولية قراره، رافضاً، في المقابل، ما وصفه بتعميم الحديث عن الغاضبين داخل الاتحاد الاشتراكي من دون التحقق من مدى تمثيل هذه المواقف للقواعد التنظيمية.
وفي مقابل ما أثير عن وجود غضب داخلي، دافع لشكر عن تماسك القواعد التنظيمية للحزب، مؤكداً أن الوجوه التي حضرت اجتماع المجلس الوطني تمثل الاتحاد الاشتراكي في مختلف مواقعه، من المناطق السهلية والجبلية إلى المناضلين الذين يتحملون تكاليف مقرات الحزب من أموالهم الخاصة، بما في ذلك مصاريف الكهرباء والماء.
وقال إن الاتحاد الاشتراكي ليس حزب مناسبات، وإن مناضليه لا تتغير مواقفهم بمجرد حصول الحزب على عدد معين من المقاعد أو تراجعه انتخابياً، مضيفاً أن الانتشار التنظيمي للحزب يمتد إلى مناطق عديدة في المغرب، حيث توجد مقرات حزبية، من بينها مقرات أقيمت داخل منازل المناضلين.
وبخصوص ما راج عن صدور بيان باسم مناضلات ومناضلي سلا يعبر عن الغضب من الوضع الداخلي للحزب، دعا لشكر إلى التحقق من هوية الموقعين عليه ومدى تمثيله الفعلي للقواعد التنظيمية، معلناً استعداده لفتح حوار مع المعنيين بالأمر.
وقال إنه يتحدى أن يكون هذا البيان قد حظي بدعم الكتابة الإقليمية أو التنظيمات الحزبية المحلية، مشيراً إلى أن ممثلين عن مناضلي سلا حضروا وتواصلوا معه بشأن الموضوع، ونقلوا إليه أن البيان لا يعكس موقفهم، مضيفاً أن بعض المعطيات التي توصل بها تفيد بأن البيان صدر عن أشخاص لا يمثلون المواقف الرسمية للتنظيمات المحلية المعنية.
وأضاف أن مختلف الأجهزة الحزبية والنقابية والتنظيمات الشبابية والنسائية والمحلية بمدينة سلا لا تزال متماسكة، مشيراً إلى مقاطعات المدينة، ومنها تابريكت والعيايدة والمريسة، وداعياً إلى تحديد هوية الغاضبين الذين يجري الحديث عنهم، ومؤكداً استعداده للحوار معهم.
وختم لشكر بالتأكيد على أن الاتحاد الاشتراكي سيواصل الدفاع عن حضوره السياسي والتنظيمي، رافضاً ما اعتبره تعميمات إعلامية لا تعكس حقيقة الوضع داخل الحزب، وداعياً إلى التعامل مع الانتقادات الموجهة إليه على أساس المعطيات الفعلية والحوار المباشر مع المناضلات والمناضلين.