بولوز يكتب: التصرفات والممارسات المسيئة للدولة

01 أغسطس 2016 - 09:55

من تحركه الغيرة على الوطن يود لو أن بينه وبين كثير من الممارسات والتصرفات الواقعة في بلادنا أمدا بعيدا، ويود لو صفت كثير من الحسنات من الشوائب والمشوشات، إذا لبلغنا في مصاف الأمم المتقدمة منزلة عليا ومكانة رفيعة، وأظن أن الانفكاك عنها أمر ممكن إذا صدقت النيات وساد التجرد وحضر العزم وقويت الارادة وتم إيثار البصمة التاريخية ورضوان الله على المتاع الزائل وغير المشروع.

ولعل تحديد الميزان الذي به نحكم على الممارسات والتصرفات سيغنينا عن كثير من الجدل ويقرب وجهات نظرنا في الموضوع، فنأخذ بالأحسن في ماضينا وبالأحسن في حاضرنا، وليس ذلك غير الشرع الرباني والحكمة الانسانية، فنرد كل تصرف وننبذ كل ممارسة تعارض شرعنا الحنيف أو تعارض العقل السليم وجوهر ولب التحديث وروح العصر كما تمارسه الأمم الراقية ونرى نفعه وفائدته في التقدم والصعود.

فكل ما يكرس الاستقلال وحرية اتخاذ القرار تقدم، وكل ما يكرس التبعية ويرهن مقدراتنا لغيرنا هو تخلف منبوذ، سواء في المعنويات أو الماديات، ومن ذلك في مجال الاقتصاد مثلا، تعديد الشراكات وعدم الارتهان لجهة واحدة أو جهات محدودة تخنقنا وتأسرنا وتشل إرادتنا، فنسير بخطى حثيثة نحو الاستقلال بدوائنا وغذائنا وسلاحنا وكل ما هو حيوي وضروري لأجيالنا ومستقبلنا، والصفقات مع الدول تكون بما هو أنفع وأجدى وأقل تكلفة، وليس لمن يعطي الحاكم أكثر ويرشي الإدارة الفاسدة ويضيع الربح على الوطن والمواطنين، بما يفرض فصل السلطة عن الثروة وجعل رجال السلطة بمختلف هياكلهم وتراتبهم أجراء عند الدولة والشعب، وليسوا منافسين في الاستثمار ومزاحمين في الأسواق.

وكلما سادت الشفافية وعمل المؤسسات وانتخاب المسؤولين وغلبت الممارسة الشورية والديموقراطية وتم الربط المحكم بين المسؤولية والمحاسبة وكان الخبراء والتقنيون وأهل التدبير التخصصي تحت سلطة من اختارهم الشعب، كلما كان أقرب إلى التقدم والرقي، وكلما كان عكس ذلك كان النكوص والتخلف أي عندما يسود الغموض وتحتكر المعلومة وتسود المزاجية والتحكم والاعلاء من قيمة المعين على المنتخب، فيطغى القائد والعامل والوالي على الوزير ومن اختاره الشعب ويكون الافلات من المحاسبة والعقاب، فهناك يسود التخلف ويعشش البؤس ويساء بحق للدولة وتشوه صورتها عند الملاحظ الخارجي.

وكلما علت كرامة الانسان وتساوى الناس أمام القانون وساد الأمن بمختلف أبعاده بما فيه البعد النفسي المثمر لحرية التعبير، والمطلق لعنان المبادرات والابداع، وكلما ضمنت الدولة الحقوق الأساسية لمواطنيها واجتهدت في توفير العيش الكريم للسواد الأعظم من الناس، كلما كان التقدم والرقي، وإذا كان ضد ذلك ساد التخلف والانحطاط.

فأي كرامة لرجال ونساء تفرض عليهم طقوس الولاء المتخلفة حيث يركع الانسان للانسان ويحني العبد هامته لعبد مثله ليس خالقا له ولا يملك له حياة ولا نشورا، حيث لم يكد يبقى في الدنيا من يسلك بالناس هذا المسلك المهين، وأي مساواة أمام القانون إذا كان وزير العدل لا يستطيع تقديم وال اشتط في السلطة للمحاكمة، وتفصل المساطير لعلية القوم حتى يسهل إفلاتهم من العقاب، وأي سفه أعظم من زيادة العلف لمن يكاد ينفجر من السمن، ويحرم خلق كثير من المستضعفين إلا من فتات لا يسمن ولا يغني من جوع وفي بلد تثقله الديون.

وأي أمن مع العفو على المجرمين والقتلة؟ بعد مسلسل طويل من معاناة الضحايا وأموال طائلة تنفق في ملاحقتهم والقبض عليهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم، ثم يطلق سراحهم بعد أن ازداد بعضهم خبرة بفعل مخالطتهم لمن هم أشد جرما منهم، وكأني بعدد غفير من المواطنين وخصوصا ممن عانوا من الاجرام والجريمة، يضعون أيديهم على قلوبهم كلما اقتربت مناسبة دينية أو وطنية تحسبا لجحافيل جديدة يطلق سراحها تقض مضاجع الناس وأمنهم، ولو اكتفي بإعمال العفو في الشؤون السياسية وقضايا التعبير التي لا تمس المواطنين لكان أمرا حسنا ومستحسنا.

وأين سلم الأولويات في الانفاق العام؟ فالعاقل المدين يؤرقه الدين ويفكر ليل نهار كيف يحرر رقبته منه، ويرتب أموره فيعتني بالضروريات ثم الحاجيات ويؤجل التحسينيات والكماليات، وتجد آخرين يغدقون على أفلام العهر والصهينة وضرب القيم بلا حساب، ويصبون الأموال صبا على مهرجانات التفاهة وغير ذلك من صنوف التبذير والاسراف، والدولة والمجتمع والمستضعفون بحاجة ماسة لتلك الأموال فيما هو أكثر إلحاحا وضرورة.

فهذه الأشياء وأمثالها هي ما يسيء للدولة، ويشوه صورتها في العالمين، وحري بعقلاء البلد ومن يملكون زمامه، أن يعفوا الوطن والمواطنين من هذه الإساءات المؤذية حتى ننعم بإيجابيات كثيرة نحمد الله عليها ونسأله تعالى المزيد منها، وتستمر الأوراش الاصلاحية الكبرى التي فتحت، ويتألق المغرب بعيدا بين الأمم وتزداد اللحمة بين العرش والشعب قوة وتماسكا وصلابة، تنكسر عليها أطماع الطامعين، ويربح الشعب والعرش معا رهان التقدم والرقي والمستقبل الواعد الزاهر.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

“الوظيفة الإدارية” و”الكرامة الانسانية” وما بينهما..

مفهوم العلية بين الغزالي وابن رشد

سعيد أمزازي.. وزير السنة بامتياز

العِراق وَاقِعٌ لا يُُطَاق

التحرش الجنسي بالأطفال

زوجة الأب ليست خلقا دخيلا

تابعنا على