وجهة نظر

في الحاجة إلى مقاربة جديدة لإعداد 

برامج التنمية الترابية المندمجة

ملخص : 

         لطالما اعتمدت المقاربة القديمة للتنمية الترابية على تقنية البرمجة الموازنية الترابية أو القطاعية سواء في ميزانية الجماعات الترابية أو في البرامج الإجتماعية التي تعمل الإدارة الترابية والمديريات الإقليمية والمؤسسات العمومية على تنزيلها، وهذه المقاربة رغم بعض الإنجازات التي استطاعت أن تحققها إلا أنها أثبت محدوديتها على مستوى الأثر الذي تحدثه على مستوى الفرد والجماعات المستهدفة، وقد استطاعت المقاربة التشاركية أن تحدث بعض الأثر وبالأخص من خلال تفعيل دور المجتمع المدني في عملية صنع القرار التنموي المحلي، غير أن هذا الدور لم يكن بدوره في مستوى تطلعات المواطن، والنتيجة كانت هي تسجيل نقص في التنمية المجالية والترابية على مستوى التجهيزات الأساسية و الخدمات الإجتماعية وخدمات القرب، لهذا فالحاجة باتت ماسة إلى مقاربة جديدة لإعداد برامج التنمية الترابية المندمجة تتجاوز إختلالات المقاربات القديمة.

كلمات مفتاحية: البرمجة الموازنية – المقاربة التشاركية – الجماعات المستهدفة- القرار التنموي المحلي- التنمية المجالية والترابية.

مقدمة : 

      تعاني المجالات الترابية في المغرب من هشاشة بنيوية على مستوى التجهيزات الأساسية وعلى مستوى الخدمات الإجتماعية وخدمات القرب، وقد سجلت المسيرات التي نظمها سكان بعض  المناطق القروية إلى مقر العمالات مؤخرا هذا النقص ( مسيرة سكان أزيلال …وغيرها)، ولم تستطع البرمجة الموازنية لهذه المشاريع في ميزانية التجهيز الجماعية، وكذلك المشاريع التنموية التي تنجزها الجمعيات بشراكة مع البرامج الإجتماعية للدولة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) ومشاريع المديريات الإقليمية أن تسد هذا الخصاص رغم الأموال المهمة التي ترصد لهذه المشاريع، وهذا الأمر يطرح تساؤلا حول مدى وجود خلل في السياسات العمومية الترابية  و هل هو مرتبط بالحكامة أم بالبرمجة الموازنية أم بمشكل التوزيع المجالي؟

أولا : المقاربة الجديدة لإعداد برامج التنمية الترابية المندمجة

في خطابه الأخير أمام البرلمان دعا الملك محمد السادس إلى اعتماد مقاربة جديدة في عملية إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وعلى هذا الأساس فبلورة هذه المقاربة الجديدة يجب أن تأخذ بعين الإعتبار البعد المجالي والترابي والبعد التشخيصي الترابي، والذي يتميز بالدينامية والتعددية المجالية والجغرافية والثقافية والأنثروبولوجية، ففيما يخص التعددية المجالية والجغرافية، فالتراب فيه السهل والجبل والعالية والسافلة، وفيه الهضاب والواحات والصحاري، ومن الناحية الثقافية والأنثروبولوجية هناك المجالات حيث توجد الساكنة الناطقة بالأمازيغية بفروعها الثلاث والدارجة المغربية، لهذا فالمقاربة الجديدة يجب أن تأخذ بعين الإعتبار هذه المتغيرات الترابية والمجالية، باعتبار أن لكل مجال جغرافي وترابي خصوصيات وقيم ثقافية وثروات وموارد مادية ورمزية يجب أن تدخل في عملية التشخيص الترابي الذي سوف يتم على أساسه بناء التصور النسقي العام لأي عملية تروم أعادة الإعتبار للتراب بما يشكله من رهان تنموي حقيقي يجب أن يحظى بكل العناية اللازمة في أفق عملية التسويق الترابي الجالب للإستثمار، وبالأخص ما دمنا نتحدث عن مفهوم التنمية الترابية المندمجة، وعبارة الإندماج لابد أن يستحضر جميع الأبعاد المكونة للتراب وأن يعمل على دمجها بعد فرزها تبعا للخصوصيات المجالية والترابية في إطار التصور النسقي العام للعملية التنموية.

 لابد من الإشارة إلى أن برامج التنمية الترابية المندمجة باعتبارها ورشا تنمويا كبيرا يجب ألا يهمل الجانب التعليمي والتلقيني للمواطن بل يجب أن ينصب على إدراج الوعي المواطني – Conscience citoyenne  في صلب العملية التنموية برمتها، مادامت العملية تستهدف بناء الإنسان  وتحقيق كرامته باعتبار أو توعية المواطن وبناء وعيه المواطني يعتبر من العوامل المعنوية التي يجب أن تدمج في مسلسل التنمية الترابية، والتي من شأنها أن ترفع منسوب الوعي لدى المواطن بواجبه ودوره في مسلسل التنمية بدءا بالإقتراح والتفكير إلى مستوى الإنجاز والتتبع إلى التقييم.

ثانيا: التصور النسقي العام للتنمية الترابية والمجالية 

يتطلب بلورة تصور نسقي عام للتنمية الترابية المندمجة الإرتكاز على استحضار عدة معطيات ومحاور وأبعاد ومقاربات، والقيام بتشخيص ميداني يتجاوز التشخيص المكتبي المعمول به في إنجاز برامج التنمية الجماعية، و أن تقوم بأجرأته فرق تقنية  موضوعاتية مكونة من متخصصين في علم الاجتماع و القانون العام والعلوم السياسية ومهندسين في المعلوميات و الهندسة المدنية والزراعية والجغرافية البشرية والطبيعية و طبوغرافيين، وهذا التشخيص الميداني لابد أن يستحضر البعد البيئي واستلهام النموذج التنموي، ويجب أن يبرز مؤهلات المجالات الترابية المستهدفة ومورادها المادية والطبيعية والبشرية وخصوصياتها الثقافية، وذلك في إطار المقاربة التشاركية مع السكان والمجتمع المدني، ويعمل على استثمار معطيات مؤسسات الحكامة الوطنية والمديريات الإقليمية والمونوغرافيات الترابية، وهدف هذا التشخيص الميداني يجب أن ينصب على تسجيل الخصاص في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية وخدمات القرب، كما سيقوم بدراسة وضعية الأسر ومستوى الاستقرار والهجرة ونوعية النشاط الزراعي المزاول ودينامية التشغيل ومصادر المياه والغابات والمعادن، وكذا بتشخيص الحالة العمرانية (قرى – مراكز قروية ناشئة – مراكز حضرية ناشئة) وتسجيل معدل الفقر والهشاشة  ونوعية السكن ومدى ملاءمة قوانين التعمير مع الطبيعة الجغرافية وخصوصيات المناطق والمجالات القروية.

واعتبار لكون الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية يعتبر ورشا ملكيا كبيرا، فإن هذه اللجان التقنية الموضوعاتية يجب أن يتم تعيينها إما بواسطة مرسوم لرئيس الحكومة أو بموجب قرار لوزير الداخلية ينظم عملها وآليات عملها و طريقة تعيين أعضائها و يحدد والقطاع أو القطاعات الوزارية التي تشرف عليها والتي سوف تعمل بالتنسيق معها، وبالأخص قطاعات الداخلية و التجهيز والفلاحة،  وتعمل هذه اللجان بصياغة دراسات تقنية سواء بتوظيف النظام المعلومات  الجغرافية SIG ( Système d’Information Géographique) أو النظام المعلوماتي الجماعي SIC (Système d’Information Communal)، باعتبار أن هذه الأنظمة تتوفر على قاعدة معلومات جغرافية وقاعدة بيانات (Base de donnés) اقتصادية واجتماعية قابلة للتحيين السنوي والدوري يتم استغلالها في التخطيط الإستراتيجي الذي يهم برامج التنمية الترابية المندمجة، وترفع إلى مستويات القرار الحكومي من أجل برمجة الإعتمادات اللازمة، وذلك في إطار مقاربة تشاركية بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *