وجهة نظر

مدينة الداخلة سنة 2035… أبوظبي إفريقيا: بوابة التنمية والإستثمار

تظل المملكة المغربية نموذجًا رائدًا في الاستقرار السياسي والتخطيط التنموي في شمال إفريقيا، حيث ترتكز سياستها على تعزيز سيادتها ووحدة ترابها الوطني، وتحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص تنموية. وتأتي الصحراء المغربية في صلب هذا المشروع الوطني، باعتبارها قضية وجود وسيادة، وقد أكدت الدينامية الدولية الأخيرة، وعلى رأسها القرار 2797 للأمم المتحدة، شرعية التوجه المغربي وواقعية الحل السياسي الذي يعترف بحق المغرب في مقترح الحكم الذاتي، كإطار متقدم لحل النزاع وتحقيق التنمية المحلية.

في هذا السياق، يشكل مشروع الحكم الذاتي خطوة استراتيجية متكاملة، تمنح ساكنة الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الاحتفاظ بوحدة المغرب وسيادته. ويتيح هذا المشروع فرصة العودة الكريمة والآمنة لآلاف الصحراويين من مخيمات لحمادة بتندوف، للمساهمة في التنمية والبناء الوطني، والاندماج في مؤسسات الدولة بطريقة عملية تكرس الانتماء للوطن وترفع منسوب الكرامة الفردية والجماعية.

وتأتي جهة الداخلة وادي الذهب في هذا المخطط كمحور استراتيجي رئيسي، لما تتمتع به من موقع جغرافي فريد يجعلها حلقة وصل بين المغرب وأفريقيا الغربية، وبوابة نحو المحيط الأطلسي. فالقرب من معبر الكركارات، الذي يربط المغرب بعمقه الإفريقي، يمنح مدينة الداخلة دورًا محوريًا في عبور الأشخاص والبضائع، ويؤهلها لتكون مركزًا لوجستيًا وتجاريًا إقليميًا، يستفيد من كل التطورات الاقتصادية والبنية التحتية الحديثة في المملكة.

كما تزخر جهة الداخلة وادي الذهب بمؤهلات اقتصادية متنوعة، تجعلها قاعدة صلبة لأي مشروع تنموي مستقبلي. فالصيد البحري والاقتصاد الأزرق، والفلاحة العصرية المدعومة بتحلية المياه، والطاقة المتجددة، والمعادن النفيسة، والسياحة البيئية والرياضية، تشكل مجالات استثمارية واعدة. ويضاف إلى ذلك الرأسمال البشري المحلي المتميز بالالتزام الوطني والإخلاص لشعار المملكة: الله، الوطن، الملك، إضافةً إلى النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يتقاطع مع الحواضن الاجتماعي بشمال موريتانيا، ما يمنح المدينة بعدًا اجتماعيًا واستثماريًا فريدًا.

في أفق سنة 2035، ستتحول الداخلة إلى العاصمة الاقتصادية لجهة الحكم الذاتي بالصحراء، ونقطة ارتكاز إقليمية كبرى، في نموذج قريب من تجربة أبوظبي في محيطها الجغرافي. فميناؤها المتوسطي سيصبح منصة تموين رئيسية لدول غرب إفريقيا، بينما سيمتد الطريق السريع جنوبًا نحو موريتانيا والسنغال، ليحول المدينة إلى عقدة استراتيجية للتجارة والنقل والطاقة، ويؤهلها لتصبح مركزًا عالميًا للطاقة والسياحة والرياضات البحرية والأنشطة الاقتصادية المستدامة.

وسيعزز هذا التحول شراكات اقتصادية مغربية–موريتانية وفق منطق رابح–رابح، حيث ستتجه الاستثمارات الموريتانية من لاس بالماس نحو الداخلة ولكويرة، التي ستتحول بدورها إلى جوهرة سياحية عالمية بمنتجعات آمنة وراقية. كما ستتدفق استثمارات أمريكية وأوروبية وخليجية في مجالات الطاقات النظيفة وتحلية المياه والسياحة والصيد البحري، والطريق السيار الكهربائي، بما يرسخ موقع الداخلة كوجهة اقتصادية وسياحية بارزة على المحيط الأطلسي.

وفي هذا الإطار، سيمر من الداخلة أنبوب الغاز المغربي–النيجيري في اتجاه المملكة ثم أوروبا، كمشروع دولي استراتيجي يعزز أمن الطاقة ويكرس مكانة الجهة كمحور اقتصادي عالمي. ومع عودة آلاف الصحراويين إلى وطنهم، تصبح الداخلة سنة 2035 رمزًا لنجاح مشروع الحكم الذاتي، وعاصمة اقتصادية مغربية إفريقية صاعدة، تجمع بين النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والبعد الاستراتيجي في قلب إفريقيا الأطلسية.

إن كل هذه المشاريع الطموحة والرؤية المستقبلية لجهة الداخلة ليست مجرد أحلام، بل هي حقائق مشروعة مدعومة بإرادة ملكية صلبة، إذ حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على جعل مدينة الداخلة العاصمة الاقتصادية الحقيقية لجهة الحكم الذاتي، محركًا استراتيجيًا للتنمية والإشعاع الاقتصادي في الصحراء المغربية. هذه الإرادة الملكية تجعل من الداخلة منصة لا مركزية للفرص، يعود نفعها ليس فقط للمملكة المغربية، بل أيضًا للأشقاء في موريتانيا،ودول غرب إفريقيا، ولجميع مدن الحكم الذاتي، وشمال المملكة المغربية، بما يحقق تنمية متوازنة ومستدامة، ويرسخ أركان الشراكة، الرخاء، والتكامل الإقليمي. إن هذه المشاريع الكبرى ليست مجرد استثمارات اقتصادية، بل هي رسالة قوة ومرونة استراتيجية، تجعل من جهة الداخلة وادي الذهب نموذجًا عالميًا للتنمية الذكية والمستدامة، ووجهة للتعاون الدولي، ومرجعية للمستقبل، تعكس رؤية المغرب الواعية لمكانته في إفريقيا والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *