تنظيم الكان 2025 بالمغرب.. بين تكريس الانتماء الافريقي وتقوية الاشعاع القاري
أدرك المغرب مبكرا أهمية الاستثمار في المجال الرياضي لتلميع صورته الخارجية وتكريس مكانته الإقليمية والدولية من خلال المشاركة في التظاهرات الكروية الافريقية أو من خلال العمل على تنظيم بعض التظاهرات القارية في المملكة بما فيها تنظيم كان 2025. إذ يعتبر المغرب من الدول السباقة إلى المشاركة في المنافسات الكروية الافريقية . فبمجرد حصول المغرب على استقلاله سعى إلى المشاركة في عدة تظاهرات كروية افريقية
1-المشاركة في المنافسات القارية وتكريس المغرب لانتمائه الافريقي
تعد كأس إفريقيا للأمم، التي أحدثت قبل كأس أوروبا للأمم بثلاث سنوات، ثاني أقدم تظاهرة قارية بعد كأس أمريكا الجنوبية (كوبا أمريكا) التي أحدثت في سنة 1916. حيث انطلقت منافسات كأس الأمم الافريقية في منتصف خمسينيات القرن العشرين، بعدما أقيمت أول مرة في السودان، دون تصفيات وشاركت فيها أربع دول هي الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف). غير أن المغرب لم يشارك في اقصائيات هذه المنافسة القارية إلا متأخرا وذلك لعدة أسباب سياسية من بينها صدور قرار من «الفيفا» بإيقاف المغرب من سنة 1958 إلى سنة 1960 بسبب لعبه لمباراة أمام منتخب جبهة التحرير الجزائرية بتونس تضامنا مع الجزائر ومع مطالبها بالاستقلال. كما اعتذر المغرب عن تصفيات كأس افريقيا 1965 التي نظمت بتونس، بسبب الأحداث التي عرفتها الدار البيضاء في 23مارس من هذه السنة . و لم يشارك المنتخب المغربي في تصفيات كأس إفريقيا 1968 التي احتضنتها إثيوبيا بسبب حالة الاستثناء التي عرفها المغرب في تلك الفترة. ومع ذلك يعد المنتخب المغربي من أكثر المنتخبات حضورا في نهائيات كأس أمم أفريقيا برصيد 15 مشاركة، وذلك منذ ظهوره الأول في النسخة الثامنة للبطولة التي استضافتها الكاميرون في 1972 حرصا منه على تكريس انتمائه الافريقي خاصة وأنه يعتبر من بين مؤسسي منظمة الوحدة الافريقية ، وكان من ضمن من مجموعة الدار البيضاء التي تأسست في عام 1961، بقيادة كوامي نكروما من غانا، حيث كانت تضم إلى جانب غانا، الجزائر وغينيا والمغرب ومصر ومالي وليبيا والتي كانت تدعو إلى إنشاء اتحاد لجميع الدول الإفريقية مقابل مجموعة مانروفيا التي كانت تتكون من نيجيريا وليبيريا وإثيوبيا ومعظم المستعمرات الفرنسية السابقة بقيادة سينغور من السنغال، والتي كانت ترى بأن الوحدة الافريقية يجب أن تتحقق تدريجيًا، من خلال التعاون الاقتصادي، ولم تدعم فكرة الاتحاد السياسي. وبالتالي فقد تمكن المنتخب المغربي من إحراز اللقب، وذلك في نهائيات “إثيوبيا 1976، بلد مقر منظمة الوحدة الافريقية والاتحاد الافريقي ،بعد أن تصدر المجموعة النهائية آنذاك برصيد 7 نقاط متقدما على وصيفه منتخب غينيا . إذ على الرغم من المشاركة المتأخرة للمغرب مقارنة بكثير من دول شمال إفريقيا الأخرى، فقد ظهر المغرب بقوة في منافسات الكأس الافريقية ، ليصبح ثاني فريق شمال أفريقي يفوز بكأس الأمم الأفريقية في دورة 1976. وحتى بعد انسحاب المغرب في 12 نوفمبر 1984 من منظمة الوحدة الافريقية بعد قبول الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كحكومة للصحراء الغربية في عام 1982، فقد واصل المنتخب المغربي مشاركاته في هذه التظاهرة الكروية الافريقية ، حيث حقق المنتخب المغربي نتائج متباينة على مر مشاركاته القارية. إذ بلغ أسود الأطلس نصف النهائي في 1986 و1988 وربع النهائي في نسختي 1998 و2017 ، والنهائي في 2004، كما خرج منتخب المغرب من ثمن نهائي نسخة 2019 وربع نهائي نسخة 2021. في حين تألق جيل من لاعبي المنتخب المغربي بشكل لافت في هذه المسابقة القارية ، حيث كان من ألمع هؤلاء النجوم المهاجم أحمد فراس، الهداف التاريخي لأسود الأطلس برصيد 42 هدفا وصاحب الكرة الذهبية لأفضل لاعب أفريقي لسنة 1976 بعد مساهمته في تتويج المنتخب بلقب أمم أفريقيا في العام نفسه. بالإضافة إلى اللاعب فرس ، حظي بشرف الحصول على الكرة الذهبية لأفضل لاعب أفريقي كل من المهاجم محمد التيمومي سنة 1985 والحارس المغربي بادو زاكي في سنة 1986 والمهاجم مصطفى حاجي في سنة 1998.
2- استضافة المغرب للكأس الافريقية والاشعاع الإقليمي
أشارت بعض الدراسات المختصة في المجال الرياضي إلى اتجاه الدول مؤخرًا لاستخدام الرياضة كقوة ناعمة، وذلك عبر سعيها إلى استضافة الألعاب الرياضية واستخدام مثل هذه الأحداث لتنشيط الدبلوماسية العامة. فقد زاد تنافس الدول على استضافة التظاهرات الرياضية البارزة وبالأخص اقصائيات كرة القدم القارية ( الكأس الاسيوية ، كأس الامريكو لاتينية ، الكأس الافريقية) أو العالمية المتمثلة في التنافس على تنظيم كأس العالم .وفي هذا السياق سعى المغرب إلى التنافس على استضافة الكأس الافريقية أو الترشح للفوز بتنظيم كأس العالم لكرة القدم. إذ يبدو أن عودة المغرب للانضمام للاتحاد الافريقي كان يندرج ضمن استراتيجية ملكية شمولية تقوم على تكريس المغرب كقوة إقليمية. فالمستجدات التي يعرفها العالم سواء في تغير هرمية القوى العالمية خاصة بصعود قوى عالمية جديدة على رأسها الصين جعل من إفريقيا رهانا اقتصاديا واستراتيجيا خاصة في بداية القرن 21 . ولعل هذا المستجد هو الذي جعل المغرب يبلور استراتيجية خاصة بإفريقيا تتخذ عدة أبعاد اقتصادية ودينية وسياسية وأمنية وكذا رياضية . وهكذا يلاحظ تزامن انضمام المغرب إلى الاتحاد الافريقي بحضور الملك محمد السادس الذي تضمن خطابه عودة المغرب إلى حضنه الافريقي ، ظفر فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم رسميا بمقعد داخل المكتب التنفيذي للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، بعد هزمه منافسه الجزائري محمد روراوة، رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، خلال انتخابات منطقة شمال إفريقيا، ليفتح بذلك رئيس الجامعة مجالا جديدا للعمل التشاركي مع الاتحادات الإفريقية عبر مؤسسة “كاف”، بعد أن سبق ووقع اتفاقيات شراكة وتعاون مع أزيد من 35 اتحادا إفريقيا. في حين ركز المغرب على ضرورة استضافة الكأس الافريقية ليقطع مع الغياب الذي سجل بهذا الشأن . إذ منذ سنة 1988 والمغرب غائب عن تنظيم هذا الحدث الكروي القاري ، الذي كان قريبا من احتضانه سنة 2015 قبل أن يطلب تأجيل النسخة بسبب تفشي “فيروس إيبولا” في إفريقيا. خاصة بعدما عرفت كأس إفريقيا للأمم تطورا متزايدا دورة بعد أخرى، ومدى تأثيرها على مستوى الممارسة الكروية وتزايد أهميتها وامتداد إشعاعها. كما أنه مما زاد من تنافس المملكة على استضافة هذه التظاهرة هو أن المغرب أصبح واحدا من أفضل الدول الإفريقية على مستوى البنيات التحتية و”اللوجستيك” والجماهير، حيث تتوفر المملكة على عدة ملاعب كبرى جاهزة لاستضافة نسخة استثنائية من “الكان”. في الوقت الذي ظهر فيه عجز عدة دول افريقية عن تنظيم هذه التظاهرة لافتقادها مقومات وشروط الكاف لاستضافة كأس افريقيا للأمم . ففي 30 سبتمبر 2022، أعلن رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم الحالي باتريس موتسيبيه أنه تم تجريد غينيا من استضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 بعد التأكد على عدم كفاءة استعداداتها للاستضافة. ونتيجة لذلك أعيد فتح عملية ترشيحات جديدة لتقديم مستضيف جديد. حيث مُنح المغرب في 27 سبتمبر 2023 حق استضافة نسخة 2025 للكأس الاافريقية ، نظرا لتوفر الملف المغربي على كل الشروط المطلوبة وخاصة الملاعب. بالإضافة إلى أن للمغرب تجربة سابقة في استضافة هذه التظاهرة القارية .فللمرة الثانية في تاريخه، ينظم المغرب نهائيات كأس أمم إفريقيا، حيث سبق له أن استضاف هذه المسابقة الافريقية سنة 1988، دون أن يتمكن من التتويج باللقب الذي فاز به منتخب الكاميرون. وبالتالي فالمغرب عازم في إطار تعزيز إشعاعه الإقليمي على ضمان أحسن الظروف لتنظيم هذه التظاهرة القارية التي سيتابعها الملايين من المشاهدين ليس فقط بافريقيا بل من مختلف دول العالم بعدما أصبحت تشكل أرقى تظاهرة قارية على الإطلاق، وواجهة تعكس تقدم الكرة الإفريقية وسوقا كبرى للتقنيات والمهارات الكروية، التي يمتاز بها اللاعب الإفريقي الذي أضحى يشكل دعامة أساسية في عدد من كبريات الأندية الأوروبية على وجه الخصوص .وبالتالي تشكل بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025، التي يستعد المغرب لإحتضانها بعد أيام قليلة ،منعطفا مهما في مجال تنظيم التظاهرات الكروية الإفريقية، وذلك من خلال توفير 24 ملعبا لتداريب المنتخبات ،وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ هذه البطولة القارية العريقة. حيث تهدف هذه الآلية المبتكرة والمهيكلة إلى توفير ظروف إعداد مواتية للمنتخبات، مع الحرص على ضمان التكافؤ الرياضي والنجاعة اللوجيستية. فلأول مرة في تاريخ تنظيم كؤوس افريقيا ، ستخصص لكل فريق من المنتخبات الـ 24 المؤهلة إلى هذه النسخة ملعبا رسميا للتداريب خاص به، يضم كل مستلزمات الاعداد البدني و التتقني و التكتيكي ، حيث جرى اختيار هذه الملاعب الموزعة على مختلف جهات المملكة حسب معايير حددتها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، لاسيما ما يتعلق بجودة البنيات التحتية وسهولة الولوج والأمن والقرب من ملاعب التباري. وسيساهم هذا الاجراء اللوجستيكي على المستوى الرياضي، دعامة أساسية لضمان تقديم أداء كروي جيد. فوضع بنيات تدريبية رياضية عصرية مخصصة لهذه المنتخبات، سيمكنها من الاستعداد لمبارياتها في ظروف متشابهة، مما سيتيح لها سرعة التعافي البدني وانسجام المجموعة . كما ستساهم هذه البنيات في تقليص حدة العوائق المرتبطة بالتنقلات، والتي غالبا ما نظر إليها في النسخ الماضية على أنها عامل مسبب للتعب.وبالاضافة إلى البعد الرياضي، تلعب هذه الملاعب التدريبية دورا مركزيا في التنظيم اللوجيستي لكأس إفريقيا للأمم 2025، لأنها تتيح وضع خطط أفضل لتحركات المنتخبات، وتنسيقا فعالا مع السلطات المحلية، وإدارة ناجعة للتدفقات، سواء بالنسبة للوفود أو المصالح الأمنية. كما أن هذه المقاربة تساهم في انسيابية البطولة وضمان احترام المعايير الدولية. وهكذا ، فإن تهيئة 24 ملعبا تدريبيا يعكس كذلك طموح المملكة في جعل كأس إفريقيا لأمم 2025 نسخة مرجعية. إذ تندرج هذه البنيات التحتية التي جرت تعبئتها ، بالإضافة إلى الفنادق والمراكز الصحية ، والإجراءات الأمنية…، في إطار دينامية تنموية مستدامة تروم أيضا تثمين المناطق الترابية. حيث ستستفيد مجموعة من المدن والجهات كذلك من العوائد الاقتصادية المباشرة المرتبطة باستقبال المنتخبات ومؤطريها والوفود الرسمية المرافقة لها. فلتعزيز الحضور الجماهيري خلال هذه التظاهرة، أطلقت السلطات المغربية سلسلة من التدابير المبتكرة، من أبرزها اعتماد تأشيرة مجانية عبر تطبيق “يلا” تمكن حاملي تذاكر المباريات وبطاقات المشجعين (Fan ID) من ولوج التراب الوطني بسهولة ويسر.كما تم تعزيز البنية التحتية والخدمات اللوجستية وتطوير المنصات الرقمية لضمان انسيابية تنقل الجماهير داخل وخارج الملاعب، ومواكبة الأعداد المتزايدة من الزوار في أفضل الظروف. وبهذا الصدد ، أعلن رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، ورئيس اللجنة المحلية لتنظيم كأس إفريقيا للأمم، خلال لقاء جمعه مؤخرا بالسفراء الأفارقة المعتمدين بالرباط عن إحداث خلية للتواصل والتنسيق بين اللجنة المحلية والبعثات الدبلوماسية الإفريقية، بهدف حل الإشكالات وتبسيط المساطر المرتبطة بتنقل وإقامة المنتخبات وجميع الترتيبات اللوجستيكية المصاحبة.
من هنا ، يبدو أنه منذ أن أسندت الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم للمغرب شرف احتضان العرس الكروي القاري، انخرطت المملكة في مشاريع تنموية استراتيجية همت، على الخصوص، تطوير البنيات التحتية الرياضية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تقديم بطولة غير مسبوقة تترك إرثا قاريا طويل الأمد. لتكون كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم، فهي تتجه لتكون احتفالا قاريا، ولحظة فارقة تجسد الوحدة الإفريقية، وواجهة تبرز القدرات التنظيمية لمغرب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويطمح إلى عرض نسخة نموذجية قاريا، تليق بتاريخه الضارب في القدم وبشغفه العميق بكرة القدم. إذ لا يقتصر رهان “كان 2025” على الجانب الرياضي فحسب، بل يمثل أيضا فرصة للمغرب لتأكيد مكانته كقطب رياضي إفريقي رائد. فقد احتضنت المملكة خلال السنوات الأخيرة عددا من المنافسات الكبرى، أبرزها كأس العالم للأندية (2022)، وكأس أمم إفريقيا للاعبين المحليين (2018)، وكأس أمم إفريقيا للسيدات (2022 و2024)، فضلا عن كأس أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة، وكأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة (2025). وبالتالي ، تعكس الدينامية المتسارعة التي تشهدها المملكة قبيل احتضان كأس أمم إفريقيا لكرة القدم قدرتها على حشد الكفاءات والطاقات لتنظيم حدث كروي قاري بمعايير عالية الجودة، حيث يشكل هذا الموعد القاري فرصة استثنائية لإبراز المكانة الإقليمية للمملكة على الصعيد القاري رياضيا وسياسيا خاصة في إطار تعبئة المملكة لجهودها الدبلوماسية والسياسية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي التي أقرها مجلس الامن من خلال قراره 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
اترك تعليقاً