صحراويو المخيمات.. خمسون عاما في عين العاصفة
خلال ستينات وبداية سبعينات القرن العشرين، عاش الصحراويون في الصحراء المغربية تحت الإدارة الاستعمارية الإسبانية ضمن وضع مركّب، اتسم بالهيمنة السياسية من جهة، وبقدر من الاستقرار الاجتماعي والأمني من جهة أخرى. فرغم الطابع الاستعماري للنظام القائم آنذاك، لم تكن المنطقة مسرحًا لحرب مفتوحة أو لجوء جماعي، كما لم يعرف المجتمع الصحراوي الاعتقال الواسع أو التشريد القسري. اعتمدت الإدارة الإسبانية على شيوخ القبائل والأعيان المحليين في تدبير الشأن اليومي، وأُدخلت بنيات إدارية وخدماتية مرتبطة باستغلال الثروات الطبيعية، ما وفّر فرص عمل ودخلًا منتظمًا، وأسهم في الحفاظ على تماسك اجتماعي ونفسي نسبي، دون أن يُحاصر الإنسان الصحراوي بالخوف أو الجزع.
اجتماعيًا ونفسيًا، حافظت القبيلة وروابط التضامن التقليدية على حضورها، واستمر الإحساس بالأمان والاستقرار رغم التحولات المرتبطة بالتحضر الجزئي. لم يكن الوعي السياسي آنذاك مبنيًا على ذاكرة الجوع والحرب، بل على إدراك تدريجي لطبيعة المرحلة وحدودها، وهو ما سمح للمجتمع بالاستمرار دون تمزق داخلي أو صدمات جماعية عميقة.
بعد سنة 1975، انقلب المشهد جذريًا، وأُدخل جزء من الصحراويين قسرًا في تجربة اللجوء الطويل في فيافي تندوف لأسباب سياسية محضة، لا علاقة لها بمصلحة الإنسان الصحراوي. تحوّل الوضع الاستثنائي إلى قدر دائم، وخمسون عامًا مرّت على أجيال وُلدت وترعرعت داخل فضاء مغلق من المعاناة والألم، تشكّلت فيه ذاكرة مثقلة بالخسارة والحرمان والضياع. لم يعد اللجوء مجرد مأساة إنسانية، بل أصبح مشروعًا سياسيًا مغلقًا يُعاد إنتاجه عمدًا على حساب كرامة الإنسان الصحراوي البسيط.
عاشت الأسر الصحراوية في المخيمات ظروفًا اجتماعية قاسية، اتسمت بالتفكك والحرمان، وفُرضت عليها أنماط عيش لا تشبه تاريخ المجتمع ولا ثقافته القائمة على الحرية والعيش الكريم والنبل و “الخيم”. أصبح الاعتماد على المساعدات سمة دائمة، وتراجعت إمكانات الاكتفاء الذاتي، ما عمّق الإحساس بالعجز وفقدان السيطرة على المصير، خصوصًا لدى الشباب الذين وجدوا أنفسهم وقودًا لحرب لا نهاية لها ومستقبل مسدود عمدًا لا صدفة.
وفي قلب هذا الجحيم الإنساني، برزت قيادة قبلية وسياسية فقدت كل صلة بالأخلاق، قيادة مجرِمة حولت المعاناة إلى مورد مالي دائم، وجعلت من الألم تجارة مربحة، ومن الجوع رأسمالًا سياسيًا. فبينما يعيش “الشعيب” المغلوب على أمره الفقر والجهل والمرض وانعدام الأفق، تنعم هذه القيادات بالسفريات في الدرجة الأولى، والإقامة في الفنادق الفاخرة، وحياة البذخ، وتراكم الامتيازات باسم قضية لم تعد تعني لهم سوى وسيلة للارتزاق وإدامة السيطرة.
هذه القيادة لم تكتفِ بالفشل، بل استثمرت فيه، ولم تكتفِ بعجزها عن إيجاد حل، بل عملت على تعطيل أي أفق للحل، لأن نهاية المعاناة تعني نهاية امتيازاتها. لقد حوّلت المخيمات إلى رهائن، والناس إلى أرقام، والآلام إلى خطابات، واعتبرت بقاء الصحراوي في البؤس شرطًا لبقائها في الواجهة. إنها قيادة لا تمثل الإنسان الصحراوي، بل تتغذى على استنزافه.
أبناء هذه القيادات يعيشون في عالم موازٍ، بتعليم مريح، وتنقل حر، ووثائق خاصة، بينما يُترك “ولاد الصحراويات” لمصير قاسٍ بفيافي الحمادة الرهيبة، بلا أفق ولا أمل. هذا التمييز ليس مجرد ظلم اجتماعي، بل جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، تؤكد أن ما يُسمّى “قيادة” لم تعد سوى طبقة مغلقة تعيش فوق المأساة لا داخلها.
ورغم هذا السواد، ما يبعث على الاطمئنان هو، أولًا، العودة الطوعية لمئات بل لآلاف الصحراويين إلى أرض الوطن استجابة للنداء الملكي الخالد: “إن الوطن غفور رحيم”. لقد كانت هذه العودة فعل شجاعة فردية وجماعية، وفضحًا عمليًا لخطاب التخويف والاحتجاز المعنوي، ودليلًا على أن الإنسان الصحراوي حين يُمنح الاختيار، يختار الحياة لا الوهم.
وثاني عناصر الأمل يتمثل في بروز حركة صحراوية من أجل السلام، خرجت من رحم المعاناة، وكسرت احتكار الصوت، وواجهت القيادة بلغة العقل والواقع. هذه الحركة أعادت للصحراوي حقه في التفكير والنقاش والاختلاف، ورفضت منطق “إما معنا أو ضدنا”، ووضعت الإنسان في قلب القضية لا في هامشها.
أما ثالث عناصر الاطمئنان، وهو الأهم، فيتجسد في بقاء أغلبية الصحراويين في مناطقهم الأصلية على طول المحيط الأطلسي، حيث اختاروا الاستقرار في كنف الدولة المغربية بدل الارتهان لمشروع الفشل. هناك، يعيش الصحراويون واقع التنمية والتشغيل والتعليم والصحة، داخل فضاء مفتوح يضمن الكرامة وحرية التنقل والتعبير، ويمنح الأجيال الجديدة أفقًا حقيقيًا للحياة.
إن التباين الصارخ بين واقع التنمية داخل الوطن وواقع البؤس شرق الجدار بمخيمات الرابوني، ليس صدفة تاريخية، بل نتيجة خيارات سياسية خاطئة ومتعمدة. وفي مقدمتها إصرار أطراف خارجية، وعلى رأسها الجزائر، على رعاية قيادة متكلسة تعيش على آلام غيرها. لقد آن الأوان لترك الصحراويين وشأنهم، ليعيشوا بكرامة، ويصنعوا مستقبلهم بعيدًا عن الاستغلال، لأن استمرار هذا العبث لم يعد له أي مبرر إنساني أو أخلاقي.
اترك تعليقاً