وجهة نظر

المقاربة الصون-التنموية: مدخل للتنمية المستدامة بالمغرب

في خضم التحولات البيئية الصارخة والمتسارعة التي يشهدها العالم أصبحت مؤشرات التنمية لا تقاس فقط بحجم النمو الاقتصادي الصرف، بل أصبحت ذات ارتباط وثيق بقدرة المجتمعات على الحفاظ على مواردها الطبيعية، وضمان استدامتها للأجيال القادمة. وقد فرضت التحديات الناتجة عن التغيرات المناخية، وتفاقم الظواهر القصوى للتدهور البيئي، كالتصحر، وشح المياه، والفيضانات، وحرائق الغابات، ضرورة تبني مقاربات بديلة تدمج بين متطلبات التنمية وواجبات الصون والحماية.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية المقاربة الصون-تنموية كخيار استراتيجي يجمع بين حماية المواد الطبيعية من جهة، وتحقيق تنمية مجالية عادلة ومستدامة من جهة أخرى، بما يضمن التوازن بين الانسان ومحيطه، وبين الحاجيات الآنية والمستقبلية. خصوصا وأن المغرب يخطو بخطى ثابتة صوب “تنمية نظيفة” واقتصاد الطاقات المتجددة  والحياد الكربوني وفرض ضريبة الكربون، مما سيساهم في تعزيز الممارسات الزراعية/ الفلاحية المستدامة والمبتكرة وتصدير نماذج للتنمية المستدامة أو النظيفية”[1]. ومع ذلك فإنه مثلا بالنسبة للنموذج الفلاحي القائم ساهم بقوة أكثر من أي قطاع آخر في الاجهاد المائي الذي تعرفه بلادنا، كما أن السياسات الفلاحية المعتمدة لم تكن متوافقة مع التنمية الحقيقية للاقتصاد الفلاحي وحاجيات المجتمع القروي والفلاح الصغير، وبالتالي حان الوقت للبحث عن تعديل أكثر انسجاما مع متطلبات التنمية وحاجياتها وكذا مراعاة للحفاظ على المواد المائية[2].

فقد أضحى اعتماد هذه المقاربة في بلادنا  ذو أهمية، قصوى، خصوصا في المجالات الهشة والمرتبطة بالموارد الطبيعية، كالمجالات الجبلية، الواحات، وكذا المناطق المعتمدة على الفرشة المائية، مثل الجماعات الترابية وذات الطابع القروي كإقليم الحوز مثلا باعتباره أكثر تضررا من الجفاف وندرة الماء والذي سبق لنا وضع دراسة بخصوصه لا سيما مجال” آيت أورير الكبرى”، حيث الحاجة إلى هذه المقاربة تكون أكثر إلحاحا في جهات الجنوب الأكثر تضررا من شح الموارد المائية السطحية والجوفية وفي المناطق القروية والجبلية التي تعاني من تأخر في مسار التنمية[3].

وبالتالي، تندرج هذه المساهمة في سياق البحث عن ملامح المقاربة الصون-تنموية، أهدافها ورهاناتها وكيفية وتجليات تنزيلها في الواقع المغربي، مع ربطها بالإطار القانوني والتنظيمي الناظم والمؤطر لاستخدام الموارد ولترجمة أهداف التنمية المستدامة، وخاصة القانون -الإطار بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة الذي يعد مدخلا حيويا للتنمية المجالية المستدامة.

وعليه، آثرت طرح الإشكالية التالية:

             كيف ساهمت مقاربة الصون-تنموية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة انطلاقا من ماهيتها وأهدافها ومظاهر تنزيلها؟

  المبحث الأول: ماهية المقاربة الصون- تنموية

المبحث الثاني: الآليات التشريعية والاستراتيجية لتفعيل مقاربة الصون تنموية في المغرب

  المبحث الأول: ماهية “المقاربة الصون-تنموية” (Protective-Développement Approach)

تقوم المقاربة الصون – تنموية على مبدأ التوازن بين صون النظم الايكولوجية (من الماء والتربة والهواء والتنوع البيولوجي وحماية الغابات والمناطق المحمية… وجميع الموارد الطبيعية الأخرى) وضمان الحق في التنمية بشكل لا يخل بحقوق الأجيال القادمة على تلبية حاجياتها، وتهدف إلى إدماج البعد البيئي في السياسات التنموية. وبالتالي تنصب ماهية هذه المقاربة (الصون-تنموية)، على توضيح مفهومها (أولا) من جهة وكذلك على الأهداف الأخرى التي ترمي تحقيقها من جهة ثانية (ثانيا).

أولا: قراءة في مفهوم المقاربة الصون -تنموية

إن مصدر هذه المقاربة ذو بعدين بعد فلسفي أخلاقي نابع من فلسفة الأخلاق البيئية التي تعتبر الإنسان جزءا من المجتمع الحيوي، ويتحمل مسؤولية صون الموارد للأجيال الحالية والمقبلة. وبعد نظري يرتكز على دمج البيئة ضمن السياسات التنموية لتحقيق توازن بين حماية الموارد الطبيعية والتنمية البشرية والاقتصادية.

أ-المفهوم الأخلاقي للمقاربة الصون-تنموية:

تستند المقاربة الصون-تنموية في عمقها إلى تصور أخلاقي ذي مرجعية تعود إلى فلسفة الأخلاق البيئية. هذه الأخيرة التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالطبيعة، من علاقة هيمنة واستغلال إلى علاقة مسؤولية وانتماء إلى مجتمع يعتبر وينظر إلى الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية باعتبارها ذات قيمة أخلاقية في ذاتها، وليس فقط من زاوية المنفعة الاقتصادية المباشرة.

وتعد أخلاق الأرض التي بلورها الفيلسوف “ألدو ليوبولد” التصورات الأولى المؤسسة للأخلاق البيئية، حيث وسعت دائرة الواجب الأخلاقي لتشمل الأرض والنظم البيئية وليس الانسان فقط متجاوزا في تصوره الفلسفة القائمة على مركزية الانسان، التي تعتبر أن البيئة بمواردها الطبيعية موجودة لتحقيق مصالح الإنسان. ومن ثم، فإن أخلاقية المقاربة الصون-تنموية تجد أساسها الفلسفي في هذا التحول القيمي، الذي يجعل من صون الموارد الطبيعية شرطا أخلاقيا لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة، ويؤسس لمنطق التضامن بين الأجيال وتجاوز الأنانية الجيلية.

ومن مميزات المقاربة الصون التنموية أنها لا تختلف كثيرا عن مفهوم الاستدامة من خلال استحضار حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وحقهم في الاستفادة من الموارد الطبيعية بنفس درجة استفادة الأجيال الحالية وأفضل. وهي تقوم في جوهرها على نقد وتجاوز منطق الأنانية الجيلية، الذي يقوم على استغلال الموارد الطبيعية بشكل مفرط لخدمة مصالح الجيل الحاضر، دون اعتبار لحقوق الأجيال القادمة في الانتفاع من نفس الموارد. فهذه الأنانية تعكس رؤية آنية وقصيرة المدى للتنمية، تختزلها في النمو الاقتصادي السريع، والاستغلال الجائر للموارد الطبيعية والمواد الأولية ولو على حساب التوازنات البيئية ومدى قدرة الأنظمة الطبيعية على التجدد.

لذلك كانت الدول المتقدمة سباقة إلى تكريس هذه المقاربة التي تركز على منطق التضامن بين الأجيال (Intergenerational Equity)، باعتباره مبدأ موجها للسياسات العمومية، حيث لا ينظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها ملكية مطلقة للجيل الحالي، بل باعتبارها رأسمالا طبيعيا مشتركا، يجب تدبيره بعقلانية تضمن استمراريته وانتقاله السليم إلى الأجيال اللاحقة.

        ب- مفهوم نظري للمقاربة الصون-تنموية

إنمقاربة الصون-تنموية” (Protective-Développement Approach) مفهوم يشير إلى نهج يدمج بين حماية الموارد البيئية والتراثية والثقافية، وبين التنمية المستدامة[4]، وهو يرتكز على فكرة أن الحماية الفعالة للبيئة والتراث يجب أن تتم بالتوازي مع تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية. ويهدف هذا النوع من المقاربات إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الموارد الطبيعية والتراثية وبين تلبية احتياجات الأفراد المجتمعية مثل التعليم والصحة وفرص العمل، عبر التركيز على إشراك المجتمعات الترابية في عملية اتخاذ القرار لضمان استدامة المشاريع وتحقيق التنمية دون التأثير السلبي على الموارد.

وتعتبر من الأساليب المتقدمة في التنمية المستدامة، لأنها تعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على البيئة في آن واحد، وهي نتيجة أفكار مجموعة من الباحثين والمفكرين الذين ركزوا على العلاقة التفاعلية بين حماية البيئة والتنمية المستدامة أمثال “أدوار ويلسون” و”هيرمان دالي” و”امارتيا سن”…. فالأول هو من ابتكر مفهوم الحماية أو “الصون” conservation لحماية الاحياء البيولوجية أو التنوع البيولوجي كونه أصلا عالما للأحياء مشهور. والثاني ركز على الجانب الاقتصادي والنمو الاقتصادي في علاقته بالبيئة والموارد الطبيعية واعتبر أن التأثير الإيجابي على هذه الأخيرة رهين باعتماد نمو اقتصادي مستدام، وهو من مؤسسي مفهوم التنمية المستدامة التي تمثل ركيزة أساسية للمقاربة “الصون -تنموية”. وأما الثالث فاتجه نحو مفاهيم التنمية البشرية والعدالة البيئية واقترح فكرة التنمية الحقيقية المرتكزة على مراعاة البعد البيئي.

كما تبنت مجموعة من المؤسسات الدولية المفاهيم التي تأخذ معادلة البيئة-التنمية بعين الاعتبار كبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي ينادي بضرورة اعتماد دول العالم لمشاريع تدمج بين أهداف التنمية المستدامة وحماية البيئة، وكذلك الشأن بالنسبة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN الذي اعتمد أفكارا ومفاهيم تجمع بين حماية البيئة والتنمية (التنمية المتكاملة). ثم برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNEP الذي يدعم سياسات الدول التي توازن بين الاستخدام المستدام للموارد وحمايتها.

    وتعتبر اتفاقية التنوع البيولوجي أول اتفاقية تم اعتمادها في قمة الأرض في ريو ديجانيرو عام 1992 وأول اتفاقية اعتمدت مقاربة “الصون” بشكل رسمي كأولى المبادرات التي ربطت بشكل صريح بين حماية التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، ويعتبر المغرب من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية التنوع البيولوجي عام 1995، وبالتالي أصبح ملتزما بتنفيذ سياسات تحافظ على التنوع البيولوجي وفي الوقت نفسه تشجع على التنمية المستدامة حيث عمل على صياغة ما يعرف ببرنامج “الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي” التي شجعت على استخدام أساليب الزراعة المستدامة مثل الزراعة المحمية أو البيولوجية بما يتماشى مع المعايير البيئية[5].

وتم ترجمة وتكريس مقاربة “الصون -تنموية” في بلادنا من خلال أهداف ومقتضيات القانون الإطار رقم 99-12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، الذي تم تبنيه في مارس 2014، والذي جعل من التنمية المستدامة أساسا هيكليا للسياسات العامة، ومبدأ أساسيا يتقاسمه جميع الفاعلين المركزيين والترابيين في مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للبلاد.

وتفعيل مقتضيات القانون السالف ذكره الذي عزز بعد دستور 2011 مقاربة الجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة يشكل اليوم تحديا مهما لجميع المتدخلين وخاصة الجماعات الترابية التي تعتبر فاعلا رئيسيا بالنظر إلى صلاحياتها الجديدة بمقتضى دستور2011 والاختصاصات المخولة لها طبقا للقوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية.

ووفق المادة الثانية من القانون الإطار بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، فإن على الجماعات الترابية إدراج أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة في جميع مخططاتها التنموية Projet de Stratégie Nationale de   Développement Durable 2030  هذه المقاربة هي مصدر وجود مقترب دراسة الأثر البيئي للمشاريع التنموية ويظهر تطبيقها في المغرب على مستوى قانون دراسة الأثر البيئي رقم 12-03 الذي تم نسخه بالقانون رقم 17-49 يتعلق بالتقييم البيئي التي تستهدف دمج الدراسات البيئية في المشاريع التنموية للتأكد من تأثيرها الإيجابي على البيئة وعناصرها (الماء، التربة، الهواء) وعلى الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي والحيوي.

وعليه، فالمشرع المغربي عمل على إشراك فلسفة التنمية المستدامة ضمن السبل القانونية التي بموجبها تتحقق التنمية البيئية، وذلك من خلال ترشيد استغلال الموارد الطبيعية بشكل معقلن يراعي الديمومة والاستدامة حفاظا عليها للأجيال القادمة، ومحاربة استنزاف الموارد الطبيعية التي تعتبر ضرورية لأي نشاط زراعي أو صناعي، ستكون له آثار ضارة على التنمية والاقتصاد بشكل عام، لهذا فإن المقتضى التشريعي الذي يترجم مفهوم مقاربة الصون-تنموية هو مفهوم التنمية المستدامة  الذي يبحث عن سبل وآليات وشروط  الموازنة بين النظام الاقتصادي والنظام البيئي، بدون استنزاف الموارد  الطبيعية مع مراعاة الأمن البيئي للأجيال الحالية والاجيال المتعاقبة و القادمة.

مقاربة الصون تنموية إذن ترتكز على صيانة وحماية البيئة بمفهومها الشمولي بما تحويه من موارد طبيعية وبيئة مشيدة وتراث حضاري وثقافي وتاريخي، وتحقيق التنمية الشمولية لكنها تنمية بين-جيلية تراعي حقوق كل الأجيال وتتجاوز النظرة الآنية والآنانية في استغلال الموارد الطبيعية.

ثانيا: أهداف مقاربة “الصون-تنموية”.

تهدف هذه المقاربة إلى صون الموارد البيئية كالمياه والغابات والتنوع البيولوجي وتقليل استنزافها مما يضمن استمرارية استخدامها لصالح الأجيال القادمة وهو ما يدعم مفهوم التنمية المستدامة، لان دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية في خطط التنمية سيساهم في التقليل من الاثار السلبية على البيئة ويعزز استدامة المشروعات الاقتصادية.

كما تعتمد مقاربة “الصون” على إشراك المجتمعات المحلية في حماية الموارد البيئية، مما يوفر فرص العمل ويعزز وعي الافراد بأهمية الحفاظ على البيئة. وتساهم اجتماعيا في تحسين مستويات المعيشة وتقليل الفقر إذا تم استغلال الموارد استغلالا معقلنا ومستداما، كما أنها تحد من تأثير التغيرات المناخية، لأنها تحث على اتباع طرق انتاج واستهلاك نظيفة ومشروعات صديقة للبيئة، وبالتالي تقليل الانبعاثات الكربونية وآثار التغير المناخي. عموما تسعى هذه المقاربة الى تحقيق ثلاثة اهداف أساسية: الحفاظ على الموارد، وتحقيق العدالة الاجتماعية ثم تعزيز النمو الاقتصادي. غير انه في المقابل يواجه تفعيلها مجموعة من التحديات تتجلى في نقص الموارد والتغيرات المناخية والتدهور البيئي.

المبحث الثاني: الآليات التشريعية والاستراتيجية لتفعيل مقاربة الصون تنموية في المغرب

      يعرف المغرب ترسانة تشريعية بيئية شاملة جريئة وحديثة على جميع المستويات لم يخل أي منها من الأبعاد الاستصلاحية والوقائية والحمائية للبيئة، ومنها ما يركز مباشرة على مفهوم التنمية المستدامة التي تقوم على حماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وهناك من يجعل من مبادئه الأساسية؛ أن حماية البيئة واستصلاحها وحسن تدبيرها جزء من السياسة المندمجة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالقانون رقم 03-11 المتعلق بحماية البيئة واستصلاحها[6]. غير أنه

سنركز على التشريع المتعلق بالتقييم البيئي كقرار يدرج أبعاد مقاربة “الصون” ذات البعد الوقائي أولا، ثم الانتقال إلى مدى تفعيلها من خلال استراتيجية الدولة في مجال البيئة ثانيا.

أولا: من قانون 03- 12 إلى القانون رقم 49-17

اعتمد المغرب بداية مفهوم دراسة التأثير البيئي للمشاريع الاقتصادية بمقتضى القانون 03-12 المتعلق بدراسة التأثير على البيئة، ومنذ سنة 2017، ولاعتبارات عديدة أهمها ان القانون السالف ذكره لا يشمل كل المشروعات التي قد تؤثر على البيئة، فقد تم نسخه بمقتضى القانون 17-49 المتعلق بالتقييم البيئي الذي يعني كل دراسة تقوم على إدماج الجوانب البيئية والاجتماعية لمشروع أو مخطط أو برنامج أو سياسة عمومية لتقييم آثارها المتوقعة ويسمح بتحليل وتعليل الاختيارات المقبولة ويتضمن التقييم البيئي الاستراتيجي.

وقد جاء هذا القانون لتوسيع وتحييين لائحة المشاريع الخاضعة لدراسة التأثير على البيئة مع إضافة أبعاد: التقييم الاستراتيجي البيئيى؛ الافتحاص البيئي؛ البطاقة التقنية الخاصة بالمشاريع الصغرى. فالتقييم البيئي مرتبط بتلك المشاريع التي تتميز بطبيعتها الافقية والعابرة للقطاعات يعني يمكن ان تخضع للتقييم البيئي مشاريع في القطاعات الاقتصادية المختلفة التي يمكن ان يكون لها تأثيرات مباشرة وضارة بالبيئة والموارد الطبيعية والصحة العامة. وهي مقاربة استباقية ومراقبة قبلية على المشاريع والاشغال التي ستنجز على أرض الواقع ويمكن أن تكون مصدرا للتلوث البيئي وتدمير الموارد الطبيعية واستنزافها فهي جزء من مخططات ناتجة عن سياسات مختلفة في ميادين اقتصادية متنوعة[7].

وأما الافتحاص البيئي فينصب على تلك المشاريع القائمة والوحدات الصناعية التي لا تتوفر على قرار لموافقة البيئية، فهو عكس دراسة الأثر والتقييم البيئي لأنه ينصب على مشاريع تؤدي نشاطها يعني في حالة نشاط وظيفي وبالتالي فالنتائج التي يسفر عنها الافتحاص البيئي ليست توقعات أو احتمالات بقدر ما هي حقيقة قائمة تفترض معالجتها بسرعة لتتمكن هذه الوحدات من الحصول على ما يعرف بشهادة المطابقة البيئية من حيث احترام القوانين والمعايير البيئية المطلوبة.

وأما الطريقة الثالثة لمراقبة المشاريع بيئيا فهي تتعلق بالمشاريع الصغرى والمؤقتة والتي نص قانون التقييم البيئي بأنها ستحدد حصرا بمقتضى نص تنظيمي، إذ تمنح” البطاقة التقنية ” للمشاريع المندرجة في هذا الإطار. كما أن القانون الإطار رقم 12-99 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة الذي ينص في مادته الأولى على مبادئ مختلفة ينبغي أن يتأسس عليها إعداد وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات والبرامج ومخططات العمل من قبل الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وشركات الدولة ومن قبل باقي الأطراف المتدخلة في مجالات البيئة والتنمية المستدامة. وأهم هذه المبادئ: الاندماج والترابية والتضامن وخاصة مبدأي الاحتراز والوقاية الذين يعنيان على التوالي”: ضرورة اتخاذ تدابير ملائمة وفعالة ومقبولة اقتصاديا واجتماعيا لمواجهة الاضرار البيئية المفترضة الخطرة او التي لا رجعة فيها ومخاطر ممكنة، ولو في غياب اليقين العلمي المطلق حول الآثار الحقيقية لهذه الأضرار والمخاطر”، وكذلك بالنسبة لمبدأ “الوقاية”؛ حيث يتعلق الأمر بضرورة وضع آليات التدبير والتقدير المنتظم لآثار الأنشطة التي يحتمل ان تلحق ضررا بالبيئة واقتراح وتنفيذ تدابير ملموسة لإزالة هذه الآثار او على الأقل للتخفيف من انعكاساتها السلبية؛ ثم هناك كذلك مبدأ المسؤولية ” الذي ينص على التزام كل شخص ذاتي او اعتباري، عام او خاص بإصلاح الاضرار التي سيلحقها بالبيئة بالإضافة إلى مبدأ “المساءلة”. وفي إطار مسؤولية صاحب المشروع سواء بناء على مبدأ المساءلة المشار إليه أعلاه في القانون الإطار 99-12 او بناء على مبدأ “مسؤولية المنتج.” كل هذه الآليات والمبادئ التي اسستها قوانين البيئة إنما مصدرها مقاربة الصون­-التنموية وتترجم اهداف وأبعاد هذه الأخيرة التي ظهرت سنة 1987 مع نشر تقرير برونتلاند بعنوان “مستقبلنا المشترك” من طرف اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة والذي وضع التعريف المعروف والجاري به العمل للتنمية المستدامة[8].

ثانيا: الآليات الاستراتيجية لتفعيل المقاربة الصون -تنموية

وضع المغرب الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة SNEED [9] كإطار مرجعي وطني يهدف تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والتنموية. وتمثل هذه الاستراتيجية رؤية الدولة للتنمية المستدامة من خلال تنفيذ برامج ومشاريع تهدف إلى الاستجابة لتحديات البيئة والتنمية في البلاد، وتشمل مجالات مختلفة منها؛ إدارة الموارد الطبيعية وعقلنة طريقة استخدامها كالمياه والطاقة والفلاحة، من خلال تطوير تقنيات جديدة وزيادة كفاءة استخدام الموارد المختلفة.

وهي تستمد مرجعيتها من التزامات المغرب الدولية وخاصة من أهداف التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة، كما ترتكز محليا على أساس دستوري من خلال مقتضيات دستور 2011 الذي نص على ضمان الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة[10] وحماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة[11] وربط السياسات العمومية بالحكامة الجيدة والاستدامة[12].

وتم تنزيلها تفعيلا لتوجيهات جلالة الملك “ومن هنا، ندعو الحكومة لتجسيد التوجهات الكبرى للحوار الواسع، بشأن إعداد ميثاق وطني لحماية البيئة والتنمية المستدامة، في خطة عمل مندمجة، بأهداف مضبوطة، وقابلة للإنجاز في كل القطاعات”[13]. وايضا “تعزز انخراط المملكة المغربية في مسار تسريع تنزيل الأهداف الأممية للتنمية المستدامة ،2030 من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة…”[14].

وتنصب الاستراتيجية كذلك على مجال الطاقة المتجددة إذ تروم تعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة (مثل الطاقة الشمسية والرياح)، حيث يسعى المغرب إلى أن يكون رائدا في مجال الطاقة النظيفة إفريقيا ودوليا. كما ترمي الاستراتيجية كذلك الحد من التلوث واعتماد استراتيجيات تهدف إلى تقليل التلوث الصناعي وزيادة الوعي المجتمعي حول حماية البيئة. خصوصا ما يتعلق بحماية التنوع البيولوجي والحفاظ على الأنواع البيئية المتنوعة والنظم البيئية المختلفة، بما في ذلك المحميات الطبيعية والمناطق الساحلية والبحار.

ولتسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، تم تعزيز إطار حكامة التنمية المستدامة من خلال اعتماد المرسوم رقم 452.19.2 الذي مكن من إحداث اللجنة الوطنية للتنمية المستدامة ولجنة لتتبع ومواكبة هذه الاستراتيجية ولجنة لتتبع ومواكبة أهداف التنمية المستدامة.  وبعد أربع سنوات من اعتمادها وتنفيذها، وتبعا لتوصيات تلك اللجنة الوطنية كلفت السلطة الحكومية المكلفة بالبيئة بتقييمها والعمل على تحيينها من أجل ملاءمتها مع المستجدات الوطنية والدولية كالأجندة الأممية للتنمية 2030 وأهدافها السبعة عشر والنموذج التنموي الجديد للمملكة وكذا اتفاق باريس حول المناخ.

وقد تم اعتماد مقاربة تشاركية من خلال مشاورات عمومية من أجل تحيين الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة لتمكين الجميع من المساهمة في إعدادها. وتم تنظيم المناظرات الجهوية للتنمية المستدامة من أجل دمج البعد الجهوي في هذه الاستراتيجية وتدارس موضوعات التنمية المستدامة التي تندرج في صميم اهتمامات كل جهة، بالإضافة إلى تنظيم مشاورات مواطنة من أجل استقاء آراء المواطنين المقيمين بالمغرب وبالخارج بخصوص تحيين الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة الجديدة، عبر المنصات الرقمية للوزارة واللقاءات الميدانية بالإضافة إلى إطلاق منصة تفاعلية من أجل إشراك المواطنات والمواطنين داخل وخارج الوطن لإعداد النسخة المحينة لهذه الاستراتيجية.

وقد مكن هذا النهج التشاركي من التوافق على الرؤية المراد تحقيقها بالمملكة في أفق 2035. ولضمان تفعيلها الناجح تم اعتماد ركيزتين أساسين لتحقيق الاستدامة المنشودة وهما الحكامة المستدامة والتشاركية والشاملة، والمواطنون الواعون والمنخرطون والمحفزون باستمرار.

خاتمة:

يتبين من خلال هذه القراءة التحليلية أن المقاربة الصون-تنموية من المفروض أن تتجاوز مسألة التنصيص النصي والنظري او المفاهيمي إلى مقاربة عملية ملزمة قانونا لجميع المتدخلين والفاعلين المعنيين كل حسب مجاله، بل ضرورة بنيوية تفرضها وضعية اللايقين التي تشوب الوضع البيئي الذي يتميز بالتحولات والتغيرات المناخية. ثم كذلك والاختلالات المجالية التي يعرفها المغرب خاصة على مستوى توزيع الموارد الطبيعية. فهي مقاربة تقوم على إعادة التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وواجبات صون الموارد الطبيعية، بما يضمن العدالة البيئية والإنصاف المجالي وحقوق الأجيال القادمة.

صحيح أن المشرع المغربي استوعب مبكرا رهانات هذه المقاربة، من خلال ترسانة قانونية ومؤسساتية متقدمة وشاملة، جعلت من التنمية المستدامة إطارا موجها للسياسات العمومية، ولاسيما عبر القانون-الإطار رقم 99_12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، وقوانين دراسة الأثر البيئي ثم التقييم البيئي، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة. غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بحسن التنزيل الترابي، والتكامل والتنسيق بين السياسات القطاعية، وتعزيز حكامة تدبير وإنتاج وتوزيع الموارد الطبيعية، خاصة في المجالات القروية والمناطق الهشة والأكثر تضررا من الإجهاد البيئي والتغيرات المناخية وخاصة الخصاص المائي.

وعليه، فإن نجاح المقاربة الصون-تنموية يقتضي تجاوز منطق التدبير القطاعي إلى منطق الرؤية المندمجة، وتعزيز دور الجماعات الترابية، وتكريس المشاركة المواطنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بتحقيق تنمية مجالية مستدامة، قادرة على التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي وحتمية حماية الرأسمال الطبيعي للبلاد تفعيل تنمية لا تدمر الموارد، وصون لا يعطل التنمية”.

كما لا يمكن إغفال أن القانون رقم 12-03 المتعلق بدراسة التأثير على البيئة، الذي تم نسخه بالقانون رقم 49-17 المتعلق بالتقييم البيئي. الذي يعتبر آلية لترجمة مقاربة الصون-تنموية عمليا، عبر إلزام المشاريع بدراسة آثارها على البيئة قبل التنفيذ، بما يضمن حماية الموارد واستدامتها للأجيال الحالية والمقبلة، وتحقيق التوازن بين التنمية وحفظ البيئة. هو في حاجة إلى التعجيل بإصدار نصوصه التنظيمية، إذ لا يعقل أن يصدر قانون عمر تسع سنوات دون أن تصدر نصوصه التنظيمية، إذن فما الجدوى أساسا من نسخ القانون رقم 03-12 المتعلق بدراسة الـأثير على البيئة؟

       هدى وحتاش                                                  

أستاذة باحثة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش

 

[1] -عبد العالي شقرون، في التصنيع واقتصاد ومجتمع المعرفة بالمغرب، الطبعة الأولى 2025، ص: 43-44.

[2] – مرجع سابق، ص: 24.

[3] -زلزال الحوز أظهر جانبا خفيا من واقع التنمية في المغرب وفي المناطق النائية واستمرار معادلة المغرب غير النافع في مقابل مغرب نافع، وكشف الحاجة الى رعاية وتدخل الدولة ورد الاعتبار لهذه المناطق على جميع المستويات. إذ لا تزال تعاني العزلة عن العالم في الوقت الذي يعنى مقالنا بالتنمية المستدامة ومقاربة الصون-تنموية. وكأن الموضوع ينصب فقط على جزء من المغرب دون غيره.

[4] – ظهر مفهوم التنمية المستدامة، مع الحاجة إلى تصور نموذج مجتمعي قادر على بلوغ اندماج ثلاث مكونات هي: التنمية الاقتصادية واحترام حقوق الإنسان وحسن تدبير الموارد الطبيعية المحدودة.  وترجع جذور المفهوم الى القرن التاسع عشر: حيث تزامنت مع الانشغالات الأولية بالبيئة والمناخ، كمجال موضوعاتي للبحث الأكاديمي، ومع مرور الوقت وبسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي عرفت خلال القرن العشرين، أصبح المفهوم أكثر تداولا وراهنية ليتم إرساؤه بشكل رسمي خلال “قمة الأرض” ملتقى ريو سنة 1992.

[5] -تقوم فكرة الزراعة البيولوجية على ضرورة عدم احتواء المنتجات الزراعية على أي بقايا للمواد المصنعة مثل الأسمدة والمبيدات الحشرية، وأيضا المنتجات المعدلة وراثيا، والتي تساهم في تكثيف الإنتاج، لكنها تضر بالصحة، واستبدالها بالسماد العضوي، وطريقة تناوب المحاصيل.

[6] – ظهير شريف رقم1.03.59 صادر ف 10 ربيع الأول 1424 (12 ماي 2003) بتنفيذ القانون رقم03.11 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة.

[7] -راجع مقال لي حول البعد البيئي في نظام الصفقات العمومية، منشور بمجلة ريناد، سلسلة أبحاث أكاديمية معمقة للعلوم القانونية والانسانية، عدد/ يونيو 2024.

 [8] – عرفها بكونها “التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها”

[9] – الاستر اتيجية الوطنية للتنمية المستدامة هي وثيقة مرجعية تجمع بين السياسات العمومية لتحقيق التنمية المستدامة.

[10] – الفصل 31 من دستور 2011.

[11] -الفصل 35.

[12]– الفصول: 51 و171 .

[13] -مقتطف من نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الأمة بمناسبة عيد العرش المجيد. 30 يوليوز2010.

[14] -مقتطف من الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في أشغال المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء البيئة 02 أكتوبر2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *