وجهة نظر

ما الذي يجري في إيران؟

لا شك أنه حين تهتزّ دولة بحجم ايران يوحي الأمر بعلاقة تاريخية كثيفة الدلالة تستوجب التوقف والتحليل، لا الانفعال ولا الاصطفاف الأعمى.

ما الذي يجعل شعبًا، عاش عقودًا تحت قبضة أيديولوجية صارمة، يختار مواجهة الرصاص العاري بصدور عارية؟ ولماذا تنفجر الأسئلة الآن، في لحظة يُفترض أن يكون فيها النظام في أوج صلابته الإقليمية؟ ثم، لماذا يتزامن صراخ الشارع الإيراني مع صمت مريب لأصوات اعتادت العلوّ والصخب هنا، في المغرب، كلما تعلق الأمر بخدمة سرديات خارجية؟ .. هل نحن أمام أزمة اجتماعية واقتصادية فقط، أم أمام انكشاف أخلاقي شامل لخطاب طالما قدّم نفسه باعتباره نصير المستضعفين؟ .. وهل الصمت موقف، أم أن الصمت في لحظات الدم يتحوّل إلى لغة خيانة ناعمة؟

من هذه الأسئلة تنطلق هذه القراءة، لربط ما يجري هناك بما يهمّ الوعي السياسي المغربي، وسيادته، ووحدته الترابية التي ليست موضوعًا للنقاش، بل أساس الوجود الوطني.

الأسباب العميقة للاحتجاجات في إيران .. حين ينهار العقد الاجتماعي

لا شك أن الاحتجاجات الجارية في إيران هي نتيجة تآكل طويل الأمد للعقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. فاقتصاديًا، يعيش المواطن الإيراني تحت ضغط خانق: تضخّم يلتهم الأجور، وعملة منهارة، وفوارق طبقية صارخة، واقتصاد موجَّه يخدم مراكز النفوذ أكثر مما يخدم الناس؛ وسياسيًا، تُدار البلاد بمنطق الوصاية، حيث تُفرغ المشاركة السياسية من معناها، ويُختزل الاختلاف في خانة العداء للثورة؛ واجتماعيًا، تتسع الهوة بين جيل شاب متعلّم، ومنفتح، ويرى العالم بلا وسائط، وسلطة تريد إبقاءه أسير نموذج أحادي مغلق؛ ثم ثقافيًا، تُفرض قراءة واحدة للحياة، وللدين، وللسلوك، ما يحوّل الدولة من إطار جامع إلى جهاز ضبط. وحين يُغلق أفق الإصلاح، يتحوّل الشارع إلى آخر ملجأ للصوت، حتى وإن كان الثمن الدم.

هنا بالذات يسقط ادعاء الاستثناء الإيراني، لأن الشعوب مهما اختلفت لغاتها وعقائدها، تشترك في كره القهر، ورفض الإذلال، والبحث عن الكرامة.
إن ما نشهده اليوم في ايران، هو نتيجة منطقية لفشل السلطة في فهم أن الشرعية لا تُؤبّد بالقوة، بل تُجدَّد بالعدالة والإنصات.

منطق الدولة الخائفة .. العنف وقطع الإنترنت

يكشف ردّ النظام الإيراني على الاحتجاجات جوهر السلطة أكثر مما يكشف نوايا المحتجين. فإطلاق الرصاص الحي على متظاهرين سلميين يعبِّرُ عن سلوك دولة غير واثقة، وسلطة تخشى فقدان السيطرة. وقطع الإنترنت، وعزل المدن رقميًا، يهدف لتعطيل التنسيق، وأكثر منه لقتل الشهادة، لأن الصورة أخطر من الهتاف.

الدولة التي تقطع الإنترنت تعترف ضمنيًا بأنها تخاف الحقيقة حين تُرى. وحين تُبرّر السلطة القتل بخطاب المؤامرة، فهي تُعفي نفسها من مسؤولية الفشل الداخلي؛ وهذا العنف ينسف الخطاب الذي صدّرته إيران لعقود حول “العدالة الثورية” و”نصرة الشعوب”. فلا يقاس الخطاب بالشعارات، والمقاومة الحقيقية تبدأ من احترام حياة المواطن.

المفارقة المؤلمة أن النظام الذي يذرف دموعًا خطابية على ضحايا العالم، لا يتردّد في إراقة دماء شعبه بدم بارد. وهنا تتعرّى الدولة الأيديولوجية حين تواجه شعبًا قرر أن يسأل، لأن السؤال هو أخطر أشكال العصيان.

صمت الطابور الخامس في المغرب .. من التواطئ إلى الخيانة الرمزية

في خضم هذا المشهد الدموي، يبرز صمت الطابور الخامس في المغرب بوصفه موقفًا سياسيًا كامل الأركان، لا مجرد غياب تعليق.

فكثير من الأصوات التي اعتادت الصراخ، واحتكار الأخلاق، وتوزيع صكوك الغفران، واتهامات بالتطبيع، اختارت الانزواء والاختفاء حين صار القاتل هو النظام الذي تهيم في هواه.

إنه صمت مريب لا يمكن فهمه إلا باعتباره انحيازًا مقنّعًا، لأن القتل لا يقبل المنطقة الرمادية. ومن يدّعي الدفاع عن الشعوب، ثم يصمت عن شعب يُقتل، إنما يدافع عن النظام لا عن الإنسان.

وهنا يتحوّل الحياد إلى تواطئ، ويتحوّل التواطؤ إلى خيانة رمزية، لأنها تشرعن الجريمة بالصمت.

الأخطر أن هذه الأصوات نفسها لا تتردد في مهاجمة الوطن، والتشكيك في مؤسساته، والطعن في وحدته الترابية كلما اقتضت تعليمات الخارج ذلك؛ أما حين يُقتل المتظاهر الإيراني، يُصاب هؤلاء بالخرس، لأن الضحية لا تخدم سرديتهم.

إنه صمت يفضح أن الخطاب ليس خطاب مبادئ .. إنه خطاب وظيفي، يتحرّك حيث توجد المصلحة الإيديولوجية، ويتجمّد حيث يوجد الحرج الأخلاقي.
وهكذا، يصبح الطابور الخامس مرآة لعطب عميق: انفصال كامل بين الشعار والضمير.

إيران، ووحدة المغرب الترابية .. سقوط أوهام الولاء الخارجي

لا يمكن فصل الموقف من إيران عن موقفها الثابت من الوحدة الترابية للمغرب. فالنظام الإيراني لم يُخفِ يومًا عداءه الاستراتيجي لمغربية الصحراء، ودعمه المباشر وغير المباشر لأطروحات انفصالية معادية للمملكة.

من هذا المنطلق، فإن التماهي مع نظام غاشم هو اصطفاف ضد المصالح العليا للوطن. فحين يصمت الطابور الخامس عن جرائم النظام الايراني، فإنه لا يصمت فقط عن القتل، بل يراكم فعلًا آخر من أفعال الخيانة الرمزية.

إن الوطن عقد أخلاقي لا يقبل التجزئة، فهو ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا ورقة ضغط إيديولوجي .. ومن يختار الولاء للخارج، يسقط تلقائيًا من معادلة الوطنية، مهما تلحّف بخطاب الحقوق والحريات.

إن ما يجري اليوم يقدّم درسًا قاسيًا، والأنظمة التي تقمع شعوبها لا يمكن أن تكون صديقة لأوطان الآخرين. فوحدة المغرب الترابية ليست ملفًا للمساومة، هي خط أحمر تاريخي، ومن يساوم عليها، يسقط في امتحان الذاكرة.

في الختم .. حين تتكلم الدماء وتسقط الأقنعة

إن ما يجري في إيران اليوم يضع كل من هلّل لنظامه، وبرّر له، وصمت عنه في نفس قفص الاتهام. فحين يسيل الدم، لا يعترف بالشعارات، ولا يغفر الانتقائية .. وصمت الطابور الخامس في المغرب سيظل وثيقة إدانة، لا تمحوها البيانات المتأخرة ولا الخطابات الملتوية.

وليعلم كل من يخندق نفسه في الطابور الخامس أن التاريخ لا يكتب بالضجيج .. التاريخ يدوّٓن بالمواقف الواضحة، والخيانة تبدأ حين يُبرَّر القتل، ويُصمت عن الظلم، وتُقدَّم الولاءات العابرة للحدود على دم الإنسان وكرامة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *