وجهة نظر

الجمعيات بالمغرب: كثرة في العدد… وقلة في الأثر

يتوفر المغرب على عدد كبير من الجمعيات، تقدر بعشرات الآلاف، وتتنوع مجالات اشتغالها بين الاجتماعي، والثقافي، والتنموي، والرياضي، والبيئي، وغيرها من المجالات التي يفترض أن تسهم في تأطير المواطنين، وتكملة أدوار الدولة، وتعزيز قيم التضامن والمبادرة المجتمعية. غير أن المتتبع للشأن الجمعوي يلاحظ، بكل أسف، أن أغلب هذه الجمعيات تبقى حبيسة الأوراق، أو محدودة الأثر، ولا تقدم إضافة حقيقية للمجتمع.
هذا الواقع يطرح أكثر من سؤال حول أسباب ضعف الفعل الجمعوي، رغم وفرة الجمعيات من حيث العدد. ومن بين أبرز أسباب هذا الفشل، هيمنة منطق “الذات” على حساب “الرسالة”، حيث يتحول العمل الجمعوي، في بعض الحالات، إلى وسيلة لحب الظهور، أو لتحقيق مصالح شخصية وانتخابية، أو لبناء علاقات ظرفية، بعيداً عن الأهداف النبيلة المسطرة في القوانين الأساسية لهذه الجمعيات.

كما أن غياب الحكامة الجيدة داخل عدد كبير من الجمعيات، وضعف الديمقراطية الداخلية، وانعدام التداول على المسؤوليات، كلها عوامل تفرغ العمل الجمعوي من محتواه، وتحوله إلى نشاط موسمي مرتبط بالمناسبات، أو بفرص التمويل، لا غير.
ومن الإشكالات الكبرى أيضاً، اعتماد العديد من الجمعيات بشكل شبه كلي على الدعم العمومي أو الخارجي، دون التفكير في خلق موارد ذاتية مستدامة. هذا الوضع يجعل هذه الجمعيات رهينة للتمويل، فإذا انقطع الدعم توقفت الأنشطة، أو اختفت الجمعية كلياً، مما يطرح إشكالية الاستمرارية والاستقلالية.

ولا يمكن إغفال ضعف التكوين في مجال تدبير المشاريع، والتواصل، وجلب التمويل، والتقييم، حيث يشتغل بعض الفاعلين الجمعويين بحسن نية، لكن دون كفاءة أو رؤية واضحة، مما يؤدي إلى هدر الجهود والموارد.

إن إصلاح وضعية العمل الجمعوي بالمغرب يمر عبر مجموعة من المداخل الأساسية، من بينها:

إعادة الاعتبار لرسالة العمل الجمعوي، وربط وجود الجمعية بحاجيات حقيقية للمجتمع، لا برغبات شخصية أو ظرفية.

تعزيز الحكامة والديمقراطية الداخلية، واحترام القوانين الأساسية، وتحديد المسؤوليات، وربط المحاسبة بالشفافية.

تشجيع الجمعيات على خلق موارد ذاتية (أنشطة مدرة للدخل، خدمات، شراكات ذكية)، لضمان الاستقلالية والاستمرارية.

الاستثمار في التكوين وبناء القدرات، خاصة في مجالات تدبير المشاريع، والتخطيط الاستراتيجي، والتقييم.

ربط الدعم العمومي بالأثر والنتائج، وليس فقط بالملفات الإدارية، بما يضمن توجيه المال العام نحو الجمعيات الجادة والمنتجة.

تشجيع الاندماج والتنسيق بين الجمعيات، بدل التشتت والتنافس غير الصحي، خاصة في المجالات المتشابهة.

إن كثرة الجمعيات ليست مؤشراً على قوة المجتمع المدني، بقدر ما يقاس ذلك بمدى تأثير هذه الجمعيات في حياة المواطنين، وقدرتها على إحداث تغيير إيجابي ملموس. فالمجتمع لا يحتاج إلى جمعيات كثيرة بلا أثر، بل إلى فاعلين صادقين، أكفاء، ومؤمنين برسالة العمل التطوعي كخدمة للصالح العام، لا كوسيلة للمنفعة الذاتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Bouchaib Zahawi
    منذ 8 أشهر

    جدولًا تصنيفيًا يوضح الفرق بين الجمعيات الفعلية والجمعيات الشكلية، مع أمثلة على سلوكيات كل نوع وتأثيره على المجتمع: | الجانب | الجمعيات الفعلية | الجمعيات الشكلية/المظاهرية | | ---------------------- | ----------------------------------------------- | --------------------------------------------------------- | | **الهدف الرئيسي** | خدمة المجتمع وحل مشكلات فعلية | تحسين الصورة، الاستفادة من المناسبات، التقرب من المسؤولين | | **الوجود المادي** | مقر أو فضاء للعمل واللقاء مع المستفيدين | غالبًا على الورق فقط، لا توجد مقرات فعلية | | **المشاريع** | مشاريع قابلة للتنفيذ، لها أثر ملموس على المجتمع | مشاريع سطحية أو رمزية، غالبًا لتقديم صورة فقط | | **نشاطها** | ميداني: اجتماعي، ثقافي، تنموي | تركز على المناسبات الرسمية والاحتفالات الإعلامية | | **التمويل** | يُستخدم مباشرة لتنفيذ المشاريع | يُستغل لتغطية البهرجة أو الأنشطة الشكلية | | **التفاعل مع المواطن** | مشاركة حقيقية، استماع للاحتياجات | تفاعل شكلي، غالبًا إعلامي أو موسمي | | **أثرها** | ملموس: تحسين ظروف المجتمع، رفع التضامن | محدود أو معدوم، قد يضر سمعة العمل المدني | | **السلوك السياسي** | مستقل، لا يستغل المناسبات للتقرب من الأحزاب | غالبًا مرتبط بالانتخابات أو أبواق منشطيها | --- 🔹 **خلاصة:** * الجمعيات الفعلية **تعمل على الأرض** وتترك أثرًا ملموسًا. * الجمعيات الشكلية **تعيش على الورق والمناسبات** ولا تخدم المجتمع فعليًا. * كثرة الجمعيات الشكلية **تخلط الأوراق**، ويصبح من الصعب على المواطن معرفة أي جمعية جدية.

  • Mostafa Benhamza
    منذ 8 أشهر

    في حين نجد جمعية مغربية أصيلة تعمل في ربوع الوطن وفي جميع المجالات رغم حصار المخزن لها محققة أثراً بارزاً نتيجة صدقها و نكرانها الذات.

  • سميكر المصطفى
    منذ 8 أشهر

    الإشكال في التجربة الجمعوية بالمغرب لا يكمن فقط في ضعف الأداء أو في تحوّل عدد كبير من الجمعيات إلى هياكل ورقية، بل في كون الشروط الموضوعية لولادة مجتمع مدني حقيقي لم تكتمل أصلًا. لقد وُلد المجتمع المدني عندنا “خارج الدار أعرج”، لأنه لم يكن ثمرة صراع اجتماعي، ولا نتاج تراكم تاريخي لمدنية المدينة، ولا نتيجة استقلال فعلي للمجال العمومي عن السلطة، بل جاء في سياق هندسة فوقية تبحث عن ملء فراغ أكثر مما تبحث عن تحرير المجتمع. نحن أمام مجتمع مدني بلا مدنية: بلا مواطن كامل الحقوق، بلا فضاء عمومي مستقل، بلا ثقافة تعاقدية، وبلا دولة قانون تؤمن بالوساطة المجتمعية لا بتدجينها. لذلك يصبح السؤال الجوهري: مجتمع مدني خُلق في مقابل ماذا؟ هل خُلق في مقابل أحزاب ضعيفة؟ أم في مقابل انسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية؟ أم كواجهة لتدبير الهشاشة بدل مساءلة أسبابها؟ حين يُستدعى المجتمع المدني ليقوم بوظائف تعويضية لا بوظائف نقدية، وحين يُراد له أن يكون أداة ضبط لا قوة اقتراح، فإن النتيجة الطبيعية هي هذا التضخم العددي مقابل الفقر الرمزي والتأثيري. إن الأزمة ليست أزمة جمعيات، بل أزمة تصور للدولة، وللمجتمع، ولمعنى المشاركة نفسه.

  • سميكر المصطفى
    منذ 8 أشهر

    يمكن صياغة تعليقك على الإشكال في التجربة الجمعوية بالمغرب لا يكمن فقط في ضعف الأداء أو في تحوّل عدد كبير من الجمعيات إلى هياكل ورقية، بل في كون الشروط الموضوعية لولادة مجتمع مدني حقيقي لم تكتمل أصلًا. لقد وُلد المجتمع المدني عندنا “خارج الدار أعرج”، لأنه لم يكن ثمرة صراع اجتماعي، ولا نتاج تراكم تاريخي لمدنية المدينة، ولا نتيجة استقلال فعلي للمجال العمومي عن السلطة، بل جاء في سياق هندسة فوقية تبحث عن ملء فراغ أكثر مما تبحث عن تحرير المجتمع. نحن أمام مجتمع مدني بلا مدنية: بلا مواطن كامل الحقوق، بلا فضاء عمومي مستقل، بلا ثقافة تعاقدية، وبلا دولة قانون تؤمن بالوساطة المجتمعية لا بتدجينها. لذلك يصبح السؤال الجوهري: مجتمع مدني خُلق في مقابل ماذا؟ هل خُلق في مقابل أحزاب ضعيفة؟ أم في مقابل انسحاب الدولة من أدوارها الاجتماعية؟ أم كواجهة لتدبير الهشاشة بدل مساءلة أسبابها؟ حين يُستدعى المجتمع المدني ليقوم بوظائف تعويضية لا بوظائف نقدية، وحين يُراد له أن يكون أداة ضبط لا قوة اقتراح، فإن النتيجة الطبيعية هي هذا التضخم العددي مقابل الفقر الرمزي والتأثيري. إن الأزمة ليست أزمة جمعيات، بل أزمة تصور للدولة، وللمجتمع، ولمعنى المشاركة نفسه.

  • نورالدين
    منذ 8 أشهر

    ... واقع مرير بالفعل من وجهة نظري بعض من جمعيات المغرب صورة طبق الأصل لواقع الإنتهازية وسقوط القيم الاجتماعية المبنية على التضامن والتعاون