التعليم المغرب: بين تعدد البرامج أزمة النتائج
قادنـي اهتمامي بقضايا التربية والتكوين، في سياق إنتاج محتوى بيداغوجي وتأطير المترشحين لاجتياز مباراة ولوج مهن التعليم، وممارستي داخل الفصول الدراسية، إلــى الاطلاع الواسع على معظم البرامج الإصلاحية التي عرفتها المنظومة التعليمية المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم.
ما يقارب سبعين سنة من الاستقلال، ولا تزال المدرسة المغربية تعيش حالة من التيه والارتباك؛ إذ نتذيل سُلَّم الترتيب في معظم التصنيفات الدولية، بعد أن تحوّلت إلى مختبر لتجارب الحكومات المتعاقبة، حيث تأتي كل حكومة ببرنامجها، ثم تتخلى عمّا سبقها، في مسار اتسم بعدم الاستمرارية وانعدام التراكم، إلا فيما ندر. فقد تعاقبت المناظرات الوطنية، والمخططات الخماسية والرباعية، ثم الميثاق الوطني للتربية والتكوين وما تبعه من الكتاب الأبيض، والمخطط الاستعجالي، والتدابير ذات الأولوية، وصولًا إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التي أفرزت القانون الإطار، وها نحن اليوم نعيش تجربة أو مرحلة «المدرسة الرائدة»، والله أعلم بمآلاتها، وإن كانت البوادر لا تبشر بالخير.
إذا تفرغتَ لــدراسة وتحليل هذه البرامج والمخططات – وإن كان أغلبها مستوردًا – ستجدها متقدمة من حيث التصورات والأبعاد النظرية، ولا سيما الميثاق الوطني للتربية والتكوين والقانون الإطار، هذا الأخير الذي يُعدّ أكثر نضجًا وتقدمًا بحكم استفادته من اختلالات البرامج السابقة. غير أنّ ذلك لا يمنع من تسجيل ملاحظات نقدية على بعض أبوابه ومقتضياته، وعلى رأسها قضية لغات التدريس، التي سماها القانون «التنوع اللغوي»، وهو موضوع أسال مداد أقلام الباحثين والمهتمين. واسمح لي أن أبرز دواعي هذا الموقف بشكل مقتضب.
موقفي من التنوع اللغوي نابع من سببين؛ الأول موضوعي، وهو أن جميع الدول المتقدمة في التعليم (فنلندا، سنغافورة، اليابان، أمريكا، الدنمارك…) تدرّس العلوم بلغتها الرسمية؛ والسبب الثاني ذاتي، وهو أن هذه المقاربة تجعلنا ندور في حلقة مفرغة. فبعد الاستقلال استفرغنا الوسع للتعريب ومغربة الأطر ضمن المخطط الرباعي (التعميم – التوحيد – التعريب – المغربة)، وها نحن بعد عقود من التعريب نعود إلى فرنسة التعليم، فنبدّد الأموال ونهدر زمن البناء والإصلاح، والنتيجة واضحة وضوح الشمس، مع التأكيد على أن الفرنسية ليست لغة العلم ولا لغة الاقتصاد. فإلى متى سنظل مستعمَرة فرنسية؟
دعنا نعود إلى جوهر الموضوع. أمام هذا الواقع، وجدتُ نفسي أطرح مجموعة من الأسئلة: لماذا نُبدع على مستوى التنظير ونُخفق على مستوى التنزيل؟ هل يكمن الخلل في المدرّسين أم في المتعلمين؟ أم في البرامج والمناهج؟ أم في الأسرة؟ أم أنّ الإشكال بنيوي يشمل مجموع الفاعلين والمتدخلين؟ لكن، أليس من السهل تبرير الفشل عبر إقحام الجميع في بوتقة واحدة، بينما يصعب تفكيك مكامن الخلل في الجزئيات وتحليل كل عنصر من عناصر المنظومة على حدة؟
لقد جرّبنا إصلاحات مست مختلف مكونات المنظومة: تجديد البرامج والمناهج، وتكوين الأساتذة والأستاذات، نظام أساسي جديد، والدعم المشروط للأسر؛ غير أنّ نتائج جميع هذه البرامج الإصلاحية ظلت دون مستوى التطلعات، داخليًا وخارجيًا. ومع ذلك، ظلّ الخطاب السائد يُحمّل البرامج الدراسية والمناهج ووضعية الأساتذة المسؤولية الأساسية عن هذا الإخفاق.
ومن خلال تجربتي المتواضعة في القطاع الخاص، تبيّن لي أنّ الفارق الجوهري بين العمومي والخصوصي لا يكمن في البرامج والمناهج، ولا في كفاءة الأساتذة، بل يكمن أولًا في الصرامة والرقابة، حيث يكون الجميع معرّضًا للطرد في أية لحظة إذا أخلّ ببند من بنود عقد التشغيل، من المدير إلى الأستاذ والإدارة، وصولًا إلى العساس وسيد الميناج؛ فمول الشكارة لا يرحم من لا يحترم القواعد. ويكمن ثانيًا في جودة البنيات التحتية ووفرة الموارد البشرية. وإن قال قائل، وهل التعليم الخصوصي نموذج؟ قلتُ له؛ صحيح هو ليس نموذجا مقارنة بالنماذج الدولية والإقليمية، ولكنه نموذج بالنسبة للتعليم العمومي، ولك أن تُطالع التقارير والتقييمات.
فما الحل إذن؟ أقدّم اقتراحين متكاملين لا انفصال بينهما:
أولًا: جعل قطاع التعليم قطاعًا سياديًا
لماذا لا يُعامل التعليم بوصفه قطاعًا سياديًا، على غرار وزارة الخارجية ووزارة الأوقاف ووزارة الداخلية؟ أليس التعليم هو القضية الوطنية الأولى بعد قضية الصحراء المغربية، كما نصّ على ذلك الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟ (وإن كان الواقع يقول عكس ذلك).
إنّ جعل التعليم قطاعًا سياديًا من شأنه أن يحرّره من التقلبات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة. فالنظر إلى القطاعات السيادية في المغرب يبيّن أنّها قطاعات ناجحة، نسبيًا، وتبدو آثارها ملموسة، والخارجية خير مثال. أمّا القطاعات التي تتولاها الحكومات المتعاقبة، فتظل رهينة الصراعات السياسية وتغيّر التوجهات الإيديولوجية. وهكذا أصبحت المدرسة العمومية مجالًا لتجريب سياسات وزراء بخلفيات مختلفة: يمينًا ويسارًا، محافظين وليبراليين، دون أن يترك أحدهم أثرًا إصلاحيًا مستدامًا، بقدر ما خلّف ارتباكًا وتشويشًا وتفكيكًا لمسار الإصلاح. وهذا الإجراء من شأنه أن يقطع الطريق أمام المتسكعين في دواليب القطاع.
ثانيًا: جعل البنية التحتية أولوية قصوى.
لماذا لا يتم توجيه الجهد الإصلاحي نحو بناء مدرسة عمومية حديثة، وفق معايير متقدمة، تتوفر على جميع المرافق التعليمية الضرورية، وتُلبّى فيها كل الحاجيات اللوجستية المرتبطة بالفعل التعليمي؟ من نقل مدرسي ذي جودة، ومرافق صحية لائقة، وخزانات، وأقسام ملائمة، وساحات رياضية، وقاعات للأنشطة المدرسية، بالإضافة إلى توفير موارد بشرية (إدارية وتربوية وعمالة) كافية ومستقرة في كل مؤسسة، بما في ذلك المؤسسات الواقعة في المناطق الجبلية والنائية.
إنّ جعل التعليم قطاعًا سياديًا، مقرونًا بتوفير بنية تحتية تربوية تحترم المعايير الدولية، من شأنه أن يهيّئ البيئة الملائمة للتحصيل العلمي، ويوفّر الفضاء التربوي القادر على احتضان وتنزيل مختلف القرارات والاستراتيجيات والسياسات التي ظلّت، لعقود، حبيسة الوثائق الرسمية والأوراق النظرية.
اترك تعليقاً