وجهة نظر

الوطنية كأداء رمزي في الفضاء الرقمي: قراءة في تمثلات الانتماء

لا جرم أن المتتبع لمختلف الفضاءات الافتراضية الحديثة وما تعج به من نقاشات وسجالات وخطابات تختلف أهميتها ودلالاتها وغاياتها باختلاف وتنوع الجهات المنتجة لها والمساهمة فيها، سواء كانت أفرادا أم جماعات، سيلاحظ بوضوح بروز موجات خطابية تطفو على السطح من حين لآخر، والتي تسترعي الانتباه نظرا لحجم التفاعل الذي تخلفه، وربما حتى ما تنتجه من آثار رمزية واجتماعية. فيغدو بذلك الفضاء الرقمي الاجتماعي عالما شبه “مكتمل الأركان” موازيا للعالم الواقعي، ومجالا تتقاطع فيه الأبعاد الاجتماعية، السياسية، والثقافية، وغيرها، بما يستدعي الملاحظة والدراسة والتحليل، من أجل فهم ميكانيزمات السلوك السوسيوسياسي الافتراضي والمنطق الذي يحكمه ويؤطره، والذي يختلف لا محالة عن المنطق الواقعي الملموس.

ولا يدعي ما سيقدم في هذه المقالة أن يكون دراسة علمية مبنية على الأسس والمناهج العلمية المعمول بها في دراسة مثل هذه الظواهر، بقدر ما هو مساهمة تأملية تسعى إلى طرح مجموعة من الأسئلة المرتبطة ب”الظاهرة الرقمية” في السياق المغربي، انطلاقا من ملاحظات لافتة وانطباعات متراكمة أفرزتها التفاعلات اليومية داخل هذا المجال.

في هذا السياق يبرز خطاب الوطنية بوصفه خطابا اجتماعيا رمزيا يعزز الشعور بالانتماء إلى هذه الدولة/ الأمة المغربية، ويفتح منافذ للتعبير عن ذلك الحب والانتماء المشترك. ولا شك أن مثل هاته الخطابات تسهم من حيث المبدأ في الحفاظ على الهوية الجماعية وترسيخها، غير أنها (الخطابات) تتخذ أحيانا مسارات تستدعي طرح السؤال عن مدى حقيقتها/صدقيتها وما غاياتها وما الذي قد ينتج عنها؟ وهل فعلا تعكس وعيا حقيقيا بما ترفعه من شعارات، أم أنها لا تعدو أن تكون سوى مجرد “بهرجة” عابرة لا تنعكس بالضرورة في السلوك والممارسة؟

تبرز عناصر هذه الملاحظة/”الظاهرة” بجلاء، من خلال مجموعة من المظاهر التي تظهر في سياقات ولحظات مختلفة، من ذلك نشير على سبيل المثال لا الحصر – والمناسبة شرط – إلى اللحظات الرياضية الكبرى لاسيما المتعلقة بكرة القدم أو كما يطلق عليها البعض “أفيون الشعوب”، وما يصاحب ذلك من زخم خطابي يرتبط بتشجيع الفريق الوطني بشكل يتجاوز المنطق الرياضي، ليقترب من منطق سياسي رمزي يرتبط بتمجيد الوطن وإظهار الرفع من حبه، ويحول كل فوز في مباراة أو إنجاز رياضي معين إلى انتصار وطني وإثبات لعظمة البلد. ويتجلى ذلك في طبيعة التفاعل داخل العالم الافتراضي من خلال الانتشار الواسع لصور المنتخب الوطني مثلا أو مدربه (إن كان قد قام بعمل يرضي الجمهور الافتراضي/الرقمي الذي يتشكل من عامة الناس سواء الذين يفهمون في كرة القدم أو حتى أولئك الذين لم يسبق لهم قط لمسها بأقدامهم) أو أحد اللاعبين الذين أبلوا البلاء الحسن في نظر هذا الجمهور، مرفقة غالبا بعبارات تربط هذا الإنجاز بالوطنية والافتخار والاعتزاز الوطني، من قبيل: “المغاربة الأحرار”، “العز للرجال الوطنيين”، وغيرها من العبارات الدالة التي تمنح للحدث الرياضي دلالة سياسية ورمزية تتجاوز حدوده الأصلية والمنطقية. بل وأصبح تشييد ملعب لكرة القدم بمواصفات عالية و”عالمية” يستثمر رمزيا بوصفه دليلا على تطور الدولة وعظمتها، بما يعزز شعورا جماعيا بالفخر الوطني.

لا يقتصر هذا النمط من التفاعل على المجال الرياضي فحسب، بل يبرز ذلك خلال لحظات التوترات أو الأزمات الخارجية (دبلوماسية، سياسية…)، ففي هذه السياقات يلاحظ ما يشبه “الانفجار” في المنشورات الوطنية حيث تداول نفس الكلمات، نفس الصور، نفس الجمل والاقتباسات، عبر مختلف المنصات، بما في ذلك تلك التي لها علاقة بالموضوع ويدخل ضمن اهتماماتها بشكل أو بآخر، أو حتى التي تعتبر بعيدة كل البعد عن المجال وربما بعيدة حتى على فهم ما يجري؛ صحيح قد يكون ذلك للتعبير عن الامتعاض والاستياء والدفاع عن الوطن وهذا مفهوم ولا غرابة فيه؛ لكن حينما يتخذ شكلا من الإلزام الافتراضي غير المعلن – الذاتي ربما – تصبح معه الغاية الأساسية هي إثبات الانتماء وإقامة الحجة والدليل، يصبح طرح السؤال حول دلالات هذا السلوك أمرا مشروعا.

يتعزز هذا الانطباع أيضا خلال المناسبات الرسمية، كالأعياد الوطنية أو مناسبات احتفالية لها طابع رسمي (خطاب ملكي، افتتاح لنشاط معين، تدشين مشروع تنموي معين يهم منطقة معينة…)، حيث تعرف مختلف فضاءات التواصل الاجتماعي بتنوعها موجة/فورة بين من يوصفون ب”المؤثرين” وحسابات لها ربما اهتمام بالشأن العام، وحتى أخرى ليست من عاداتها متابعة مجرياته. تتمحور هذه المنشورات في غالبها حول العلم الوطني، أو صور الملك أو ولي العهد (كالصورة التي عرفت انتشارا واسعا له وهو يضرب الكرة افتتاحا لكان 2025)، أو اقتباسات من بعض الخطب الملكية…إلخ. يتسم هذا التفاعل بنوع من “التضخم”، إذ نجد أغلب رواد هذه الفضاءات في الصباح الموالي للحدث/النشاط يزينون حساباتهم ومنصاتهم بهذا النوع من المنشورات، حتى تظهر بشكل جلي موجة عارمة تمتد لمدة زمنية تتراوح في الغالب بين اليومين والثلاثة، قبل أن تخبو حدتها وينتقل التفاعل إلى حدث آخر للتداول فيه وليشكل موجة عابرة أخرى. ورغم أن مثل هذا التفاعل في هذه المناسبات لا يشكل مدعاة للاستغراب في حد ذاته، لكونه قد يصب في ترسيخ القيم المشتركة، ويعزز الانتماء الجمعي. فإن ما يدعو إلى التساؤل حول حقيقة ما يقع، هو حينما يسود انطباع بأن هذا السلوك أصبح معيارا ضمنيا للوطنية، إلى درجة “يلمس” معها نوع من الشعور بالتقصير في إظهار الولاء للوطن لدى الذين لا ينخرطون في نفس النمط التفاعلي، فيبادر بعضهم إلى الاستدراك ونشر نفس المضامين ولو دون ارتباط فعلي/مباشر بذلك، لعله يدخل بذلك ضمن فئة “الوطنيين الجدد”، التي أصبحت لها تمثلات خاصة للوطنية سواء بوعي أو غير وعي.

تضعنا هذه اللحظات مجتمعة أمام خطاب وطني اجتماعي/افتراضي يعرف نوعا من “التضخم” الدوري والموسمي والمناسباتي الذي يبدو أحيانا كما لو أنه موجه، تحكمه سيكولوجية انفعالية استهلاكية سريعة العبور. والغاية من إبراز هذه الملاحظات هي محاولة فهم التحولات التي تطرأ على تمثلات الجمهور لبعض المفاهيم الكبرى، وكيف تصبح هذه المفاهيم لدى البعض منحصرة في تفاعل استعراضي عابر لا ينعكس بالضرورة على الفعل والممارسة، بل وما قد يؤدي إليه ذلك من منح فئة معينة لنفسها الحق في “تفصيل” مفاهيم وتعريفات على المقاس وعلى الشكل الذي تتمثله هي، وبالتالي تمارس نوعا من الإقصاء تجاه كل التوجهات والآراء المضادة.

يتجلى ذلك بوضوح في موضوع الوطنية من خلال طبيعة التفاعلات المصاحبة للسياقات المشار إليها سابقا، والتفاعلات المضادة المختلفة التي لها رؤى وتوجهات تناقض ما هو سائد ومهيمن، فمثلا حينما “تغزو” موجة الوطنية “الاستعراضية” جل المنصات الرقمية بمناسبة رياضية مثلا، يسود منطق جماعي “وحدوي” يدفع مجمل “الفاعلين الرقميين” إلى الانخراط في هذه الفورة “الفلكلورية” العابرة، إما بوعي لطبيعة اللحظة وما تستلزمه من تفاعل، وإما انسياقا وراء الموجة دون فهم واستيعاب.

في خضم هذا المعمعان الرقمي قد تظهر بعض الرؤى و الأصوات المختلفة التي ربما لها أولويات تفاعلية أخرى، أو تنظر للحدث من زاوية أخرى غير التصور السائد أو تطرح أسئلة نقدية، لتصطدم سريعا بنوع من المواجهة الافتراضية الشرسة التي تذهب أحيانا حد التخوين والتشكيك في وطنية هذا الرأي والقائلين به، الأمر الذي تثبته نوعية التعليقات المواجه بها، من قبيل “خارج المنطق والسياق”، “ما يخرج من الجماعة إلا الشيطان”، “أعداء النجاح”، “ماشي وقت هاد الهضرة”، وغيرها من التعليقات التي تمارس نوعا من الوصاية أو حتى الإقصاء للطرف الآخر، وتحتكر الترافع باسم الوطنية، وكأن للوطنية الحقة تمثل واحد هو الذي تتصوره هي لا يقبل الاختلاف.

يتكرر ما تمت الإشارة إليه في السابق ليس فقط مع المناسبات الرياضية، وإنما في كل اللحظات التي تشهد اكتساح الفضاء الرقمي لموجات خطابية مشابهة، يكون فيها رأي واحد سائد ومهيمن، وكل من رأى ما يخالف ذلك من زاوية نظر مختلفة، أو أثار مواضيع نقدية لا تتماشى والمنطق إما الاحتفالي أو التضامني أو التنديدي، حسب طبيعة اللحظة والسياق، يقابل بالرفض والاستياء بل أحيانا حتى “العنف” الافتراضي من طرف من يولون أنفسهم حراسا وضامنين لهذا الشكل الجديد من “التوطنيت” (على وزن تامغربيت)، الذي أصبح يحتكم في تقييمه وقياسه للمواطنة والمواطن إلى فلسفة الخوارزميات، ومنطق الاستهلاك الرقمي العابر/السريع، لا إلى ما يؤسس له منطق الأفكار الهادئة التي تربط حب الوطن والتعبير عنه بالمساهمة الفعلية في تحقيق المصلحة العامة ، من دون مساومة ولا تقديم مصلحة (خاصة)، ولا وصولية، ولا انتهازية، ولا محسوبية ولا زبونية، ولا اختلاس ولا غش…(عبد الله المنصوري، مقدمة لكل ديمقراطية مقبلة، ص 19)؛ فتصبح الوطنية بذلك كما عبر عنها حسن أوريد “هي ولاء للوطن، قيمه وتاريخه، ودفاع عن مصالحه الاستراتيجية، ولكنها عقد تتجدد مقتضياته مع كل جيل” (مجلة زمان، 2021). فيكون بذلك من الوطنية الحقة، القول بعكس ما يسود داخل الجماعة لما يكون السياق يقتضي ذلك، ويكون من الوطنية الحقة توجيه النقد أحيانا لما يكون السياق يستلزم ذلك، ويكون من الوطنية الحقة التغريد خارج السرب لما يكون السياق يدعو إلى ذلك؛ والسياق المقصود هنا ليس كما تتمثله أو تحدده جماعة “الوطنيون الجدد” الذين بكل تأكيد لهم معايير خاصة تحكمها التفاعلات الصاخبة البعيدة عن لغة العقل والتأني.

إن هذا التصور للوطنية، وهذه الكيفية في ممارستها داخل الفضاء الافتراضي، تجعلنا أمام حقل مستقل بلغة بيير بورديو، له آليات اشتغال خاصة، أصبح ينتج سلطة رمزية مهيمنة، تتغذى من “الرأسمالات” الرمزية التي يوفرها هذا الحقل، المتأتية من نسب المتابعة والمشاهدة، والمشاركة الواسعة وارتفاع “اللايكات”. وبالتالي ارتفاع مخزون الرأسمال الرمزي الذي يشكل مكافأة رمزية لحظية، تشبع شعورا نفسيا تواقا للاعتراف ربما، أو تواقا للمشاركة في مجريات الحياة العامة ولا يجد سبيلا لذلك سوى من خلال شاشة هاتفه الذكي، أو ربما لإشباع حرمان ترتب عن نكوص السياسة بمعانيها السامية، في ظل التآكل الذي يطبع الفضاءات التي يفترض فيها احتضان وتأطير مثل هذه النقاشات التي يتشكل من خلالها حب الوطن بناء على وعي وفهم حقيقين، لا بناء على ممارسات شعاراتية استعراضية تلبي نشوات عاطفية.

إن هذا الخطاب بالشكل الذي يسود به في هذا العالم الافتراضي، وما أصبح يشكله من “سلطة رمزية” كما تمت الإشارة، جعلنا أمام “وطنية رقمية” تمارس بوصفها أداء علني داخل وسائل التواصل الاجتماعي، وتتحول بذلك إلى أداة لاحتكار المعنى وممارسة الاقصاء، في انتقال واضح من الوطنية كشعور قيمي يستلزم ممارسة واقعية نبيلة، إلى وطنية استعراضية تطلب باستمرار من المرء أن يظهر ويعبر ويعلن ويتخذ موقفا منسجما وتوجهات الغالبية لإثبات انتمائه ولإظهار حبه لوطنه.

إن إثارة هذه الملاحظات، وما تمخض عنها من نقاش أعلاه، يؤكد بأن الفضاء الافتراضي أضحى اليوم أحد أهم المجالات التي يعاد فيها إنتاج المعاني والتمثلات والولاءات. وهو ما تمت ملامسته من خلال مفهوم الوطنية، وما أصبح يعرفه من تحولات عميقة لا تتعلق فقط بمظاهر التعبير، وإنما تتجاوز ذلك إلى دلالات هذا المفهوم وحدوده ووظائفه. أمام هذا يمكن طرح السؤال، هل نحن إزاء انتقال تدريجي من وطنية يفترض أن ترتكز على الممارسة المسؤولة بما يقتضيه ذلك من سلوكيات معبرة، إلى وطنية تقوم على الأداء الرمزي والإعلان المتكرر عن الانتماء؟

إن هذا التضخم الخطابي الموسمي، يمكن فهمه بوصفه مؤشرا على إعادة ترتيب وضبط أولويات وطبيعة التعبير السياسي والاجتماعي داخل المجتمع، وفق ضوابط رقمية افتراضية مجردة، حيث أصبح الرمز أكثر حضورا من الفعل، والانفعال/الاستعراض أكثر كثافة من الفكر العميق والهادئ، والجماعة الرقمية تمارس تأثيرا ملموسا أكثر من الفضاءات التقليدية. وفي هذا السياق لا يعود الفضاء الافتراضي مجرد انعكاس للواقع بل يصبح له دور في إعادة إنتاج مفهوم الوطنية وفق منطق خاص، تحكمه الخوارزميات وسرعة التداول، وليس منطق البناء التراكمي للوعي السياسي.

إن طرح ما سبق يحاول تجاوز توصيف الظاهرة بما هي عليه، إلى فتح آفاق للتفكير حول شروط إمكان تحديد معنى الوطنية في زمن الرقمنة، دون الوقوع في اختزالها في طقوس خطابية عابرة، أو تحويلها إلى أداة للإقصاء الرمزي وإغلاق النقاش العمومي. فهي أعمق بكثير من ذلك؛ هي علاقة مركبة ومعقدة بين الفرد ووطنه، تتجسد في الممارسة الواعية وأحقية الاختلاف المسؤول، والقدرة على النقد ومساءلة الذات الجماعية دون توجس أو مزايدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *