الأزمة الاقتصادية في الجزائر
علينا أن ننسى الخطابات المليئة بالمغالطات والمعطيات غير الدقيقة التي يروج لها المسؤولون الجزائريون، وأن نركز على المعطيات الاقتصادية الحقيقية التي تجعل أي قارئ يقتنع بأن الجزائر وصلت إلى حافة أزمة اقتصادية، وأن الصعوبات المالية متعددة ومعقدة، وأن الخروج منها بات صعب جدا في الظرف الراهن.
أولا، الاقتصاد الجزائري اقتصاد ريعي، إذ تشكل المحروقات 92% من الصادرات. أما قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات فلم تتجاوز قيمة صادراتها 4.3 مليارات دولار، حسب وزير المالية الجزائري عبد الكريم بوالزرد، و5 مليارات دولار في آخر ظهور إعلامي للرئيس عبد المجيد تبون، الذي وصفها بـ”المعجزة” لأنها رقم غير مسبوق في الصادرات الجزائرية غير النفطية.
هذا الأمر، من الناحية الاقتصادية، يثير الاستغراب في دولة يقترب عدد سكانها من 50 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 2.4 مليون كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة فرنسا بحوالي خمس مرات، فضلا عن امتلاكها ثروات معدنية وإمكانات كبيرة تحت الأرض.
لكن مع نهاية الحراك الذي عرفته الجزائر، وخروج بعض أركان السلطة ثم عودتهم مجددا إلى الحكم، أصبح الإصلاح صعبا.
إن رئيس الدولة عبد المجيد تبون كان وزيرا أول في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ووزير الخارجية شغل بدوره مناصب وزارية سابقا، كما أن القائد العام للجيش، السعيد شنقريحة، كان قائدا للقوات البرية. وذكر الجيش هنا لأنه يملك مفاصل الحكم في الجزائر، ومن الطبيعي أن يحاول النظام الحالي تهدئة المواجهة مع الشارع عبر تقديم امتيازات اجتماعية غالبا ما تزيد التضخم وتستنزف المالية العمومية.
إن الجزائر تقدم منحة بطالة تبلغ في المتوسط نحو 60 دولارا، وهي تتشابه مع بعض برامج الدعم الاجتماعي في المغرب، كما يوجد برنامج للسكن الاجتماعي يسمى “عدل”، الذي أدى إلى توسع عمراني كثيف حول العاصمة. إضافة إلى ذلك، تدعم الدولة معظم المواد الغذائية الأساسية دون استثناء؛ فعلى سبيل المثال كلف دعم البن نحو 750 مليون دولار بالعملة الصعبة. وكل ذلك يتم في سبيل الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وإبعاد الاحتقان عن مؤسسات الدولة.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن هذه السياسات قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية. ويقابل ذلك ارتفاع الإنفاق العسكري، إذ شهدت ميزانية 2026 زيادة في مخصصات الدفاع لتصل إلى نحو 25 مليار دولار، لتصبح من بين الأكبر في الشرق الأوسط وإفريقيا بعد السعودية وإسرائيل، رغم أن معظم الدول المجاورة للجزائر ضعيفة اقتصاديا وعسكريا باستثناء المغرب. وغالبا ما تبقى أرقام ميزانية الجيش في الجزائر عامة دون تفاصيل دقيقة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة قادرة على تمويل طموحاتها الاجتماعية والعسكرية عندما كانت أسعار النفط والغاز مرتفعة، تغير الوضع بشكل كبير اليوم، مهما حاولت السلطات إظهار مؤشرات إيجابية للرأي العام.
ومن أبرز المؤشرات المالية أن الميزانية العامة للجزائر تتجاوز 120 مليار دولار، مع عجز يقدر بنحو 43%. ولتغطية هذا العجز هناك خياران: الاقتراض أو السحب من احتياطي العملة الصعبة. وقد ارتفعت المديونية إلى أكثر من 150 مليار دولار، أغلبها ديون داخلية. أما الاحتياطي النقدي فقد تقلص بشكل واضح؛ إذ بلغ سنة 2013 حوالي 193 مليار دولار، وهو أكبر رقم في إفريقيا آنذاك، لكنه انخفض في أكتوبر الماضي إلى نحو 47 مليار دولار فقط، وهو ما يكفي لتغطية حوالي أربعة أشهر ونصف من الواردات.
ومن المعلوم أن انخفاض احتياطي العملة الصعبة يؤدي عادة إلى تراجع قيمة العملة المحلية؛ فالدولار يساوي في البنوك الرسمية حوالي 130 دينارا، بينما يصل في السوق الموازية إلى نحو 250 دينارا، وهي السوق الأكثر تداولا للعملة.
أما مشروع منجم الحديد “غار جبيلات” فلن يدر عائدات مهمة قبل سنة 2030، وحتى بعد ذلك يظل سوق الحديد عالميا مشبعا بالإنتاج، خاصة من أستراليا والصين، حيث لا يتجاوز متوسط سعر الطن الجيد نحو 100 دولار، فيما تقدر تكلفة إنتاج الطن في غار جبيلات بحوالي 40 دولارا.
وفي ظل هذه الصعوبات بدأت الدولة التوجه نحو الاقتراض الخارجي، رغم أن رئيس الجمهورية كان قد شبه الاستدانة الخارجية سابقا بـ”خيانة دم الشهداء”. وتحت الضغط المالي أعلنت الجزائر حصولها على قرض من البنك الإفريقي للتنمية بقيمة 3 مليارات دولار لمدة 12 سنة. كما زارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، الجزائر مؤخرا، والتقت بمسؤولين حكوميين لبحث سبل التعاون وشروط التمويل، وقد شرعت الحكومة فعليا في أول إجراء عبر رفع أسعار المحروقات مطلع يناير.
عموما، خروج الجزائر من أزمتها في المدى القصير يبدو صعبا، لأن ذلك يتطلب إصلاحات عميقة مثل تقليص الدعم، وتعديل القوانين الاستثمارية، وإصلاح القضاء والإدارة، وتقليص هيمنة الدولة على الاقتصاد.
تعليقات الزوار
مقال رائع، واصل، شكرا.