منتدى العمق

قراءة قانونية لمشروع قانون الجهات.. تعميق للجهوية المتقدمة أم إعادة لضبط الاختصاصات

يعد تعديل وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 الخاص بالجهات بموجب مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، محطة تشريعية مفصلية في مسار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة ببلادنا، غير أن مشروع القانون السالف الذكر رغم ما يحمله من مستجدات مؤسساتية وتقنية تتماشى ورهانات خلق تنمية ترابية مستدامة، يثير جملة من التساؤلات القانونية العميقة حول توجهات الإصلاح وحدوده، ومدى انسجامه مع الفلسفة الدستورية القائمة على تكريس مبدأ التدبير الحر وتعزيز اللامركزية كخيار استراتيجي.

فمن خلال استقراء التعديلات التي يتضمنها مشروع القانون رقم 031.26 يلاحظ من خلال تعديل المواد 82 و91 توسيع مجالات تدخل الجهة لتشمل ميادين جديدة كالتنمية الرقمية، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الاجتماعي، وهو ما يعكس إرادة تشريعية لتحديث وظائف الجهة وجعلها فاعلا تنمويا أكثر اندماج، غير أن هذا التوسيع في مهام واختصاصات الجهة وفي ظل استمرار الطابع المشترك أو القابل للتداخل في عدد من المجالات يطرح إشكالية غموض توزيع الاختصاصات، وهو ما قد ينعكس سلبا على النجاعة التدبيرية.

وفيما يتعلق بالتحول في فلسفة المبادرة من الجهة إلى الدولة؛ نجد أن مشروع القانون يطرح بهذا الشأن إشكالات عميقة على مستوى مقاربة اللامركزية وحدود التدبير الحر، خاصة من خلال التعديل الذي طال المادة 93، فبعدما كان النص الأصلي يخول للجهة، بمبادرة منها واعتمادا على مواردها الذاتية، إمكانية تمويل أو المساهمة في تمويل مشاريع لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية بشكل تعاقدي مع الدولة، شريطة ارتباط ذلك بأهدافها التنموية، بينما جاء النص المعدل ليحدث تحولا جوهريا، إذ أسند المبادرة للدولة، مانحا بذلك إياها إمكانية طلب مساهمة الجهة في تمويل مشاريع أو برامج وطنية داخل نفوذها الترابي، حتى وإن كانت خارج اختصاصاتها الذاتية، ودون اشتراط تحقيق منفعة مباشرة للجهة.

هذا التحول لا يعكس مجرد تعديل تقني، بل يؤشر على إعادة صياغة غير متوازنة للعلاقة بين الدولة والجهات، تنتقل فيها هذه الأخيرة من فاعل ترابي مستقل نسبيا إلى مجرد مساهم مالي في تنفيذ السياسات العمومية المركزية، وهو ما تؤكده الممارسة العملية، حيث أصبحت اتفاقيات التمويل تبرم في كثير من الأحيان بمنطق أقرب إلى “عقود الإذعان”، بما يكرس تبعية مالية فعلية للجهات تجاه الدولة.

ومن منظور دستوري، يمكن القول على أن التعديل يثير تعارضا صارخ مع مرتكزات دستور المملكة، الذي يؤسس في فصله الأول على أن التنظيم الترابي للمملكة هو تنظيم ترابي لا مركزي قائم على الجهوية المتقدمة، وبناء عليه تمنح الجماعات الترابية تدبيرا حرا لشؤونها، غير أن إلزام الجهات بالمساهمة في تمويل مشاريع قد لا تدخل ضمن اختصاصاتها، وبمبادرة من الدولة، من شأنه أن يفرغ هذا المبدأ من محتواه، ويحول الميزانية الجهوية إلى مجرد أداة لتنفيذ أولويات السياسات العمومية على المستوى المركزي، بدل أن تكون تعبيرا عن اختيارات تنموية ترابية نابعة من حاجيات الجهة.

وعليه، فإن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتحقيق النجاعة في تنفيذ البرامج الوطنية، بل يهم أساسا ضمان احترام التوازن الدستوري بين متطلبات الفعالية التدبيرية ومبادئ اللامركزية، بما يحفظ للجهات مكانتها كفاعل ترابي حقيقي،  إذ أن التعديل الذي طال المادة 93 لا يمكنه الا أن يضعف من استقلالية الجهة كمستوى ترابي قادر على الابتكار والتفاعل مع خصوصياته الترابية، ويحولها إلى فاعل منفذ ممول له تبعية للسلطة المركزية أكثر منه فاعلا مبادرا يعمل على تحديد أولوياته التنموية، الأمر الذي يستدعي إن اقتضى الأمر ذلك رقابة دستورية حازمة تكفل انسجام هذه التعديلات مع روح الدستور واختياراته الكبرى، لا سيما أننا في سياق وطني متسم بالتوجه نحو ترسيخ نموذج الحكم الذاتي كحل فعال وواقعي لقضية الصحراء المغربية، والذي يقضي بتوسيع صلاحيات التدبير الترابي لا تضييقها، بما يفرض تحقيق توازن دقيق بين متطلبات النجاعة في التنفيذ واحترام الأسس الدستورية المؤطرة للتنظيم الترابي للمملكة.

وفيما يتعلق بإحداث نقلة نوعية في نجاعة وفعالية واقتصادية تنفيذ المشاريع التنموية للجهات، عمل مشروع القانون في هذا الشأن بتحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تحمل اسم “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع” وما سيوفره هذا النموذج من مرونة وسرعة في الإنجاز، إذ هو تحول مؤسساتي يعكس توجها نحو اعتماد آليات التدبير العمومي الحديث التي تنبني على مقومات نجاعة الأداء داخل المرفق العام.

وفيما هو مرتبط بإعادة ضبط العلاقة المالية بين الدولة والجهات، نجد مشروع القانون من خلال التعديلات التي طالت المادة 188، حسمت في نسب الضرائب المخصصة للجهات بموجب قوانين المالية في 5% من الضريبة على الشركات، و5% من الضريبة على الدخل، و20% من الرسم على التأمين، تضاف اليها اعتمادات مالية من ميزانية العامة للدولة ستوزع بناء على معايير حددها المرسوم 2.15.997 بتخصيص %50 بالتساوي على الجهات و%37,5 بناء على عدد السكان بالجهة و%12,5 المتبقية بناء على مساحة الجهة، على ألا يقل مجموع التحويلات المرصودة للجهات عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من السنة المالية 2027.

ختاما، يمكن اعتبار أن الغاية المحورية وراء إدخال هذه التعديلات التشريعية تنصرف إلى تيسير التنفيذ الفعال والسلس لبرامج التنمية الترابية المندمجة التي تعتزم الدولة تنزيلها خلال المرحلة الراهنة، بما يضمن تسريع وتيرة الإنجاز وتحقيق الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية على المستوى الترابي، غير أن المشرع يجب أن يستحضر من خلال هذه التعديلات تحقيق التوازن بين النجاعة التدبيرية والاستقلالية الترابية، فبدون تعزيز حقيقي لمبدأ التدبير الحر، وضمان توزيع واضح للاختصاصات، وإرساء رقابة ديمقراطية فعالة، قد يتحول الإصلاح إلى مجرد إعادة ترتيب تقني دون أثر عميق على جوهر الجهوية المتقدمة وفق الرؤية الملكية السامية.

* باحث في مالية الجماعات الترابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *