منتدى العمق

خمسـة مقاعد فقط للقانون العام.. أي رسالة توجهها وزارة المالية للكفاءات الجامعية؟

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المغربية، تحت القيادة الرشدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، إلى ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، يثير الإعلان الأخير لوزارة الاقتصاد والمالية بشأن مباراة توظيف “متصرفي المالية من الدرجة الثانية” موجة واسعة من الاستغراب والاستهجان داخل أوساط التواصل الاجتماعي و داخل الأوساط الجامعية، خصوصاً في صفوف طلبة وخريجي تخصصات القانون العام والعلوم الإدارية والمالية.

فقد خصصت الوزارة، حسب الإعلان الرسمي، ما مجموعه 503 منصباً مالياً، غير أن تخصصات القانون العام والعلوم الإدارية والمالية لم تحظ سوى بخمسة (5) مناصب فقط، في مقابل مئات المناصب المخصصة لتخصصات أخرى مرتبطة بالاقتصاد والتدبير والمالية.

هذا التوزيع يطرح أكثر من علامة استفهام حول المعايير

المعتمدة في تحديد الحاجيات الحقيقية للإدارة المالية المغربية، وحول المكانة التي أصبحت تحتلها الكفاءات القانونية داخل المؤسسات العمومية، خاصة وأن وزارة المالية نفسها تعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالقانون الإداري، والصفقات العمومية، والمنازعات، والجبايات، والرقابة المالية، والتدبير العمومي.

إن خريجي القانون العام ليسوا مجرد حاملي شواهد نظرية، بل هم أطر تكوينية متخصصة في فهم بنية الدولة، وآليات اشتغال الإدارة العمومية، وقواعد الحكامة والرقابة والتشريع المالي والإداري.

إن هاته الجهات التي همشت مسالك القانون العام يجب علييها ان تعرف التكوينات التي تتم في اطار القانون العام هي تكوينا رصينة ومتكاملة تجمع بين الجوانب القانونية والسياسية والاجتماعية والجوانب الأكاديمية والمهنية من خلال دراسة والتعمق في عدد من التخصصات المتعلقة بتدبير الإداري والمالي على متسوى تدبير الموارد البشرية والتدبير المالية ومختلف آلياته الإجرائية والمسطرية والاطلاع على الأنظمة الرقمية الحديثة للتدبير الإداري والمالي والنظام الجبائي والجمركي وتدبير المرافق والمؤسسات العمومية والصفقات والطلبيات العمومية والتمكن من الأنظمة القانونية للوظيفة العمومية وهيئات الضبط والحكامة والنظام المالي والقضاء الإداري والقضاء المالي وحل المنازعات بالوسائل البديلة وحل منازعات الصفقات والمنازعات الجبائية والجمركية والمنازعات الإدارية والمحاسبة العمومية والتدقيق والمراقبة المالية وغيرها.

كما أن الإصلاحات الكبرى التي يشهدها المغرب اليوم، سواء في مجال الرقمنة أو اللاتمركز أو إصلاح المالية العمومية، تحتاج بشكل متزايد إلى كفاءات قانونية قادرة على تأطير هذه التحولات وضمان انسجامها مع المقتضيات الدستورية والقانونية.

ومن غير المنطقي، في ظل هذا السياق، أن يتم تقليص حضور تخصصات القانون العام إلى هذا الحد الرمزي، وكأن الإدارة العمومية لم تعد بحاجة إلى خبرات قانونية وإدارية متخصصة، أو كأن تدبير المالية العمومية أصبح شأناً تقنياً صرفاً منفصلاً عن البعد القانوني والمؤسساتي.

الأكثر من ذلك، أن هذا الإقصاء يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين التخصصات الجامعية، ويخلق شعوراً متزايداً بالإحباط لدى آلاف الطلبة الباحثين والباحثات الذين اختاروا مسار القانون العام عن قناعة أكاديمية ومهنية، ليجدوا أنفسهم أمام فرص توظيف محدودة بشكل غير مفهوم، رغم اتساع مجالات اشتغال تخصصهم داخل الإدارة المغربية.

إننا اليوم لا ندافع فقط عن عدد من المناصب، بل ندافع عن قيمة علمية وأكاديمية لتخصص شكل لعقود إحدى الدعائم الأساسية لتكوين الأطر الإدارية والقانونية للدولة المغربية. كما ندافع عن ضرورة إعادة الاعتبار للكفاءة القانونية داخل الإدارة، بدل تكريس تصور اختزالي يجعل التدبير المالي منفصلاً عن الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يؤطره.

وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى مراجعة هذا التوجه، وإعادة النظر في توزيع المناصب بشكل أكثر توازناً وإنصافاً، بما ينسجم مع متطلبات الإدارة الحديثة، ويكرس العدالة بين مختلف التخصصات الجامعية، ويمنح لخريجي القانون العام المكانة التي يستحقونها داخل منظومة الوظيفة العمومية.

فالإدارة القوية لا تبنى فقط بالأرقام والمؤشرات، بل أيضاً بالقانون، والحكامة، والكفاءات القادرة على حماية المشروعية وضمان حسن تنزيل السياسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *