عيد بأية حال عدت ياعيد
كلما اقترب عيد الأضحى كلما اقتربت معه هموم شريحة عريضة من المواطنين البسطاء والفقراء، لقد تحول عيد الأضحى من شعيرة دينية كانت تجلب السرور والحبور لقلوب الناس إلى كابوس مزعج يجلب الهموم والأحزان، وصار التفكير في شراء أضحية العيد ومستلزماته يضرب له ألف حساب وحساب، ويستنزف ميزانيات المواطنين من جميع الفئات والشرائح، فكيف تحول العيد الذي كان يفترض أن يجلب الفرح والسعادة إلى مناسبة تدفع الناس إلى الحرج والضيق؟
لم يكن الأمر مطروحا قبل سنة 2024، لأنه في هذه السنة بالضبط عرف ثمن الأضاحي في المغرب ارتفاعا صاروخيا من 2000 و2500 درهم في المتوسط قبلها إلى 4000 و4500درهم، ومعلوم أن سنوات 2023 و2024 كانت سنوات عجاف لم تسقط فيها الأمطار، وهذا أحد الأسباب المعقولة التي يمكن أن تدخل في حساب ثمن الأضاحي، غير أن الشيء الذي يثير الكثير من التساؤل والحيرة هو أن الأثمنة بقيت مرتفعة في سنة 2026 بالرغم من إلغاء ذبح الأضحية سنة 2025 من طرف الملك، وبالرغم من كون أن هذه السنة كانت مطيرة، وبالرغم من الإجراءات الحكومية المتعلقة بالدعم المخصص للعلف والمواشي والذي قدر بحوالي 13 مليار درهم.
لقد كان الدعم الحكومي يهدف إلى أمرين ألا وهما: إحصاء القطيع الوطني لمعرفة الحاجيات الحقيقية وتشجيع “الكسابة” من أجل الحفاظ على القطيع، ومن جهة أخرى التحكم في الأثمنة من خلال تقديم الفارق المتمثل في علف الماشية والذي من المفترض أنه يستنزف جيوب “الكسابة” ويدفعهم إلى رفع الأثمنة في الأسواق، وكذلك ودرءًا للنقص في أعداد الماشية الذي يمكن أن يتحول إلى ندرة ترفع الطلب وتؤدي إلى ارتفاع الأثمنة.
فإذا كان الهدف الأول قد تحقق نسبيا ، إلا أن الهدف الثاني لم يتحقق، وبدا واضحًا في الآونة الأخيرة، ومع اقتراب العيد، أن الأثمنة لم تنخفض إطلاقًا، بل واصلت الارتفاع بشكل صاروخي، وهذا الأمر سيؤدي بشرائح كثيرة من دوي الدخل المحدود إلى عدم القدرة على اقتناء الأضحية، وإذا كانت نسبة المزاولين لشعيرة ذبح الأضحية في تناقض مستمر في أوساط الفئات الميسورة بحث بلغت حسب المندوبية السامية للتخطيط 12.5 % في سنة 2024؛ فإن هذا الرقم مرشح للارتفاع بسبب التحاق الشرائح الاجتماعية الفقيرة بهم؛ حيث من المتوقع أن تصل نسبة عدد المغاربة الذي لا يزالون شعيرة ذبح الأضحية إلى 56.4 % في هذه السنة، ونظرا لتداخل وتضافر المعطيات والتحولات الدينية والإجتماعية والإقتصادية ومساهمتها المباشرة في رفع الأثمنة، فإن هذا الموضوع يحتاج مقاربته من الناحية الاجتماعية والقانونية- الزجرية والتنظيمية.
المقاربة الإجتماعية:
من المعلوم أن ذبح أضحية عيد الأضحى تعتبر شعيرة دينية عند المسلمين أصلها يعود إلى سنة سيدنا ابراهيم، الذي اِمتثل لأمر إلهي بذبح ولده إسماعيل، فكان الجزاء أن الله سبحانه وتعالى فداه بذبح عظيم، ( وفديناه بذبح عظيم ) سورة الصافات، الآية 107، ويستخلص من هذه القصة الدينية حجم التضحية التي قدمها النبي ابراهيم في سبيل مرضاه ربه، ومن هنا فذبح أضحية العيد ليست فقط عبارة عن طقس ديني خال من أي معنى، بل هو مرتبط بشعيرة تعتبر سنة مؤكدة عند المسلمين، وتدخل في إطار الطاعات المرغوبة تقربًا إلى الله تعالى، والمغزى من هذه التوطئة يتمثل في ضرورة استحضار هذه المعاني من طرف كل مسلم وهو مقبل على شراء أضحية العيد، ولا يقف الأمر عنده بل على التاجر أو “الكساب” أن يستحضر هو أيضا هذه المعاني السامية وهو ذاهب إلى السوق لبيع المواشي أو الأضاحي بتعبير دقيق، ويجب عليه أن يتمثل أن هذا الأمر يدخل في إطار الواجب الديني الذي يرتضيه الخالق، فهل يتمثل كل من الإثنين ( المواطن/ المستهلك والتاجر و”الكساب”) هذه المعاني؟ و هل يستحضران المغزى الحقيقي من ذبح الأضحية وما يترتب عن ذلك من التزامات أخلاقية تجاه بعضهما البعض وهما يتقابلان في الأسواق؟
يبدو أن المعاني السالفة قد تلاشت بشكل نهائي من العقل الجمعي للمسلمين و للمغاربة بشكل خاص، وحل محلها الجانب المادي المرتبط بالمال والجانب الإجتماعي المرتبط بالعادات والتقاليد، وهكذا فذبح أضحية العيد لم تعد مرتبطة بالشعيرة الدينية بقدر ما هي عند التاجر أو “الكساب” عبارة عن مناسبة تجارية صرفة تغيب فيها المعايير الأخلاقية ويتمثل الهدف الأساسي من ورائها في جلب أكبر قدر من الربح المادي ولو على حساب الفئات الإجتماعية التي لا تملك القدرة المالية، وعند المواطن/ المستهلك عبارة عن مناسبة للتباهي الإجتماعي واستعراض القدرة على شراء الكبش الأغلى ثمنا في السوق، وهكذا فالهدف الأسمى الذي هو التكافل الإجتماعي لم يعد قائما أمام جشع بعض التجار و”الكسّابة” الذين يستغلون هذه المناسبة من أجل امتصاص عرق الفقراء والبسطاء، مع ضرورة الإشارة إلى أن انتهازيين جدداً صاروا ينتشرون في الأسواق ويتعلق الأمر بمن يسَمَّون في التعبير الشعبي ب ّ: ” الشنّاقة “؛ و هؤلاء شبيهون بالطفيليات التي تقتات على حساب مجهود الآخرين وتضحياتهم، وهؤلاء لا يقلون خطورة عن التجار الكبار الجشعين الذين يسمون بـــ ” الفراقشية” وهم السياسيون و التجار الكبار المتحصنون في قبة البرلمان، والذين التهموا 76 مليار درهم من الدعم العمومي بلا فائدة.
ويعزى تدهور الجانب الأخلاقي المرتبط بشعيرة ذبح الأضحية إلى غياب التأطير الديني سواء الرسمي أو غير الرسمي، ويلاحظ بهذا الخصوص غياب تام للوعاظ والمرشدين والدعاة سواء المنتمين لوزارة الأوقاف أو أولئك المنتشرين في وسائل التواصل الإجتماعي، في الوقت الذي كان يؤمل أن يعملوا من خلال برامج إعلامية في التلفزيون ومضامين هادفة في الشبكات الرقمية على تأطير المواطنين بواجبهم الديني في هذه الظروف العصيبة التي يعيشونها والمرتبطة بتقلبات الأسعار في الأسواق وإرشاد “الكسابة” و” الشناقة” إلى الأخلاق الفاضلة المرتبطة بذبح الأضحية تقربا إلى الله تعالى ودفعهم إلى استحضار الأجر والثواب الدنيوي والأخروي جراء معاملتهم الحسنة في هذه الظروف الاستثنائية، وبالأخص مع قرب عيد الأضحى الذي يقتضي مراعاة ظروف المستضعفين، ومحاربة الإحتكار والغلاء الفاحش وتقدير الربح الشرعي وفق ماهو مسموح به، وعدم المبالغة في رفع الأثمنة والعمل على رفع الحرج والضيق على الفقراء، وتوعيتهم بالواجب والمندوب و المصلحة العامة أو المرسلة، واستحضار المعنى الحقيقي لذبح الأضحية والمغزى من ذلك في عقول الناشئة وإرشاد الناس إلى التكافل الإجتماعي وتوجيهم نحو الخير المطلق والمتمثل في إسعاد الناس واخراجهم من الفاقة و الحرمان.
المقاربة القانونية الزجرية:
يتمثل دور الدولة في تحديد الأسعار ومراقبة الأسواق ومحاربة الإحتكار والغلاء وذلك من خلال اِتخاذ تدابير وإجراءات قانونية منها وذلك بواسطة سن تشريع ينظم أسواق الماشية بشكل عام والأسواق الأسبوعية ونقط بيع الأضاحي بشكل خاص، ويجب أن يتضمن هذا التشريع عقوبات زجرية وحبسية وغرامات بالإضافة إلى ما يلي:
يتعين على الدولة من خلال تفعيل دور الجماعات الترابية والسلطات العمومية في تنظيم ومراقبة الأسواق وتحديد الأثمنة وإيجاد بدائل اجتماعية أخرى لتخفيف الضغط على الطبقة الفقيرة؛ وذلك من خلال إشراك المجتمع المدني في عملية شراء وتوزيع الأضاحي مقابل هامش ربح معقول مثلما هو معمول به في بعض الدول الإسلامية مثل مصر على سبيل المثال، ويتطلب ذلك أن تعمل وزارة الفلاحة على إحصاء مربي الماشية أي “الكسابة” المزاولين لمهنة تربية الماشية بشكل قانوني وخلق قاعدة بيانات لهم تمكنها من استصدار بطائق قانونية تحمل عبارة ” كسّاب” أو “مربي ماشية ” مع ضرورة حملهم لشارة- Badge تصدرها وزارة الفلاحة و تعلق على صدورهم تتضمن جميع المعلومات المتعلقة بهم وذلك من أجل قطع الطريق على كل منتحل لهذه المهنة من المضاربين والسماسرة أي ” الشّناقة” الذين لا يتحملون أية أعباء ولا يقومون بأي مجهود، بل فقط ينتظرون مناسبة عيد الأضحى من أجل اكتساح الأسواق وفرض سياسة الأمر الواقع على الناس، وهذا الإجراء سيسمح للدولة بمعرفة الفلاحين الحقيقيين الذين يتحملون أعباء تربية الماشية والحفاظ على القطيع الوطني، كما سيسمح لها بزجر المخالفين وذلك من خلال مراقبة الأسواق.
ويتمثل هذا الأجراء القانوني في مراقبة التوفر على بطاقة “الكساب” وكذا شارة ” الكساب القانوني” عند ولوج الأسواقوجميع نقط البيع الأخرى، من طرف أعوان الفلاحة أو الجماعات الترابية (الشرطة الادارية) والسلطات المحلية الأمنية والإدارية، وتحرير محاضر في حق المخالفين، والتنصيص على ضرورة حماية القدرة الشرائية ونشر الوعي في وسائل الإعلام العمومية حول عدم التعامل مع من لا يحملون شارة “الكساب” القانوني، وإنشاء دعم عمومي خاص بعيد الأضحى بشراكة مع المجتمع المدني، وتخصيص فضاءات مرخصة للبيع في المدن التي لا تتوفر على الأسواق الأسبوعية.
ويشار إلى أن دور المجتمع المدني في التوعية والمساهمة في التخفيف من غلاء الأسعار و دعم التكافل الاجتماعي بشراكة مع الدولة يبقى وراداً، علاوة على المساهمة في بلورة وعي المواطن الحر القادر على اتخاذ القرار بعيدا عن المؤثرات الإجتماعية المرتبطة بالخوف من المجتمع أو بضرورة مراعاة العادات والتقاليد.
وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة اتخذ تدابير و إجراءات فورية بتاريخ 17 ماي 2026 لمواجهة غلاء الأسعار في الأسواق، خاصة مع قرب موعد عيد الأضحى لهذه السنة، وضمان تنظيم أسواق أضاحي العيد ومحاربة المضاربة والوساطةمن أجل حماية المستهلك، وهي:
حصر بيع الأضاحي في الأسواق المرخص لها قانونيا، مع السماح بالبيع مباشرة من الضيعات الفلاحية وفق ضوابط معينة.
التصريح المسبق من لدن البائعين بهوياتهم وعدد الأضاحي ومصدرها لدى السلطات المحلية قبل دخول الأسواق.
منع “الشناقة” والمضاربة وحظر تخزين الأضاحي خارج المسالك التجارية النظامية لخلق ندرة مصطنعة.
اعتماد إجراءات زجرية صارمة تشمل الغرامات المالية العقوبات الحبسية و حجز الأضاحيوإغلاق نقاط البيع المخالفة.
وفيما يخص تدابير لمحاربة الغلاء وضمان التموين فتشمل ما يلي:
تشديد المراقبة وتعزيز لجان المراقبة المشتركة على مختلف سلاسل الإنتاج والتسويق لضبط الأسعار ( وزارات الداخلية، الفلاحة، الصناعة )
مواكبة تموين الأسواق وتتبع التموين الوطني لضمان استمراريته وعدم حدوث خصاص في المنتجات الغذائية الأساسية.
وهذه الإجراءات والتدابير من شأنها أن تحد من المضاربات وكل السلوكيات المشينة المرافقة للإستعداد لعيد الأضحى والتي تؤثر على القدرة الشرائية، ويبقى دور الإدارة والسلطات المحلية فيها محوريا وذلك من خلال التدخل المباشر والميداني في تنظيم الأسواق ونقاط البيع؛ بحيث يؤمل أن تعطي ثمارها الفورية على عودة الاستقرار إلى الأسواق وعلى القدرة الشرائية وعلى عودة الطمأنينة والثقة إلى المستهلك والمواطنين عامة.
المقاربة التنظيمية
يتعين على الدولة أن تتدخل من أجل تنظيم الأسواق الأسبوعية بشكل عام وأسواق الأضاحي بشكل خاص، وكذا تنظيم تجارة المواشي بصفة عامة وأضاحي العيد بصفة خاصة، وهذا الأمر يتطلب اعتماد آليات اقتصادية عصرية تتمثل في تحديد الأسعار وتفعيل المراقبة الميدانية وتنظيم العرض والطلب، والعمل على توازن الأسعار وذلك من خلال تقليص التهافت والندرة المصطنعة، أما من جهة أخرى فيجب العمل على المديين المتوسط والبعيد في إطار مقاربة تنظيمية – زجرية على عقلنة سوق الأضاحي وضمان اِنسيابية العرض بأسعار معقولة من خلال التدخل المباشر في المراقبة وتوفير البنية التحتية للتسويق.
إن أي ملاحظ للأسواق الأسبوعية (باستثناء أماكن العرض الخاصة بالأسواق الممتازة) سوف يلاحظ مدى العشوائية التي تسود فيها، فالمواشي تعرض في العراء وفي أماكن بدائية مليئة بالأتربة والأحجار غير مجهزة بأبسط التجهيزات ولا تتوفر على واقيات من الشمس وغير مسورة؛ حيث يختلط الباعة بالمشترين والمواشي والسيارات والشاحنات الناقلة، مما يشكل فوضي عارمة يسود فيها التدافع والإزدحام الشديد، ولا توجد أي نوع من المراقبة عند مداخل الأسواق باستثناء مصالح تحصيل الرسوم الجماعية؛ بحيث يمكن “للشّناقة” والمضاربين ولوج الأسواق بسهولة واقتناء الماشية من ” الكسابة” وإعادة عرضها بأزمنة خيالية، علاوة على غياب ممرات خاصة بالمتسوقين تمنح المسافة القانونية بين العارض والمستهلك، كما لا توجد ممرات آمنة في حالة وقوع حوادث، وانعدام بنيات تحتية و أماكن مخصصة لعرض الماشية وأماكن مخصصة لركن السيارات والشاحنات.
ورغم أن القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية القروية والحضرية، منح اختصاص تنظيم الأسواق للجماعات الترابية تشمل صيانة وتدبير أسواق القرب والأسواق الجماعية(المادة83)، مع ضمان حفظ الصحة والسلامة وتنظيم الباعة المتجولين، وتنمية الاقتصاد المحلي وتحصيل الرسوم، غير أن هذه النصوص غير مفعّلة في الغالب وتطرح مشكلة تنظيم الأسواق الأسبوعية.
وخلصت دراسة أنجزت من طرف مديرية التخطيط والتجهيز بوزارة الداخلية في 2013، حول إعادة هيكلة الأسواق الأسبوعية وتنظيمها وإحداث طرق حديثة لتدبيرها، إلى ما يلي:
غياب التخصص
هيمنة الوسطاء وضعف المهنية
بنيات تحتية متقادمة، وعدم احترام الشروط الصحية ومسار المنتوج
غياب أهمية الموقع الجغرافي للأسواق بالنسبة لمجالاتها الترابية
غياب تطوير دينامية السوق
غياب اهتمام قوي من طرف المجالس المنتخبة
وجود معيقات عملية وتنظيمية
نقص مهارات التسيير والتدبير
غياب معايير سوسيو- اقتصادية لتوزيع الفضاءات داخل السوق
غياب إطار منظم للمهن ومحدد لمعايير الأنشطة الممارسة في السوق.
غياب مقتضيات تنظيمية (النظام الجبائي – إيجار تجاري)
ضعف الفاعلين المهيكلين ( اللوجستيك – التوزيع )
تقادم وضعف البنيات التحتية
معيقات مؤسساتية وعقارية (أراضي المياه والغابات، أراضي الجماعات السلالية …)
غياب المرافق الصحية
غياب شروط الأمن
اٍستغلال غير معقلن لفضاءات السوق
غياب خدمات القرب
غياب مخطط لتنظيم العرض بالأسواق
ضعف تدخل الهيئات المهنية
غياب رؤية مندمجة وتشاركية لتنمية هذه المرافق
اترك تعليقاً