المختص التربوي والإشراف على المكتبة المدرسية في المغرب
من تمثلات "القيم" و"الملحق" إلى كفايات المستقبل في ضوء المرسوم 2.24.140 والنماذج العربية والأوروبية- دراسة تحليلية مقارنة في ضوء المراسيم والمرجعيات الوطنية والدولية
يشكل الإشراف على المكتبات المدرسية إحدى المهام الجوهرية للمختص التربوي بموجب المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، غير أن هذه المهمة لم تظهر فجأة؛ بل هي نتاج تراكم تنظيمي وتمثلات سابقة تبلورت عبر عقود من التجربة تحت مسمى “القيم على الخزانة المدرسية” ثم “الملحق التربوي”. يتناول هذا المقال بالتحليل هذه التمثلات القديمة مستنداً إلى المذكرات الوزارية المؤطرة (المذكرة رقم 199 لسنة 1991 والمذكرة رقم 187 لسنة 1992) ، ثم ينتقل إلى استشراف الآفاق الواعدة التي يفتحها النظام الأساسي الجديد في ضوء المرجعيات الوطنية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، دليل الحياة المدرسية). كما يقدم المقال دراسة مقارنة بين النموذج المغربي وثلاث نماذج مرجعية هي:
– الدليل الأوروبي لمهن المعلومات والتوثيق (ADBS)،
– التصنيف العربي المعياري للمهن (منظمة العمل العربية)،
– الإطار المرجعي لكفايات أمين المكتبة (المركز التربوي اللبناني)،
ويخلص المقال إلى ضرورة الانتقال من النص القانوني المجرد إلى إطار مرجعي مفصل للكفايات كمقترحات، وإلى إدراج تكوين أساسي ومستمر في علوم المكتبات والتوثيق، وإلى إرساء أخلاقيات مهنية واضحة، مع تقديم توصيات عملية.
لم تأت تسمية “المختص التربوي” في المرسوم رقم 2.24.140 من فراغ؛ بل هي وريثة لمسيرة طويلة من التراكم المؤسساتي والتجارب الميدانية عرفت تسميات متعددة: “القيم على الخزانة المدرسية” بموجب المذكرتين 199 و187 الصادرتين في بداية التسعينيات، ثم “الملحق التربوي” بموجب المرسوم السابق 2.02.854 الصادر سنة 2003، وصولاً إلى الصيغة النهائية “المختص التربوي” في النظام الأساسي الجديد. وإذا كانت المادة 15 من المرسوم قد أقرت صراحة مهمة “الإشراف على المكتبات المدرسية” كواحدة من أربع مهام أساسية، فإن استيعاب هذه المهمة في عمقها لا يمكن أن يتم دون العودة إلى تمثلات ما قبل التسمية الجديدة، أي إلى الكيفية التي كان ينظر بها إلى هذه الوظيفة والصلاحيات المرتبطة بها والممارسات الفعلية للقيمين على المكتبات والملحقين التربويين.
غير أن الوقوف عند هذه التمثلات فقط لا يكفي لفهم التحولات المطلوبة. فقد شهد العالم – والعالم العربي خاصة – تطورات كبرى في مجال مهن المكتبات والمعلومات، تمثلت في ظهور أدلة مرجعية وتصنيفات مهنية وأطر للكفايات تحدد بدقة مهام ومؤهلات أمناء المكتبات. من هنا، يتضمن هذا المقال دراسة مقارنة بين النموذج المغربي المستخلص من المرسوم 2.24.140 والمرجعيات الوطنية، وثلاث نماذج مرجعية هي الدليل الأوروبي لمهن المعلومات والتوثيق الصادر عن الجمعية الفرنسية للمعلومات والتوثيق والمحدث سنة 2009، والتصنيف العربي المعياري للمهن الصادر عن منظمة العمل العربية بآخر تحديث سنة 2008، والإطار المرجعي لكفايات أمين المكتبة الصادر عن المركز التربوي للبحوث والإنماء في لبنان سنة 2021.
تهدف هذه المقارنة إلى استخلاص فرص التحسين والتطوير التي يمكن إدماجها في الرؤية المغربية للمختص التربوي المشرف على المكتبة المدرسية، مع تقديم توصيات عملية لمواكبة التوجهات الدولية والعربية.
أولاً: تمثلات ما قبل التسمية الجديدة – “القيم على الخزانة المدرسية” و”الملحق التربوي”
تمثل المذكرة الوزارية رقم 199 الصادرة في 7 أكتوبر 1991، والمذكرة رقم 187 الصادرة في 16 دجنبر 1992 التي جاءت لتتميم الأولى وتقديم دليل “المكتبة المدرسية في خدمة التعليم”، الإطار التنظيمي الأول للمكتبات المدرسية وللمكلفين بها. وقد حملت هذه المذكرات تمثلات محددة يمكن إجمالها في عدة ملامح. أول هذه الملامح هو التبعية الإدارية الصارمة، حيث نصت المذكرة 199 على إحداث “مجلس الخزانة” بكل مؤسسة إعدادية وثانوية برئاسة السيد المدير وعضوية أفراد المجلس الداخلي والقيم على الخزانة وممثل جمعية الآباء، بحيث كان القيم جزءاً من هيكل هرمي ومجالس إدارية لا يتمتع فيها باستقلالية تذكر. أما الملمح الثاني فهو التركيز على الجانب الأمني والحفظي، حيث تضمنت المذكرات التأكيد على تتبع احترام النظام الداخلي وتفقد الكتب عند إعادتها للمحافظة عليها ومنع إعارة المواد المرجعية واستخدام الوسائل الأمنية لحماية الكتاب من السرقة، مما يجعل المكتبة في ذلك التصور بمثابة مخزن أكثر منها فضاء تربوياً.
أما الملمح الثالث فتمثل في الطابع الإداري المحض للمهام، التي اقتصرت على مسك سجلات الجرد وتسجيل الكتب وأعمال الفهرسة والتصنيف وإعداد بطاقات الإعارة، وهي مهام تقنية ضرورية لكنها لا ترتقي إلى مستوى الفعل التربوي. ورغم أن المذكرات ذكرت أنشطة مثل إنجاز مرشد القارئ وتنظيم معارض للكتب وتنظيم مسابقات ثقافية، إلا أن هذه الأنشطة كانت توصيات إضافية وليست مهام جوهرية أو إلزامية. أما الملمح الرابع فهو غياب رابط قوي بالمواكبة التربوية، حيث لم تكن هناك صلة عضوية بين إدارة المكتبة والعملية التعليمية التعلمية داخل الفصول، فالمكتبة كانت فضاء منفصلاً. والملمح الخامس والأخير هو دلالة التسمية نفسها، فـ”القيم” هو أمين على الممتلكات، وليس فاعلاً تربوياً بالمعنى الحديث للكلمة.
مع صدور المرسوم السابق 2.02.854 سنة 2003 وظهور تسمية “الملحق التربوي”، طرأ تحول جزئي في التمثلات، لكن المكتبة المدرسية ظلت في الغالب ثانوية. ويعود ذلك إلى تشتت مهام الملحق التربوي بين الإشراف على المكتبات والمختبرات والأنشطة ، وإلى ضعف التكوين الأساسي والمستمر في مجال علوم المكتبات والتوثيق، وإلى غياب آليات تقييم جادة لأداء الملحق التربوي في المكتبة، وإلى كون الملحقين التربويين غالبا كانوا يمارسون مهام إدارية كالحراسة وتنظيم الامتحانات والأعمال الكتابية على حساب المكتبة.
في كلا التمثلين، ظلت المكتبة المدرسية ثانوية في أحسن الأحوال أو مستغلة كارشيف ، والمكلف بها يُنظر إليه كموظف إداري، لا كفاعل تربوي محوري. وهذا ما يفسر الفجوة بين النصوص التنظيمية القديمة والطموحات التربوية الحديثة.
ثانياً: المرجعيات الوطنية الجديدة – التأسيس لتمثل مغاير
قبل الانتقال إلى الآفاق التي يفتحها المرسوم 2.24.140، لا بد من الإشارة إلى المرجعيات التي مهّدت لتحول جذري في النظرة إلى المكتبة المدرسية والمشرف عليها. فقد دعا الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض إلى استعمال التكنولوجيا للاستفادة من مصادر المعلومات وتجهيز المؤسسات بخزانات متعددة الوسائط، وأكدا على أن المكتبة المدرسية ليست ترفاً بل ضرورة لتحقيق الجودة. كما ربط المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم (2009-2012) المكتبة المدرسية بجودة الفضاءات التعليمية والحياة المدرسية، وأدرجها ضمن مشاريع تأهيل المؤسسات.
أما الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 فشكلت النقلة النوعية الكبرى. ففي الرافعة السادسة، نصت على “تمكين المؤسسات من البنيات التحتية والتجهيزات والفضاءات من مرافق تربوية وثقافية ومكتبات رقمية”. وفي الرافعة الثانية عشرة، أكدت على “إعادة الاعتبار للمكتبات المدرسية، ورقية ووساطية، وتوفير خزانات للموارد موجهة للمتعلمين والفاعلين في الحياة التربوية والثقافية”. وفي الرافعة الثالثة عشرة، شددت على “تمكين المؤسسات التعليمية من المكتبات، ورقية ورقمية، تعزيزاً للتمكن من القراءة والكتابة والتعبير”. لكن اللافت هو الرافعة التاسعة عشرة التي نصت على “تزويد المكتبات المدرسية بالأطر المتخصصة في التوثيق والتنشيط التربوي والثقافي”. هذه العبارة هي بمثابة البشارة بميلاد “المختص التربوي” كما نعرفه اليوم.
أما دليل الحياة المدرسية في نسخته المحينة، فأكد على أن المكتبة المدرسية أصبحت من المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها العملية التربوية برمتها، وجعل المكتبة فضاء منفتحاً على الأنشطة الثقافية والفنية والإبداعية، وليس مجرد وعاء لحفظ الكتب.
ثالثاً: الآفاق الواعدة في ظل النظام الأساسي الجديد (المرسوم 2.24.140)
مع صدور المرسوم رقم 2.24.140، انتقلنا من التمثلات القديمة إلى تمثل جديد للمختص التربوي، يمكن تلخيص آفاقه الواعدة في عدة تحولات كبرى. يتمثل التحول الأول في الانتقال من “القيم” إلى “المختص”، أي إضفاء الشرعية المهنية والاعتراف بالتخصص. فلأول مرة، يُذكر “إطار مختص تربوي” صراحة في النظام الأساسي إلى جانب أطر التدريس ومستشار التوجيه والمختص الاجتماعي (المادة 10)، والإشراف على المكتبات ليس عملاً إضافياً أو هامشياً بل هو قلب التخصص وواحدة من مهامه القانونية الأربع (المادة 15).
أما التحول الثاني فهو الانتقال من “الحفظ والتسيير” فقط إلى “التنشيط والمواكبة والتوثيق”. فالإشراف على المكتبة يندرج في سياق أوسع هو “المواكبة التربوية والتوثيق” (المادة 15، المهمة الأولى)، والمكتبة لم تعد غاية في حد ذاتها بل وسيلة وأداة لعملية المواكبة والتوثيق. ومن الآفاق الجديدة في هذا السياق: جعل المكتبة فضاء للتوثيق المؤسساتي بحفظ وتصنيف كل الإنتاجات التربوية للمؤسسة، وفضاء للتعلم الذاتي والبحث عبر تدريب التلاميذ على استعمال الفهارس وقواعد البيانات ومحركات البحث العلمي، والتوجه نحو المكتبة الرقمية والهجينة.
أما التحول الثالث فهو اندماج المكتبة في “مشروع المؤسسة”، حيث أن “الانخراط في تنزيل مشروع المؤسسة المندمج” هو أحد معايير تقييم الأداء السنوي (المادة 53). وهذا يعني أن المكتبة لم تعد طرفاً هامشياً، بل فاعلاً رئيسياً في مشروع المؤسسة من خلال محور الأنشطة الثقافية والقرائية. والتحول الرابع هو أن الإشراف على المكتبات أصبح دعامة للترقي المهني، فالنقطة المهنية المحصل عليها في التقييم السنوي تؤثر مباشرة في الترتيب للترقية بالاختيار (المادة 50).
أما التحول الخامس والأخير فهو تكامل الإشراف على المكتبة مع بقية المهام المنصوص عليها في المادة 15، بحيث تصبح المكتبة داعمة للمختبرات العلمية بتوفير مراجع علمية وأفلام وثائقية، وداعمة للأنشطة الموازية باحتضان معارض ومسابقات وأندية القراءة، وداعمة للمواكبة التربوية بتوفير وثائق عن صعوبات التعلم واستراتيجيات التدريس والممارسات التربوية الفضلى.
رابعاً: دراسة مقارنة بين النموذج المغربي والنماذج العربية والاوروبية.
1. الدليل الأوروبي لمهن المعلومات والتوثيق (ADBS – 2009)
يضم الدليل الأوروبي ثلاث عشرة مهنة نموذجية للمكتبات والمعلومات، منها مدير نظام المعلومات التوثيقي، والمكتبي، والوثائقي، والأستاذ الوثائقي، ومدير المعرفة، والمكلف باليقظة. وتندرج هذه المهن ضمن خمس مجموعات كبرى: المعلومات، والتكنولوجيا، والاتصال، والإدارة، ومعارف أخرى تطور بصيغة الويكي. يتميز هذا النموذج بتعدد التخصصات الدقيقة حيث لا يكتفي بوصف واحد كـ”أمين مكتبة”، بل يعترف بتخصصات متعددة مثل الوثائقي والأستاذ الوثائقي والمكلف باليقظة ومدير المعرفة. كما يبرز الربط بين المعلومات والتكنولوجيا والاتصال من خلال خريطة المهن التي تظهر تداخل هذه القطاعات الأربعة، مما يعكس الطابع المتعدد الأبعاد للمهنة.
من أهم نقاط القوة في النموذج الأوروبي الاهتمام باليقظة الاستراتيجية (Veille) كمهمة قائمة بذاتها، وهي مهمة تتعلق برصد المستجدات في مجال معين وتحليلها وتقديمها لصانعي القرار. كما يبرز النموذج الأوروبي “مدير المعرفة” (Knowledge Manager) كمهنة مستقلة، وهو ما يعكس التحول من إدارة الوثائق إلى إدارة المعرفة الضمنية والصريحة داخل المؤسسة.
عند مقارنة هذا النموذج بالنموذج المغربي، نجد أن الدليل الأوروبي يضم ثلاث عشرة مهنة متنوعة بينما يكتفي المرسوم 2.24.140 بإطار واحد هو “المختص التربوي” الذي يجمع مهام متعددة دون تمايز دقيق. كما نجد أن النموذج الأوروبي يعترف بـ”الأستاذ الوثائقي” الذي يجمع بين التخصص المكتبي والكفاءة التربوية، بينما لا يوجد ارتباط صريح بالتدريس في النموذج المغربي. واليقظة الاستراتيجية وإدارة المعرفة غائبتان تماماً عن مهام المختص التربوي في النص المغربي، رغم أن سياق المواكبة التربوية والتوثيق كان يمكن أن يستوعبهما.
من هنا، يمكن للنموذج المغربي أن يستفيد من الدليل الأوروبي باقتراح إدراج “الوثائقي” كتخصص فرعي داخل إطار المختص التربوي مع تكوين متخصص في تقنيات التوثيق الرقمي، وإدراج “اليقظة التربوية” ضمن مهام المختص التربوي خاصة في سياق مواكبة المستجدات البيداغوجية والمناهج الدراسية، وتطوير مناهج التكوين الأساسي لتشمل كفايات إدارة المعرفة وأنظمة المعلومات الوثائقية.
2. التصنيف العربي المعياري للمهن (منظمة العمل العربية – تحديث 2008)
يعتمد التصنيف العربي على التصنيف الدولي المعياري للمهن (ISCO-88) ويتكون من عشرة أقسام كبرى، من بينها القسم الثاني “الاختصاصيون”، والقسم الرابع “الكتبة”. تندرج مهن المكتبات والمعلومات تحت القسم الثاني في الفصل 2432 تحت عنوان “الاختصاصيون في المكتبات ومن إليهم من أخصائي المعلومات”، وتحت القسم الرابع في الفصل 414 تحت عنوان “كتاب المكتبات والبريد وما يرتبط بهم”.
يتميز هذا التصنيف بالتسلسل الهرمي الواضح الذي يفصل بين المستوى الجامعي (اختصاصيون) والمستوى دون الجامعي (كتبة). كما يحقق توحيد المفاهيم على المستوى العربي، مما يسمح بالمقارنة بين الأقطار العربية، ويعتمد رموزاً رقمية تسهل عملية التصنيف الإحصائي والتوظيف.
عند مقارنة هذا التصنيف بالنموذج المغربي، نجد أن المختص التربوي في المغرب يحمل شهادة جامعية (إجازة أو الإجازة المهنية) وفق المادة 39 من المرسوم، وهو ما يضعه ضمن فئة “الاختصاصيون” في التصنيف العربي. كما أن المرسوم 2.24.140 أحدث إطار “مساعد تربوي” (المادة 21) وهو الإطار دون الجامعي الذي يمكن أن يُسند له بعض المهام المكتبية البسيطة، مما يحقق نوعاً من الفصل بين المستويات. غير أن النموذج المغربي يقتصر على السياق الوطني، بينما التصنيف العربي يقدم تغطية عربية واسعة.
من فرص الاستفادة من هذا النموذج، الاقتداء بالتصنيف العربي لوضع تصنيف وطني مغربي للمهن يضم إطار “المختص التربوي” بشكل واضح ضمن فئة الاختصاصيين، مما يسهل عمليات الإحصاء والتخطيط للموارد البشرية. كما يساعد توحيد التسمية على المستوى المغاربي والعربي في تسهيل الاعتراف بالشهادات والتنقل المهني. ويمكن الاستناد إلى التصنيف العربي في مراجعة دليل المهام والكفايات لضمان الانسجام مع المعايير العربية والدولية.
3. الإطار المرجعي لكفايات أمين المكتبة (المركز التربوي اللبناني – 2021)
يُعد هذا الإطار أحدث النماذج العربية، إذ صدر سنة 2021، ويتضمن أربعة مجالات رئيسية للكفايات يندرج تحتها إحدى عشرة كفاية أساسية. المجال الأول هو “الممارسات المهنية المتخصصة” ويشمل كفايات إدارة المكتبة والإسهام في عملية التعليم والتعلم وتوثيق المعلومات واستخدام نظم المعلومات. والمجال الثاني هو “العلاقات المهنية” ويشمل مهارات التواصل الفعال والعلاقات الداخلية والخارجية والشراكات. والمجال الثالث هو “التطوير المهني المستمر” ويشمل كفايات تطوير الأداء وثقافة التطوير المهني والتفكير في إشكاليات المهنة. والمجال الرابع هو “الأخلاقيات المهنية” ويشمل القيم والمبادئ الأخلاقية وثقافة القانون.
يتميز هذا النموذج بالتفصيل الدقيق للكفايات، حيث يحدد لكل كفاية مكوناتها ومبيّناتها وهي سلوكيات مهنية قابلة للملاحظة والتقييم. كما يربط المكتبة بالعملية التعليمية التعلمية، معتبراً أمين المكتبة “شريكاً في العملية التعليمية التعلمية” وليس مجرد مسؤول تقني. ويهتم بشكل خاص بالتطوير المهني المستمر، مخصصاً مجالاً كاملاً له، مؤكداً على ثقافة التعلم مدى الحياة والتفكير التأملي. كما يوضح الكفايات المتعلقة بخصوصية المعلومات والملكية الفكرية واحترام الأنظمة، ويصر على استخدام نظم المعلومات وتفعيل التكنولوجيا في العمليات اليومية وفي التعليم والتعلم، ويشمل إنشاء شراكات مع المكتبات العامة وأمناء المكتبات الآخرين والمجتمع المحلي.
عند مقارنة هذا النموذج بالنموذج المغربي، نجد وجود فجوة كبيرة. فالمغرب في حاجة إلى إطار مرجعي مفصل للكفايات، حيث تبقى المادة 15 من المرسوم مقتصرة على أربع نقاط عامة دون تفصيل. كما أن دور أمين المكتبة في التدريس غير مذكور صراحة في النص المغربي، وإن كان يمكن استخلاصه ضمنياً من “المواكبة التربوية”. والتفكير التأملي والتطوير الذاتي مذكوران ضمنياً في المادة 53 من خلال عنصر “جودة الممارسات المهنية بما فيها استثمار التكوين المستمر”، لكن دون تفصيل. والعلاقات والشراكات الخارجية وردت في دليل الحياة المدرسية لكن دون تفصيل ادق. أما أخلاقيات المهنة، فالمادة 7 من المرسوم تذكر مبادئ عامة (الإنصاف، المساواة، الشفافية) والمادة 8 تنص على إعداد ميثاق لأخلاقيات المهنة لم يصدر بعد. والتقييم المبني على الكفايات غير موجود، إذ تحدد المادة 53 عناصر التقييم لكن دون ربط مباشر بكفايات خاصة بالمكتبة.
من هنا، يمكن للنموذج المغربي أن يستفيد من الإطار اللبناني باقتراح تبني المجالات الأربعة ذاتها (الممارسات المهنية المتخصصة، العلاقات المهنية، التطوير المهني المستمر، الأخلاقيات) وتكييفها مع السياق المغربي. كما يمكن تحويل المادة 15 من مجرد أربع مهام إلى إطار مرجعي للكفايات يضم لكل مهمة مكوناتها ومبيّناتها، فتصبح مهمة “الإشراف على المكتبات المدرسية” مفصلة إلى كفايات مثل تنظيم وممارسة التصنيف والفهرسة واستخدام نظم المعلومات المكتبية وتنشيط المكتبة ثقافياً.
أما من حيث جودة النصوص التشريعية، فقد كشفت القراءة التحليلية أن هذه النصوص قد تقادمت، فمنها ما يعود تاريخه إلى سنة 1989، وهي لا تزال مرجع لتسير المكتبات حتى اليوم دون تعديلات أو تجديدات تواكب التطور الحاصل في المنظومة، لا سيما ما تعلق بالتكنولوجيات الحديثة. والمهام المحددة لهذه الوظائف لم يطرا عليها تغيير . كما أن اللغة التي صيغت بها تحتاج الى التحديد الدقيق للمسميات.
هذا التشخيص يحمل دلالات مهمة، إذ يحذر من مخاطر بقاء النصوص القديمة (كالمذكرتين 199 و187) هي المرجع الأساسي للمكتبات المدرسية دون تحديث.
خامساً: كفايات المختص التربوي في الإشراف على المكتبة المدرسية – استخلاصات مقارنة
من خلال الجمع بين ما ورد في المرسوم 2.24.140 والمرجعيات الوطنية وما استُخلص من النماذج الأوروبية والعربية، يمكن صياغة كفايات متكاملة للمختص التربوي المشرف على المكتبة المدرسية، توزع على أربعة مجالات كبرى.
في مجال الممارسات المهنية المتخصصة، تشمل الكفايات المطلوبة إدارة المكتبة بكفاءة من خلال وضع خطط سنوية متناغمة مع مشروع المؤسسة، وإعداد الميزانية وتتبع النفقات، وتنظيم الوقت والمكان. وتشمل أيضاً إتقان توثيق المعلومات عبر استخدام نظام موحد للتوثيق الورقي والرقمي، وفهرسة المراجع وتصنيفها وفق نظام ديوي العشري أو ما يماثله، وإعداد الفهارس اليدوية أو الإلكترونية. وتشمل كذلك استخدام نظم المعلومات في العمل عبر تفعيل التكنولوجيا في العمليات اليومية، وتوفير برامج وتطبيقات تضمن سهولة الولوج إلى المواقع والمنصات الإلكترونية، وتوجيه المتعلمين إلى المصادر الرقمية المناسبة. وتشمل أخيراً الإسهام في عملية التعليم والتعلم من خلال تنظيم أنشطة تربوية داعمة، وتدريب المتعلمين على منهجية البحث الوثائقي، وتعزيز مهارات الاستقصاء والتفكير النقدي، وتحفيز المتعلمين على الابتكار والإبداع.
في مجال العلاقات المهنية، تشمل الكفايات المطلوبة إتقان التواصل الفعال مع مختلف الفاعلين، والتمتع بذكاء عاطفي في الممارسات المهنية، ونشر أنشطة المكتبة في مختلف وسائل التواصل المتاحة، وبناء علاقات إيجابية بين مختلف عناصر الحياة المدرسية، وتطوير شراكات بين المدرسة والمجتمع المحلي والتربوي، والتنسيق مع المكتبات العامة ومختصين مشرفين على المكتبات في المؤسسات التعليمية الأخرى، وإشراك المتعلمين في بحوث تهم المجتمع المحلي.
في مجال التطوير المهني المستمر، تشمل الكفايات المطلوبة التفكير في الأداء المهني واستخلاص الدروس المستفادة وتوثيق الخلاصات التي يتم التوصل إليها، وبناء خطة تطوير ذاتي تراعي المستجدات التربوية، وإظهار مهارات الباحث عبر المواظبة على المطالعة في مجال التخصص والمشاركة في الندوات والفعاليات التربوية، ودعم ثقافة التطوير المهني المستمر عبر تأمين فرص التدريب المتنوعة ووضع خطط تطوير أداء العاملين في المكتبة، وتقويم الأداء بناءً على مرجع كفاياتهم وتوصيف مهامهم.
في مجال الأخلاقيات المهنية، تشمل الكفايات المطلوبة تطبيق أخلاقيات المهنة عبر الحفاظ على خصوصية الآخرين والمعلومات المهنية، وأمانة نقل المعلومات، والالتزام بالقواعد التنظيمية في أخذ القرار، وتجسيد القيم والمبادئ الأخلاقية في جميع الممارسات والمواقف، عبر احترام التنوع الفكري والثقافي، وتقبل الآراء المطروحة بحيادية وموضوعية، ومراعاة الفروقات الفردية في التعامل مع المستفيدين، ونشر ثقافة القانون عبر الالتزام بتعليمات الوزارة الوصية والأنظمة الداخلية واحترام الملكية الفكرية.
انطلاقاً من التحليل أعلاه، يمكن صياغة مجموعة من التوصيات الموجهة لمختلف الفاعلين.
على مستوى صياغة الكفايات، يُوصى ببناء إطار مرجعي وطني لكفايات المختص التربوي المشرف على المكتبة المدرسية، يكون مفصلاً ومقسماً إلى مجالات وكفايات ومكونات ومبيّنات، اقتداء بالنموذج اللبناني والدليل الأوروبي. كما يُوصى بتحويل المادة 15 من المرسوم من مجرد أربع مهام عامة إلى إطار مرجعي مفصل، بحيث تصبح مهمة “الإشراف على المكتبات المدرسية” مشروحة في وثائق ملحقة تحدد كفاياتها ومؤشرات إنجازها.
على مستوى التكوين الأساسي والمستمر، يُوصى بإدراج وحدة تكوينية أساسية في “علوم المكتبات والتوثيق” ضمن التكوين الأساسي للمختصين التربويين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، تشمل التصنيف (ديوي وغيره)، والفهرسة الوصفية والموضوعية، ونظم إدارة المكتبات المتكاملة، والتوثيق الرقمي والأرشفة الإلكترونية، وتنشيط المكتبات والأنشطة الثقافية، وأخلاقيات المهنة والملكية الفكرية. كما يُوصى بتنظيم تكوينات مستمرة دورية للمختصين التربويين في المجالات التقنية والتنشيطية، واعتماد خطة فردية للتطوير المهني لكل مختص تربوي مشرف على مكتبة، تُصادق عليها الإدارة وتُقيّم سنوياً.
على مستوى أخلاقيات المهنة والقوانين، يُوصى بالإسراع بإصدار “ميثاق أخلاقيات المهنة” المنصوص عليه في المادة 8 من المرسوم، وجعله نافذاً، على أن يتضمن بوضوح احترام خصوصية المستفيدين، والنزاهة في نقل المعلومات، وعدم التمييز، واحترام الملكية الفكرية. كما يُوصى بالاستفادة من التصنيف العربي المعياري للمهن لوضع تصنيف وطني يحدد بوضوح موقع إطار “المختص التربوي” ضمن فئة الاختصاصيين، ومراجعة النصوص القديمة (كالمذكرتين 199 و187) وتحيينها لتتماشى مع متطلبات العصر الرقمي.
على مستوى التقييم والمواكبة، يُوصى ببناء أدوات تقويم أداء للمختصين التربويين خاصة بمهمة الإشراف على المكتبات، استناداً إلى نموذج الكفايات والمبيّنات، وإدراج التقييم الذاتي والتقييم من قبل المستفيدين (التلاميذ والأساتذة) كجزء من التقييم السنوي تطبيقاً لمبدأ تعدد المصادر. كما يُوصى بإنشاء شبكة وطنية للمختصين التربويين المشرفين على المكتبات لتبادل الخبرات والممارسات الجيدة، واعتماد نظام معلوماتي موحد (منصة رقمية) لتسيير المكتبات المدرسية، على غرار منظومة “مسار”.
على مستوى البحث والتطوير، يُوصى بإجراء دراسات ميدانية دورية لتقييم واقع الإشراف على المكتبات المدرسية من وجهة نظر المختصين التربويين أنفسهم، والاستفادة من الدراسات الأكاديمية المقارنة مثل الدراسة الجزائرية التي كشفت عن نسبة عجز كبيرة في مناصب الشغل المتخصصة، والعمل على تدارك ذلك في السياق المغربي.
لقد قطع الإشراف على المكتبة المدرسية شوطاً طويلاً منذ أيام “القيم على الخزانة” الذي كان يُنظر إليه كحارس لمخزن كتب، مروراً بـ”الملحق التربوي” الذي كانت مهامه مشتتة، وصولاً إلى “المختص التربوي” في النظام الأساسي الجديد. غير أن هذه النقلة القانونية، رغم أهميتها، تبقى غير كافية بمفردها. فالمراجعة المقارنة مع النماذج الأوروبية والعربية تكشف عن ثغرات واضحة في النموذج المغربي، لا سيما غياب إطار مرجعي مفصل للكفايات، وغياب تخصصات فرعية دقيقة كاليقظة وإدارة المعرفة، وضعف الصلة المعلنة بين المكتبة وعملية التدريس، وعدم تفصيل أخلاقيات المهنة بشكل كافٍ، وغياب أدوات تقويم أداء خاصة بالمكتبة.
إن مستقبل المكتبة المدرسية في المغرب مرهون بقدرة المختصين التربويين على تجاوز التمثلات القديمة والانخراط بوعي في بناء المكتبة المدرسية الجديدة: فضاءً للتعلم والبحث والإشعاع الثقافي، ودعامة أساسية لمشروع المؤسسة، ووسيلة لتحسين جودة التعلمات والحياة المدرسية. كما أنه مرهون بقدرة الإدارة المركزية على توفير التكوين المناسب والإطار المرجعي المفصل وأدوات التقييم العادلة، والاستفادة من التجارب العربية والدولية الرائدة في هذا المجال.
قائمة المراجع المعتمدة
النصوص التنظيمية والقانونية المغربية:
1. المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 13 شعبان 1445 هـ (23 فبراير 2024) بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية – الجريدة الرسمية عدد 7277.
2. المذكرة الوزارية رقم 199 الصادرة في 7 أكتوبر 1991 بشأن المكتبات المدرسية.
3. المذكرة الوزارية رقم 187 الصادرة في 16 دجنبر 1992 (تتميم للمذكرة 199) بشأن تنظيم وتسيير المكتبات المدرسية.
4. دليل “المكتبة المدرسية في خدمة التعليم” (وزارة التربية الوطنية).
5. الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
6. المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم (2009-2012).
7. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.
8. دليل الحياة المدرسية – وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (مديرية الحياة المدرسية).
النماذج المرجعية المقارنة:
9. الدليل الأوروبي لمهن المعلومات والتوثيق – الجمعية الفرنسية للمعلومات والتوثيق (ADBS)، التحديث 2009.
10. التصنيف العربي المعياري للمهن – منظمة العمل العربية (آخر تحديث 2008).
11. الإطار المرجعي لكفايات أمين المكتبة – المركز التربوي للبحوث والإنماء – لبنان، 2021.
المراجع الأكاديمية والدراسات:
15. عليان، ربحي مصطفى. المكتبة المدرسية. عمان: دار صفاء للنشر والتوزيع، 2014 (الطبعة الثانية).
16. خضير، مؤيد يحيى. المكتبة الحديثة: الإلكترونية، الرقمية، الافتراضية. عمان: دار دجلة، 2014.
17. سللي، عباد؛ كامل، وفاء. المكتبة المدرسية بالنظام التعليمي المغربي: دراسة تشخيصية من خلال دراسة حالة مديرية إقليمية.
18. دحمان، مجيد. مقتضيات تكنولوجيا المعلومات وآثارها على التكوين في ميدان المكتبات والمعلومات. ورقة عمل مقدمة في مؤتمر عنابة، 2011.
19. Cohen, S., Poitras, I., Mickens, K., & Shirali, A. Roles of the School Librarian: Empowering Student Learning and Success. Northeast Comprehensive Center, 2019.
20. Hallinger, P. A conceptual framework for systematic reviews of research in educational leadership and management. Journal of Educational Administration, 2013.
21. Perrenoud, P. Développer la pratique réflexive dans le métier d’enseignant. Paris: ESF, 2010.
22. Poumay, M., Tardif, J., & Georges, F. Organiser la formation à partir des compétences. Deboeck, 2017.
23. Tardif, J. L’évaluation des compétences : Documenter le parcours de développement. Chenelière Education, 2006.
* مختص تربوي
اترك تعليقاً