وجهة نظر

من الانفصال إلى الإرهاب: هل حان وقت تصنيف البوليساريو تنظيماً إرهابياً؟

لم تعد جبهة البوليساريو اليوم مجرد عنوان لنزاع إقليمي طال أمده، ولا مجرد ملف سياسي مؤجل داخل رفوف الأمم المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، بل تحولت تدريجيا إلى أحد أكثر الأسئلة الأمنية إرباكا في منطقة الساحل والصحراء. فخلف الخطاب الانفصالي التقليدي، بدأت تتشكل ملامح واقع أكثر خطورة وتعقيدا، تختلط فيه حسابات الجغرافيا السياسية بشبكات السلاح والفوضى والتنظيمات العابرة للحدود. ولم يعد السؤال المطروح دوليا هو فقط: كيف يمكن تسوية هذا النزاع؟ بل أصبح سؤالا أكثر عمقا وقلقا: إلى أي حد تحولت البوليساريو من حركة تدعي “التحرر” إلى فاعل يهدد الأمن الإقليمي، ويقترب تدريجيا من المنطقة الرمادية الفاصلة بين الانفصال والإرهاب؟

فالتحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة، من انهيار دول، وانتشار الجماعات المتطرفة، وتوسع شبكات التهريب والسلاح، والاتجار بالبشر، أعادت رسم خريطة التهديدات الأمنية في إفريقيا، وجعلت المجتمع الدولي أكثر حساسية تجاه التنظيمات المسلحة غير النظامية، خصوصا تلك التي تتحرك خارج أي رقابة قانونية أو مساءلة دولية.

وفي هذا السياق، لم يعد ممكنا فصل جبهة البوليساريو عن البيئة الأمنية المضطربة التي أصبحت تنشط داخلها، ولا عن شبكة العلاقات والارتباطات التي نسجتها خلال السنوات الأخيرة مع جماعات وعناصر متطرفة تنتمي إلى فضاء الساحل والصحراء.

فالهجوم الذي استهدف مدينة السمارة منذ أسبوعين شكل نقطة تحول جديدة في طبيعة التعاطي الدولي مع الجبهة، بسبب خطورة استهداف المدنيين بالدرجة الأولى، وأيضا بسبب حجم الإدانات الدولية الصريحة التي أعقبته.

فالولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وجمهورية التشيك….، إضافة إلى منظمات دولية مختلفة، لم تكتف هذه المرة بالدعوة إلى “ضبط النفس”، بل أدانت بشكل واضح الهجمات المنسوبة إلى البوليساريو، واعتبرت أن التصعيد العسكري يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، ويقوض جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إيجاد حل سياسي دائم للنزاع.

والأهم من ذلك أن أغلب هذه المواقف لم تعد تتحدث فقط عن “حل سياسي”، بل أصبحت تربط هذا الحل بشكل مباشر بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في انسجام واضح مع قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي عزز مرة أخرى مركزية المبادرة المغربية باعتبارها الحل الواقعي والجدي لطي الملف نهائيا.

كما أن التطورات الأخيرة في منطقة الساحل، وخاصة في مالي، أعادت طرح أسئلة محرجة حول طبيعة التحالفات غير المعلنة التي تتحرك داخل هذا الفضاء المضطرب. فبعد الاعتراف الرسمي لجمهورية مالي بمغربية الصحراء، شهدت البلاد تصعيدا أمنيا خطيرا وعمليات مسلحة وصفت بأنها الأخطر منذ عقود، في ظل اتهامات متزايدة بوجود تداخل بين الجماعات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود. ولم يعد خافيا أن منطقة الساحل أصبحت مجالا مفتوحا لتحالفات هجينة تجمع بين الانفصال، والإرهاب، والاتجار بالسلاح والبشر، والولاءات الإقليمية المتشابكة، وهو ما يجعل أي تساهل مع الكيانات المسلحة غير النظامية تهديدا مباشرا لأمن الدول واستقرارها.

هذا التحول ليس معزولا عن السياق الدولي العام، الذي أصبح فيه المجتمع الدولي أكثر تشددا تجاه الكيانات المسلحة التي توظف الخطاب السياسي لتبرير العنف. فالتجارب الحديثة، سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا، أظهرت أن العديد من التنظيمات بدأت بخطاب “تحرري” أو “انفصالي”، قبل أن تتحول تدريجيا إلى أدوات للفوضى الإقليمية، وواجهات لشبكات الإرهاب والاتجار غير المشروع.

ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة قراءة طبيعة جبهة البوليساريو بعيدا عن الخطاب الدعائي التقليدي، وبالاستناد إلى الوقائع الأمنية الميدانية. فالمعسكرات الموجودة في تندوف التي تتذرع بكونها مخيمات للاجئين، أصبحت موضوع تقارير وتحذيرات متزايدة بسبب هشاشة الوضع الأمني داخلها، وغياب الإحصاء الرسمي لعدد السكان بها، وانتشار اقتصاد مواز مرتبط بالتهريب والسلاح، إضافة إلى اتهامات متكررة بتجنيد القاصرين واستغلال المحتجزين سياسيا وإنسانيا.
كما أن عددا من التقارير والدراسات الأمنية الدولية أشارت خلال السنوات الماضية إلى وجود تداخل بين بعض عناصر البوليساريو والتنظيمات الإرهابية الناشطة في الساحل، خصوصا في شمال مالي والنيجر. ويظل اسم عدنان أبو الوليد الصحراوي، القائد السابق لتنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”، من أبرز الأمثلة التي يُستشهد بها في هذا السياق، باعتباره خرج من بيئة المخيمات قبل أن يتحول إلى أحد أخطر المطلوبين دوليا.

كما أن هذا النقاش لم يبقى حبيس الدوائر الأكاديمية أو الأمنية فقط، بل انتقل بشكل واضح إلى المجال السياسي الغربي. ففي الولايات المتحدة، برزت دعوات من داخل الكونغرس لتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية بسبب ارتباطاتها المقلقة في منطقة الساحل. كما تعالت أصوات سياسية وبرلمانية أوروبية تحذر من استمرار التساهل مع تنظيم مسلح يتحرك خارج منطق الدولة والقانون، في منطقة أصبحت توصف بأنها إحدى أخطر بؤر الإرهاب في العالم.
وإذا كان المجتمع الدولي قد أدرك متأخرا خطورة جماعات مثل “بوكو حرام” و”أنصار الدين” و”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، فإن المؤشرات الحالية تدفع نحو ضرورة التحرك المبكر قبل أن تتحول البوليساريو إلى نسخة أخرى من التنظيمات التي استفادت طويلا من الغموض السياسي قبل أن تنكشف طبيعتها الأمنية الحقيقية.

إن المطالبة بتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية تنطلق من منطق حماية الأمن الجماعي، خصوصا في منطقة الساحل التي أصبحت تعيش على وقع تمدد غير مسبوق للجماعات المسلحة. فالعالم اليوم يقيس التنظيمات بطبيعة أفعالها، وبمدى احترامها للقانون الدولي، وبعلاقاتها وتحالفاتها الميدانية.
وإذا كانت الجبهة قد اختارت منطق السلاح، واستهداف المدنيين، والتصعيد العسكري، والانخراط في بيئة إقليمية متطرفة، فإنها لا يمكن أن تستمر في الاستفادة من الحصانة السياسية التي كانت تتمتع بها لعقود تحت غطاء “النزاع السياسي”.

لقد دخل الملف مرحلة جديدة بالكامل.
مرحلة لم يعد فيها السؤال: “هل هناك حل سياسي؟”
بل أصبح السؤال الحقيقي: “إلى متى سيستمر المجتمع الدولي في التساهل مع تنظيم مسلح يهدد الاستقرار الإقليمي تحت غطاء الانفصال؟”
وفي المقابل، يزداد الطرح المغربي قوة ومصداقية، باعتباره مشروعا للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مدعوما بقرارات أممية متتالية، وباعترافات دولية متنامية، وبمقاربة تنموية وأمنية جعلت الأقاليم الجنوبية نموذجا للاستقرار في منطقة تعيش على وقع الانفجارات الأمنية والانقلابات والفوضى المسلحة.

إن العالم، وهو يواجه اليوم أخطر موجات الإرهاب العابر للحدود، مطالب بأن يتحلى بالوضوح نفسه في التعاطي مع كل التنظيمات المسلحة، دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير. لأن التساهل مع التطرف في بداياته، غالبا ما يتحول لاحقا إلى ثمن أمني وسياسي تدفعه المنطقة بأكملها.

منسق شمال إفريقيا بمجلس الشباب العربي الإفريقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *