أزيلال بين واقع التهميش ورهانات الانتخابات
يقاسي إقليم أزيلال عموماً، ومدينة دمنات خصوصاً، أوضاعاً تتميز بالهشاشة والتهميش والإقصاء الناتج عن تراكم اختلالات بنيوية متجذرة على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والترابية. فرغم تعاقب مجالس منتخبة دأبت على إعداد برامج العمل والبرامج التنموية التي استهدفت المنطقة منذ فجر الاستقلال إلى اليوم، فإن المؤشرات والأرقام التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، والمستخلصة من الإحصاء العام للسكان لسنة 2024، تؤكد استمرار الهشاشة بمختلف أصنافها وتزايد مظاهر التهميش والإقصاء المجالي، وهو ما يتضح بشكل جلي في ضعف البنيات التحتية الأساسية المتعلقة بخدمات مثل التعليم والصحة والنقل بسبب الخصاص المهول في التجهيزات العمومية والموارد البشرية.
وقد نتج عن هذا الوضع الهش رداءة الخدمات المقدمة للمواطنين في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والنقل، في حالة توفرها، حيث نال العالم القروي والمناطق الجبلية النصيب الأكبر من هذه الوضعية. كما ساهم ذلك في تكريس الفوارق المجالية بين المركز والهامش بشكل يتناقض كلياً مع العدالة المجالية القائمة على الإنصاف الترابي، وهو ما عمق الإحساس بالحرمان والحيف لدى فئات واسعة من الساكنة.
إن واقع التهميش والهشاشة الذي يرزح تحته إقليم أزيلال لا يمكن عزله عن سياق السياسات العمومية والقطاعية التي لا تزال تنهل من الأيديولوجية الاستعمارية القائمة على تقسيم المغرب إلى مناطق جذب اقتصادي تنتمي إلى المغرب النافع، مقابل مناطق التهميش، حيث تعكس هذه النظرة استمرار مقاربة تنموية تمنح الأولوية للمجالات الترابية ذات المردودية الاقتصادية العالية على حساب المناطق الهامشية والأقل جاذبية للاستثمار. فقد ساهمت السياسات العمومية في تكريس التفاوت المجالي، ما جعل مناطق مثل إقليم أزيلال تحتل موقعاً هامشياً ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة.
وقد ساهم في أزمة الهشاشة هذه واقع التدبير المحلي للشأن العام الترابي، حيث ما فتئت تقارير المجلس الجهوي للحسابات تكشف عن واقع تدبيري متسم بالاختلال وسوء التدبير على مختلف المستويات، خصوصاً المالية منها، من طرف المجالس المنتخبة بمختلف أصنافها. ناهيك عن تقاعس الفاعل الترابي المعين عن أداء أدواره الفاعلة، سواء تلك المتعلقة بممارسة الرقابة على مقررات المجالس المنتخبة، أو المتعلقة بتفعيل آليات التنسيق، سواء في رسم السياسات العمومية الترابية أو تنفيذها أو تقييمها، وكذلك فيما يتعلق بعقود الشراكة والتنسيق بين هذه المجالس وكل من القطاع الخاص والمصالح اللاممركزة. فضعف الحكامة الترابية، وعدم نجاعة آليات التخطيط الاستراتيجي، وغياب المقاربة التشاركية الحقيقية في تدبير الإشكالات التنموية، كلها عوامل ساهمت في تعثر العديد من المشاريع الترابية بالإقليم وعدم تحقيقها للأهداف المتوخاة منها. كما ساهمت محدودية آليات المساءلة والمحاسبة وعدم فعاليتها في استمرار أنماط تدبيرية فشلت في الاستجابة الفعالة والناجعة لحاجيات الساكنة وتطلعاتها.
ومما زاد الأمر تعقيداً أن المشهد السياسي المحلي في الإقليم عموماً، ومنطقة دمنات خصوصاً، ظل حبيس هيمنة وسيطرة نخب تقليدية رسخت حضورها السياسي والتدبيري لعقود طويلة داخل المجالس المنتخبة. وهذه النخب ساهمت عوامل قانونية في استمرارها، تتجلى في عدم استجابة المشرع للدعوات القاضية إلى تشديد شروط الترشح، بحيث لا يعقل أن يُعهد، تحت مبرر الديمقراطية، لأشخاص أميين أو غير ملمين بكل ما له ارتباط بالمجال التنموي والاقتصادي، وبعملية التخطيط الاستراتيجي والتسويق الترابي أو المالي أو القانوني، بتدبير مجال ترابي يتطلب نخبا قادرة على تحقيق الإقلاع التنموي بالمنطقة. بل تحول هؤلاء، في نظر جزء مهم من الساكنة، من فاعلين يفترض أن يساهموا في حل المشكلات التنموية إلى جزء من المشكلة نفسها، بسبب ضعف قدراتهم على تقديم بدائل تنموية حقيقية تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة. وقد ساهم ذلك في تراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة واتساع الفجوة بين المواطنين والفاعلين السياسيين والإداريين.
وأمام استمرار هذه الاختلالات، شهد إقليم أزيلال خلال السنوات الأخيرة تنامياً للحركات الاحتجاجية التي يقودها جيل جديد من الشباب، خصوصاً في العالم القروي، الذي بات يوظف وسائل التواصل الاجتماعي وآليات التعبئة الرقمية للتعبير عن مطالبه التنموية والاجتماعية، مثل الاحتجاجات الأخيرة لساكنة عدد من الدواوير التابعة لجماعة تفني بإقليم أزيلال، لحث السلطات المعنية على الاستجابة لمطالب وحقوق أساسية تهم الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق معبدة وماء صالح للشرب. وتعد احتجاجات آيت بوكماز الأخيرة مثالاً واضحاً لهذه الدينامية الاحتجاجية الجديدة التي سلطت الضوء على مطالب ساكنة العديد من المناطق بالإقليم والمتعلقة عموماً بفك العزلة وتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز العدالة والإنصاف المجالي والترابي، حيث كشفت عن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي حول التنمية وبين الواقع المعيش للسكان بالإقليم.
غير أن هذه الحركات الاحتجاجية، وعلى الرغم من انطلاقها من مطالب اجتماعية وتنموية مشروعة تعكس حجم التهميش والإقصاء الذي تعانيه منطقة إقليم أزيلال، لم تكن بمنأى عن محاولات التوظيف السياسي والانتخابي من قبل بعض الأحزاب السياسية وبعض المنتخبين المحليين. ولنا أن نتذكر الاحتجاجات التي عاشت مدينة دمنات على وقعها خلال فترة التسعينيات، والتي قادها حينها حزب محسوب على المعارضة، حيث وظفها هذا الحزب للتأثير على اختيارات الناخب المحلي، وهو ما تم فعلاً، إذ تمكن ممثلون عنه من ولوج المجلس الجماعي. ففي منطقة يغلب على بنيتها الطابع القبلي والانفعالي العاطفي، غالباً ما تشكل الاحتجاجات الاجتماعية، بل وحتى المهرجانات الموسمية المحلية المنظمة من طرف بعض الشخصيات الحزبية، مجالاً للتنافس السياسي، حيث تسعى بعض الأحزاب السياسية والفاعلون السياسيون إلى استثمار حالة السخط الشعبي أو الانفعال العاطفي من أجل تعزيز مواقعهم داخل المشهد السياسي وحصد عدد من الأصوات الانتخابية، أو توظيفها كورقة ضغط في مواجهة الخصوم السياسيين. كما تزداد وتيرة هذا التوظيف والاستغلال السياسي، الذي يبلغ ذروته وحدته مع اقتراب موعد كل استحقاق انتخابي.
وفي هذا السياق، ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 23 شتنبر 2026، بات يُنظر إلى بعض أشكال التعبئة المصاحبة لهذه الاحتجاجات ضد الأوضاع الهشة بالمنطقة باعتبارها جزءاً من الرهانات الانتخابية التي تهدف، من خلالها، بعض الأحزاب والشخصيات السياسية إلى توجيه نقد شديد للسياسات العمومية والقطاعية عموماً، والترابية خصوصاً، وهو ما وصل ببعض الشخصيات المحسوبة على أحزاب الأغلبية الحكومية إلى تحميل مسؤولية الفشل للجهات المشرفة على تدبير الشأن العام الوطني والترابي، رغم أن أحزابها تعد جزءاً ممن يتحملون وزر الهشاشة والتهميش والإقصاء الذي تعاني منه المنطقة منذ سنوات طويلة. كما أن هذا الحزب نفسه سيطر على المجالس المنتخبة الترابية لعقود لا بأس بها، لكنه صار اليوم يتستر تحت لباس المعارضة بما يسمح له باستقطاب الناخبين وتعزيز حضور حزبه داخل المجالس الترابية بالمنطقة. كما أن بعض المنتخبين المحليين يعملون على تقديم أنفسهم كوسطاء بين الساكنة والسلطات العمومية من أجل حلحلة بعض الملفات المرتبطة بدوافع الاحتجاج، في محاولة منهم لتعزيز شرعيتهم السياسية وكسب دعم انتخابي إضافي.
ومع ذلك، فإن اختزال هذه الاحتجاجات في بعدها الانتخابي فقط، دون استحضار الأسباب الحقيقية الدافعة إلى إشعال شراراتها، يبقى أمراً غير منصف، لأن جوهرها يظل دائماً مرتبطاً بمطالب اجتماعية واقتصادية ومجالية مشروعة، نابعة من واقع التهميش والهشاشة والإقصاء، ومن فشل السياسات العمومية والقطاعية في خلق مجال ترابي تنموي قادر على الاستجابة لحاجيات السكان. وإن تم التركيز على واقع التوظيف السياسي لهذا الواقع الهش، فإن ذلك لا ينفي مسؤولية كل الفاعلين الترابيين، سواء كانوا معينين أو منتخبين أو من القطاع الخاص، في تحمل مسؤوليتهم القانونية والوطنية عما آل إليه الإقليم من أوضاع مزرية صارت مجالاً خصباً للتوظيف السياسي والانتخابي.
اترك تعليقاً