هندسة الانتقال الاستراتيجي في المغرب .. توافقات خارج صناديق الاقتراع
تشكل عمليات انتقال الحكم والسلطة في الدول ذات الجذور التاريخية العميقة والشرعيات المتشابكة لحظات دقيقة ومفصلية تختبر صلابة المؤسسات، ومرونة التحالفات، وقدرة النظام السياسي على استباق التحولات واستيعابها. في بلادنا، لا يُفهم مفهوم “الانتقال” بوصفه مجرد تغيير بيولوجي أو دستوري في قمة هرم الدولة، بل كعملية إعادة هندسة شاملة للتموقعات الاستراتيجية، ولطبيعة “التعاقد” أو “الصفقة السياسية” التي تربط المؤسسة الملكية بنخب المرحلة. إن استقراء التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا يبرز بشكل جلي أن كل مرحلة انتقال رافقها توافق سياسي عميق، تمت صياغته بدقة متناهية خلف الأبواب المغلقة قبل أن يخرج للعلن في شكل حكومات أو سياسات عمومية.
واليوم، والمغرب يقف على أعتاب تحضيرات استراتيجية لانتقال سلس وآمن للحكم من الملك محمد السادس إلى ولي عهده الأمير الحسن، الذي سيحمل اسم الملك “الحسن الثالث”، تبرز الحاجة الماسة إلى صياغة “صفقة سياسية” جديدة. غير أن هذه الصفقة تختلف جذريا في سياقاتها، وأدواتها، والفاعلين فيها عن تلك التي هندسها الملك الراحل الحسن الثاني مع المعارضة اليسارية في تسعينيات القرن الماضي. سنقدم هذه المقالة البحثية تحليلا شاملا ومفصلا، يفكك السياقات التاريخية لانتقالات الحكم في بلادنا، والرهانات الجيوسياسية الحالية، والتحولات السوسيولوجية والاقتصادية التي تفرض صياغة هذا التوافق الجديد، مع استشراف ملامح النخبة القادرة على مرافقة الملكية في المرحلة القادمة وسط بيئة دولية وإقليمية تتسم بالاضطراب والمنافسة الشرسة.
1. المرجعية التاريخية: صفقة “التناوب التوافقي” وتأمين العرش في سياق محتقن
لفهم طبيعة التوافق المطلوب صياغته اليوم، لا بد من العودة التحليلية المعمقة إلى المرجعية التاريخية الأبرز في التاريخ السياسي الحديث لبلادنا، والمتمثلة في ولادة حكومة “التناوب التوافقي” أو ما سُمي بـ “حكومة القسم” سنة 1998، حيث لم تكن تلك الحكومة مجرد تعديل في التشكيلة الوزارية، بل كانت آلية استراتيجية هندسها الملك الراحل الحسن الثاني لغايات أعمق بكثير من مجرد إشراك المعارضة في تدبير الشأن العام؛ لقد كانت صفقة سياسية متكاملة الأركان لتأمين انتقال العرش إلى ولي عهده الشاب آنذاك، الملك محمد السادس، في ظل بيئة سياسية واقتصادية محلية محتقنة:
1.1. السياق التاريخي الدقيق وقسم الوفاء المغلق
أدرك الملك الراحل الحسن الثاني، بفعل معاناته مع المرض العضال، أن نهاية عهده قد اقتربت. وفي بيئة سياسية وإقليمية متقلبة، كان التحدي الأكبر أمامه هو ضمان انتقال سلس للسلطة يجنب البلاد هزات سياسية واجتماعية قد تعصف بالاستقرار. لذلك، اتخذ قرارا تاريخيا باستدعاء المعارض والقيادي اليساري البارز في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الراحل عبد الرحمن اليوسفي.
لم يكن الملك في تلك اللحظة التاريخية الدقيقة يطلب “رأس” المعارض لتصفيته كما كان الحال في عقود الصراع والمواجهة خلال الستينيات والسبعينيات، بل كان يطلب “عقله” وحكمته لإيجاد مخرج سياسي آمن للبلاد. لقد علم الملك أن اليساري اليوسفي الذي كان صادقا ومستميتا في معارضته، سيكون بالقدر نفسه صادقا ووفيا في حماية العرش وصيانته بعد رحيله، تأمينا لولي العهد الشاب.
تجسد هذا التعاقد في مشهد تاريخي بالغ الدلالة، حيث وُضع المصحف الشريف بين الملك الحسن الثاني واليوسفي، وأقسما معا على خدمة البلد والوفاء للعهد والتعاون المشترك. غير أن التحليلات السياسية العميقة والمصادر التاريخية تشير إلى أن الراحلين أقسما على بنود وتفاهمات لم تخرج جميعها للعلن؛ كان جوهرها هو القبول بشروط اللعبة السياسية التي تضع المؤسسة الملكية فوق كل اعتبار، وتأمين انتقال الحكم بشكل هادئ، مقابل إشراك حقيقي للمعارضة في السلطة التنفيذية.
1.2. إرث “سنوات الرصاص” وتعثر الاستثمار الدولي
لم يكن السياق الذي فرض حكومة التناوب سياسيا فحسب، بل كان سياقا مثقلا بإرث دموي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وهي المرحلة التي عُرفت بـ “سنوات الرصاص”. لقد ألقت هذه السنوات بظلالها القاتمة على صورة بلادنا، خاصة مع بقاء ملفات شائكة مفتوحة ومحط إدانة دولية، لعل أبرزها الاغتيال السياسي الغامض للمعارض البارز المهدي بن بركة في باريس سنة 1965، واغتيال القيادي النقابي والسياسي عمر بنجلون سنة 1975. و هذه الملفات، إلى جانب الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري، عبئا أخلاقيا وسياسيا ثقيلا على كاهل الدولة.
على المستوى الاقتصادي، أدى هذا السجل الحقوقي المتردي إلى نتائج كارثية؛ حيث تعثر الاستثمار الدولي بشكل ملحوظ، وأحجمت رؤوس الأموال الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية عن الدخول في شراكات استراتيجية مع دولة تواجه انتقادات يومية من منظمات حقوق الإنسان العالمية. كان الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، يربط تعاونه الاقتصادي بمدى تقدم مسار الدمقرطة واحترام حقوق الإنسان. من هنا، كانت صفقة التناوب التوافقي وتعيين اليوسفي رسالة طمأنة للخارج قبل الداخل؛ رسالة مفادها أن المغرب يطوي صفحة الماضي، مما مهد الطريق لعودة الثقة الدولية وتدفق الاستثمارات.
2. الانتقال الأول: تأمين عهد الملك محمد السادس وتصفية التركات
بمجرد انتقال الحكم بسلاسة إثر وفاة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999، انطلقت المرحلة الثانية من الصفقة السياسية، والتي قادها الملك الجديد محمد السادس، حيث كان الرهان هو ترسيخ شرعية العهد الجديد عبر إحداث قطائع هيكلية مع رموز المرحلة السابقة وأساليبها، مع الحفاظ على الاستمرارية المؤسساتية للدولة:
2.1. تصفية تركة إدريس البصري وصعود “رفاق المدرسة المولوية”
كان لا بد للعهد الجديد أن يُثبت اختلافه واستقلاليته، حيث تجسد ذلك في قرار بالغ الأهمية تمثل في الإقالة السريعة لوزير الداخلية القوي، إدريس البصري، بعد أشهر قليلة فقط من اعتلاء الملك محمد السادس العرش، وتحديدا في نونبر 1999. لم تكن إقالة البصري مجرد إعفاء إداري، بل كانت إعلانا رسميا بإنهاء حقبة أمنية ثقيلة طغت على الفضاء العام وتحكمت في مفاصل الدولة والإعلام، وتدشينا لمسار جديد من الانفتاح.
في المقابل، بدأ المواطنون يتعرفون على وجوه جديدة من المسؤولين السامين، وهم فريق العمل الذي أحاط بالملك محمد السادس، والذي تشكل أساسا من رفاق طفولته وشبابه ودراسته في المدرسة المولوية، فبرزت أسماء مثل فؤاد عالي الهمة، الذي تم إعداده مسبقا ليكون اليد اليمنى للملك، حيث أُدمج في دواليب وزارة الداخلية لفهم آليات “أم الوزارات” من الداخل قبل أن يتولى أدوارا قيادية في العهد الجديد. لقد صاغ هذا الفريق مفهوما جديدا للسلطة، مبنيا على احترام اختلافات الأجيال كما صرح الملك محمد السادس نفسه، حيث عمل على إبعاد الملكيات عن التورط في انتهاكات الماضي وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة لطي صفحة الانتهاكات بشكل مؤسساتي.
2.2. ملف الإسلاميين واستراتيجية الإدماج التدريجي
إلى جانب تصفية تركة سنوات الرصاص، واجه العهد الجديد تحديا سوسيولوجيا وسياسيا عميقا تمثل في تنامي قوة التيارات الإسلامية، وبدلا من سياسة الإقصاء الجذري التي اتبعتها دول عربية أخرى، هندس نظام الحكم صفقة سياسية ضمنية لاحتواء هذا المكون عبر إدماجه التدريجي في المؤسسات والعملية السياسية. بدأ هذا المسار بالسماح لمكونات من الحركة الإسلامية (حركة التوحيد والإصلاح) بالاندماج في حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، والذي تحول لاحقا إلى حزب العدالة والتنمية عام 1998.
كان الهدف من إدماج الإسلاميين الإصلاحيين داخل اللعبة السياسية هو تجديد التوافق حول قواعد اللعبة طبقاً للشروط التي تمليها الملكية، وتقوية الإجماع حول المكانة السياسية والدينية للمؤسسة الملكية باعتبار الملك “أمير المؤمنين”. لقد شكل هذا الإدماج صمام أمان امتص الاحتقان الاجتماعي، وجعل الإسلاميين يشاركون في تحمل تبعات ونتائج التدبير الحكومي، مما أفقدهم جزءا من جاذبيتهم الخطابية الراديكالية المعارضة، كما وقع مع اليسار من قبل، وهو ما اتضح جليا في مساندتهم النقدية لحكومة التناوب ثم مشاركتهم لاحقا في قيادة الحكومات بعد حراك 2011.
3. السياق الراهن: الاستعداد لعهد “الحسن الثالث” وتقاطعات النفوذ
اليوم، تقف بلادنا مجددا أمام استحقاق الانتقال الاستراتيجي للحكم من الملك محمد السادس إلى ولي عهده الأمير الحسن، ورغم أن هذا الانتقال محسوم بيولوجيا ودستوريا ولا تعتريه أية عقبات قانونية، إلا أن التفاصيل الدقيقة للسياق المحيط به تختلف جذريا عن مرحلة 1999:
3.1. التكوين المولوي ومسار إعداد الملك المستقبلي
لم يُترك إعداد الأمير الحسن للصدفة، فقد سار على نهج والده وجده في تلقي تكوين صارم داخل أسوار “المدرسة المولوية”، التي تُعد المعمل الأول لإنتاج النخب المرافقة للملك. ومنذ عام 2013، شرع ولي العهد في المشاركة الفعالة إلى جانب والده في الأنشطة الرسمية والمحافل الدولية المعقدة. لا يُعد هذا الحضور مجرد تمرين بروتوكولي، بل هو مصاحبة هادئة وتكوين متدرج يتيح لولي العهد الانغماس في تفاصيل الدولة، وفهم مفاصلها ومنطقها الداخلي ورجالاتها، ومقاربة تعقيداتها من موقع الملاحظة والمواكبة الحية لكيفية اتخاذ القرار وموازنة السلطة. إن هذا المسار يضمن أن يعتلي الملك المستقبلي، الذي سيحمل اسم “الحسن الثالث”، العرش وهو ملم بكافة الملفات الاستراتيجية.
3.2. تدافع الأطراف وهندسة الحكم القادم
غير أن التحدي الحقيقي في هذا الانتقال يكمن في البيئة المحيطة به، فبعكس انتقال 1999 الذي كان شأنا داخليا بامتياز أُدير بتوافق سياسي محلي، يشهد السياق الحالي رغبة عارمة من أطراف أخرى في لعب دور حيوي في هندسة الحكم القادم، حيث تتعدد هذه الأطراف بين مراكز نفوذ محلية اقتصادية وسياسية تسعى لحماية مصالحها، وأطراف خارجية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وبعض العواصم العربية المؤثرة، التي تنظر إلى بلادنا كحجر زاوية في استقرار شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والأطلسي. إن هذا التدافع يفرض على المؤسسة الملكية صياغة صفقة جديدة تحصن الجبهة الداخلية، وتمنع أية اختراقات أو إملاءات خارجية قد تؤثر على السيادة الاستراتيجية للدولة، وهو ما يتطلب اختيار فريق عمل صارم وقوي يرافق الملك الجديد في بداياته.
4. البيئة الجيوسياسية المتقلبة: من الصحراء إلى الساحل الإفريقي
لا يمكن صياغة أي توافق سياسي داخلي دون استحضار الظروف الأمنية والإقليمية والجيوسياسية الضاغطة التي تحيط ببلادنا، والتي تحولت إلى محدد رئيسي للسياسات العمومية وتوجهات الدولة:
4.1. ملف الصحراء المغربية وخطر التصعيد الجزائري
يشهد ملف الصحراء المغربية تطورات متسارعة، حيث حقق مقترح “الحكم الذاتي” زخما دوليا متزايدا واعترافات متتالية من قوى عظمى بدعم واشنطن ومدريد وباريس وغيرها. وأمام هذا النجاح الدبلوماسي الذي حاصر جبهة البوليساريو الانفصالية وداعميها، اتجهت الجزائر عبر صنيعتها إلى تبني استراتيجية التصعيد العسكري اليائس، حيث تجلى هذا التصعيد الخطير في سلسلة الهجمات والمقذوفات التي استهدفت محيط مدينة السمارة، العاصمة الروحية للصحراء المغربية، والتي طالت مناطق مدنية.
لقد شكلت اعتداءات السمارة نقطة تحول مفصلية، وُصفت بـ “الانتحار السياسي” للبوليساريو، حيث أسقطت ورقة التوت عن وجهها الإرهابي أمام المنتظم الدولي. بدلا من تحقيق مكاسب ميدانية، أدت هذه الهجمات إلى تنديد دولي وعربي واسع من قبل الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، وغيرها، مما عزز صورة بلادنا كشريك أساسي للاستقرار الإقليمي، وزاد من الضغط السياسي والدبلوماسي على الجزائر التي تستضيف هذه الميليشيات المسلحة على أراضيها منذ عقود. بل وارتفعت الدعوات في الأوساط الغربية لتصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي. ومع ذلك، يبقى خطر هذا التصعيد قائما، حيث يهدد إمكانية التنزيل السلمي والآمن لورش الحكم الذاتي والجهوية الموسعة، ويفرض على بلادنا إبقاء جاهزيته العسكرية في أعلى مستوياتها.
4.2. اضطرابات الساحل والصحراء والمبادرة الأطلسية
تمتد التحديات الجيوسياسية إلى منطقة الساحل وجنوب الصحراء، التي تشهد تقلبات دراماتيكية، وانقلابات عسكرية متتالية، واستلام الحكم من قبل نخب جديدة، وانسحابا للقوات الفرنسية والغربية، تاركة فراغا أمنيا خطيرا تتنافس روسيا والصين على ملئه، إلى جانب الحضور القوي للحركات المسلحة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. في هذا المشهد شديد التعقيد، تبرز السينغال كحليف استراتيجي وتاريخي للمغرب لا تقبل علاقاته المراجعة أو القطع، بينما تتعقد العلاقات مع دول أخرى.
لمواجهة هذا الواقع، ولتفادي محاولات الجزائر تشكيل تكتلات إقليمية تعزل بلادنا، أطلق الملك محمد السادس المبادرة الاستراتيجية الأطلسية الرامية لتمكين دول الساحل الحبيسة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية وشبكات الطرق والبنى التحتية للمغرب. تمثل هذه المبادرة ضربة استباقية تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وتؤسس لتكتل إقليمي بديل يضم ملايين النسمات، مستفيدة من مشاريع عملاقة مثل أنبوب الغاز النيجيري المغربي الذي يمتد عبر الساحل الغربي لإفريقيا وصولا إلى أوروبا. بيد أن هذه المبادرة تصطدم بتحديات لوجستية ومالية، ناهيك عن الموقف الموريتاني المحايد والمتوجس، وعدم الاستقرار الأمني للشركاء الأفارقة، مما يضع عبئا دبلوماسيا هائلا على القيادة المغربية القادمة لضمان نجاح هذا الانتقال القاري العسكري والاقتصادي.
4.3. توجس الخصوم وتنسيق الأعداء
هذا الصعود المغربي كقوة إقليمية وقارية ضاربة، مؤثرة وموثوقة لدى العديد من الدول الغربية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي) والشرقية (روسيا والصين)، أثار حفيظة وتوجس العديد من الخصوم في إفريقيا وبعض الدول العربية والأوروبية التي ترى في الصعود المغربي تهديدا لمصالحها الاستراتيجية، توجس يُترجم إلى تنسيق خفي ومعلن، تقوده الجزائر، لعرقلة مشاريع بلادنا وإضعاف نفوذه. من هنا، تتضح معالم المهمة الملقاة على عاتق فريق الحكم المستقبلي؛ قيادة الدولة في بحر هائج من التحالفات المضادة، والحفاظ على التفوق الاستراتيجي المغربي والاستقرار والسلم الداخلي.
5. الثقة العالمية والموثوقية: دلالات الاجتماع السري للدول النووية بالدار البيضاء
لعل الدليل الأبرز على مكانة بلادنا كقوة استراتيجية موثوقة عالميا، هو التسريبات الدبلوماسية الأخيرة التي أكدها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، حول احتضان المملكة لاجتماع سري بالغ الأهمية للدول النووية الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (P5: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة) بمدينة الدار البيضاء.
وتفيد المعطيات بأن هذا الاجتماع الاستثنائي عُقد في الفترة الممتدة بين 15 و20 مايو 2026، بعيدا عن الأضواء والتغطيات الإعلامية، وشارك فيه خبراء نوويون ودبلوماسيون رفيعو المستوى من الدول الخمس. ورغم حالة الاستقطاب الحادة والتوترات العسكرية والسياسية القصوى بين هذه الدول (خاصة بسبب الحرب في أوكرانيا والتوترات مع الصين)، التقى خبراؤها في المغرب لمناقشة أجندة معقدة شملت مخاطر التصعيد النووي في أوكرانيا، والأزمة النووية الإيرانية والحرب الدائرة عام 2026، واستحقاقات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، والاستقرار الاستراتيجي. إن هذه الموثوقية العالمية تجعل من السهل على المغرب نسج تحالفات صلبة، لكنها تضع على كاهل القيادة القادمة مسؤولية الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، وعدم التورط في المحاور المتصادمة.
6. تراجع الأحزاب السياسية والحاجة لصفقة مع “النخب الجديدة”
في ضوء هذه التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، والتحولات الداخلية العميقة، يبرز تساؤل جوهري حول هوية الشركاء في “الصفقة السياسية الجديدة” التي ستؤطر العهد القادم. لقد اعتمد الحسن الثاني في 1998 على الأحزاب الوطنية التاريخية ذات العمق الشعبي؛ أما اليوم، فإن الواقع السوسيولوجي والسياسي قد تغير جذريا:
6.1. العجز التنظيمي والقيادي للأحزاب
تعيش الأحزاب السياسية ببلادنا، جلها، سواء منها المشكلة للأغلبية الحكومية أو المعارضة، حالة من الضعف والاضطراب البنيوي، تتجلى في عجزها التنظيمي والقيادي والسياسي، وضعف ارتباطاتها الاجتماعية بالطبقات الشعبية. لقد أظهرت الاحتجاجات الشعبية والتوترات المتوالية، آخرها احتجاجات “جيل زد”، وارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية وأزمة التعليم وقطاع الصحة والشغل والسكن، أن الأحزاب فقدت قدرتها على الوساطة المجتمعية وتأطير المواطنين. لم تعد جل هذه الكيانات التنظيمية قادرة على استيعاب الأفواج الجديدة من الشباب، وبدت عاجزة عن إنتاج نخب قادرة على بلورة تصورات استراتيجية تتلاءم مع حجم التحديات التي تواجه الدولة.
6.2. صعود الأجهزة الاستخباراتية و”التكنوسياسيين”
أمام هذا التسييس غير المكتمل وضعف أداء محترفي السياسة، توجهت المؤسسة الملكية نحو الاعتماد المتزايد على “التكنوقراط” والكفاءات التقنية لتسيير المؤسسات الكبرى وتولي المناصب القيادية العليا، حيث تحول هؤلاء إلى ما يمكن تسميته بـ “التكنوسياسيين”؛ شخصيات ذات خلفية مهنية واقتصادية صارمة وفهم سياسي وجيوسياسي تُكلف بإدارة قطاعات حيوية بناءً على شرعية “النجاعة والإنجاز” بدلا من “الشرعية الانتخابية” البحتة.
بموازاة ذلك، تعاظم نفوذ الأجهزة القوية المؤثرة، وتحديدا الأمنية والاستخباراتية، أجهزة تحولت إلى ركائز أساسية في صناعة الاستقرار والقرار الداخلي والخارجي. لقد أسست هذه الأجهزة استراتيجية أمنية مندمجة تجمع بين الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والفعالية الاستباقية، ونجحت في كسب ثقة الشركاء الدوليين (مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا) من خلال توفير معلومات حساسة لتفكيك خلايا وعمليات كانت تستهدف بعض الدول. هذا الدور المتقدم جعل من المؤسسة الأمنية رقما صعبا وشريكا حيويا في أي توافق مستقبلي. لذلك، فإن التوافق والصفقة السياسية الجديدة للانتقال الآمن للحكم لن تكون بين القصر والأحزاب الضعيفة، بل ستعقد أساسا بين القصر والنخب الوطنية الجديدة من “التكنوسياسيين” بالتعاون الوثيق مع الشخصيات النافذة من داخل دائرة القصر والأجهزة الاستخباراتية والعسكرية.
7. جدول أعمال الصفقة المستقبلية: المشاريع المهيكلة والدولة الاجتماعية
يرتكز العقد السياسي الجديد الذي سيؤطر عهد “الحسن الثالث” على جدول أعمال واضح واستراتيجي، يستهدف نقل بلادنا من دولة نامية إلى دولة صاعدة ومؤثرة ذات بنية تحتية واجتماعية صلبة:
7.1. إرساء أسس الدولة الاجتماعية
يُعد ورش “الدولة الاجتماعية” المرتكز الأساس لتحصين الجبهة الداخلية وضمان ولاء المواطن وتماسكه في مرحلة الانتقال، حيث لم يعد هذا الورش مجرد شعار، بل تحول إلى سياسة عمومية ضخمة بميزانيات غير مسبوقة، أشرف على هندستها الملك محمد السادس شخصيا. ويستهدف هذا الورش تعميم التغطية الصحية الإجبارية لأكثر من 32 مليون مواطن، وإطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر الهشة، وهو ما يتطلب تعبئة ميزانية سنوية تقارب 51 مليار درهم بحلول 2026. إن نجاح هذا النظام التضامني واستدامته المالية يمثلان تحديا حقيقيا يتطلب تدبيرا صارما ومراقبة دقيقة من قبل النخب التكنوقراطية لضمان عدم تعرض الميزانية العامة للانهيار، وجعل الحماية الاجتماعية حصنا آمنا للمواطنين ضد الهزات الاقتصادية في إطار مشروع 2026-2034 بميزانية تقدر بـ 210 مليار درهما.
7.2. إنهاء الأزمة مع الجزائر: الطريقة الأمريكية الترامبية مقابل الدبلوماسية
يمثل التوتر المزمن مع الجزائر المعضلة الجيوسياسية الأكبر في جدول أعمال بلادنا وحلفائها الاستراتيجيين. وأمام التصعيد المستمر، بات مطروحا على النخبة القادمة حسم هذا الملف عبر نهجين استراتيجيين: إما الاستمرار في نهج الاحتواء الدبلوماسي الطويل الأمد، أو اللجوء إلى “الطريقة الأمريكية الترامبية”، حيث تُشير هذه الأخيرة إلى ممارسة أقصى درجات الضغط والردع، عبر توظيف التحالفات الاستراتيجية القوية لفرض أمر واقع جيوسياسي يجبر الخصم على التراجع والانكفاء دون الدخول في حرب شاملة. إن اختيار أي من المقاربتين سيعتمد بشكل كبير على طبيعة التحالفات التي سيبرمها المغرب في المستقبل القريب مع القوى الكبرى والإقليمية لتأمين مجاله الحيوي في الصحراء وإنهاء الاستنزاف.
7.3. البنية التحتية، الموانئ الكبرى، ومونديال 2030
تُشكل المشاريع الاقتصادية الكبرى المهيكلة الرافعة الأساسية للانتقال الاستراتيجي للدولة المغربية، حيث تعول الرباط في العقود القادمة على شبكة موانئه الضخمة لتعزيز سيادته اللوجستية والطاقية إقليميا وقاريا:
● ميناء الناظور غرب المتوسط: المرتقب دخوله الخدمة منتصف 2026 بدعم مالي أوروبي، والذي سيعزز التموقع اللوجستي والصناعي في حوض المتوسط.
● ميناء الداخلة الأطلسي: المقرر تشغيله بحلول 2029، والذي سيعمل كبوابة رئيسية لربط دول الساحل الإفريقي بالمحيط الأطلسي وتنزيل المبادرة الأطلسية الملكية على أرض الواقع.
● الاستعداد لمونديال 2030: يمثل تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال تحديا عمرانياً واقتصادياً ضخماً، حيث يستوجب هذا الحدث استكمال تمديد خطوط القطارات فائقة السرعة، وتحديث شبكات الطرق، وتطوير منظومات النقل الحضري والطيران، وتأهيل مدن المونديال لاستيعاب التدفقات السياحية والاستثمارية الهائلة. إن هذه المشاريع لا تهدف فقط للنهوض الاقتصادي، بل هي أدوات جيوسياسية تهدف للاندماج الاستراتيجي للمغرب في محيطه القاري والأوروبي، وجعله رقما لا يمكن تجاوزه في أية معادلة إقليمية.
8. حتمية ظهور قيادة استراتيجية وازنة مرافقة للملك الجديد
بناءً على هذا التحليل الشامل للسياقات المتقاطعة، يتضح أن الانتقال من عهد الملك محمد السادس إلى عهد الملك المستقبلي “الحسن الثالث” سيكون من أعقد وأهم التحولات في تاريخ بلادنا الحديث، حيث لم يعد الرهان مقتصرا على تأمين انتقال داخلي هادئ بين العرش والمعارضة كما حدث في 1998 عبر حكومة التناوب وتصفية تركة سنوات الرصاص؛ بل الرهان اليوم هو حماية تموقع جيوسياسي متقدم وحساس، وإدارة مشاريع اقتصادية وتنموية بمليارات الدولارات، ودرء أخطار عسكرية وانفصالية متربصة مدعومة من جيران ومنافسين إقليميين. وأمام ضعف جل الأحزاب وعجزها التنظيمي، وتعقد المهام المطروحة في جدول الأعمال (من تنزيل الجهوية الموسعة والحكم الذاتي، إلى إدارة الدولة الاجتماعية وموانئ الأطلسي والمتوسط)، تُصبح الدولة في أمس الحاجة إلى بلورة توافق سياسي جديد يعتمد على “التكنوسياسيين” ورجالات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية المؤثرة.
هذا المشهد المعقد يستوجب بالضرورة ظهور شخصية نافذة تتمتع بالقرب والخبرة الممتدة على مدى عقود، وتشكيل نواة صلبة ومصغرة من النخب الوطنية حول هذه الشخصية، إضافة لفريق الملك القادم، نخبة تتميز بالحنكة الدبلوماسية، والصرامة الإدارية، والقدرة الاستشرافية، لتكون قادرة على قيادة المرحلة القادمة جنبا إلى جنب مع الملك “الحسن الثالث”. هذه الشخصية والنخبة “التكنوسياسية” والفريق المولوي، ستقع على عاتقهم جميعا مسؤولية التعامل مع تعقيدات الداخل وتحديات الخارج، وإدارة الرهانات والمغامرات الجيوسياسية بحكمة وفعالية وتفان وخبرة، وهي من ستضع الدولة المغربية – مجتمعا ونظام حكم – في وضع جيوسياسي جديد، محصن ومستقر، يضمن ريادتها وتفوقها لفترة طويلة.
الدكتور علاء الدين بنهادي
دبلوماسي سابق
باحث في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية
اترك تعليقاً