أحزاب أم زوايا؟.. شيوخ ومريدون في الحياة السياسية المغربية
راكم المغرب تجارب حزبية كثيرة، وتعاقبت أجيال من التنظيمات والشعارات والقيادات، غير أن صورة الحزب السياسي فقدت بريقها تدريجيا في الوعي العام. لأن المواطن المغربي صار ينظر إلى عدد واسع من الأحزاب كتجمعات مغلقة تدور حول الأشخاص أكثر مما تدور حول الأفكار، وحول الولاءات أكثر مما تدور حول البرامج. لذلك اتسعت المسافة بين المجتمع والعمل الحزبي، وتراجع الإيمان بقدرة التنظيم السياسي على إنتاج نخب تمتلك الكفاءة والرؤية والاستقلال الفكري.
الحزب السياسي يفترض أن يصنع مناضلين قادرين على النقاش والتأطير والإقناع، وأن يدرب أعضاءه على التفكير النقدي وتحمل المسؤولية. غير أن الممارسة الحزبية في المغرب أخذت اتجاها مختلفا في كثير من الحالات. فبمجرد انخراط الفرد في التنظيم يبدأ تدريجيا في التخلي عن استقلاله الذهني لصالح منطق الطاعة. تتراجع الأسئلة، ويصير الانضباط قيمة أعلى من الاقتناع، وتتحول القيادة إلى مركز يحتكر التوجيه والتأويل وتحديد سقف الكلام.
هذه البنية لا تتشكل صدفة، لأنها تجد جذورها في ثقافة اجتماعية أوسع من الحزب نفسه. المجتمع المغربي عاش طويلا وسط علاقات تقوم على الاحترام العمودي للسلطة، سواء في العائلة أو المدرسة أو المجال الديني أو الإداري. لذلك يدخل كثير من الأفراد إلى الأحزاب وهم محملون سلفا بعقلية تميل إلى البحث عن “الزعيم” القادر على الحسم، لا عن المؤسسة التي تدير الاختلاف. ومن هنا يكتسب المسؤول الحزبي صورة تتجاوز دوره التنظيمي نحو نوع من الهيبة الرمزية التي تجعل معارضته أمرا مكلفا.
لهذا السبب تتشابه تنظيمات متناقضة في المرجعيات والشعارات. اليساري والمحافظ والقومي والليبرالي قد يختلفون في اللغة السياسية، غير أن الحياة الداخلية تكشف في أحيان كثيرة عن عقلية واحدة: قيادة ضيقة تحتكر القرار، وقواعد تنتظر التعليمات، وأصوات نقدية تغادر بصمت أو تدفع نحو الهامش. لذلك تفقد المؤتمرات معناها التداولي، وتتحول إلى مناسبات لإعادة توزيع المواقع وتأكيد موازين القوة.
هذه الأزمة أنتجت نوعا خاصا من النخب الحزبية. فالمتقدم في التنظيم ليس دائما الأكثر كفاءة أو ثقافة أو قدرة على الإقناع، وإنما الأكثر مهارة في بناء الولاءات وقراءة توازنات النفوذ. لذلك صعدت شخصيات كثيرة عبر شبكات العلاقات الشخصية، وعبر القرب من مراكز القرار، وعبر التحكم في دواليب التنظيم المحلية. أما أصحاب الرأي المستقل فغالبا ما يجدون أنفسهم أمام خيارين: الصمت أو المغادرة.
ومن نتائج هذه الثقافة أن الحزب فقد وظيفته التربوية. فالسياسة تحتاج إلى تكوين فكري مستمر، وإلى تدريب على النقاش العمومي، وإلى إنتاج تصورات مرتبطة بالاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة. غير أن عددا كبيرا من التنظيمات المغربية انشغل بالصراعات الداخلية والتحالفات الظرفية وتدبير المواقع الانتخابية. لذلك ضعف الاستثمار في التكوين الفكري، وتراجع حضور النقاش السياسي الجاد، واتسعت مساحة الخطاب المناسباتي الفارغ.
الأخطر من ذلك أن بعض الأحزاب صارت تتحرك بمنطق قريب من الزوايا التقليدية. الزعيم يحيط نفسه بدائرة ضيقة من المريدين السياسيين، وهؤلاء يعيدون إنتاج صورته وسط القواعد المحلية، ثم تتحول العلاقة التنظيمية إلى علاقة ولاء شخصي. لا أحد يناقش بعمق، ولا أحد يسائل الاختيارات الكبرى، لأن الثقافة السائدة تعتبر النقد تهديدا للوحدة. هكذا يصير التنظيم محكوما بالخوف من الاختلاف بدل الاستفادة منه.
هذا المناخ فتح الباب أيضا أمام أشكال مبتذلة من السلوك السياسي. فالصراع على المواقع لا تحركه دائما الرؤية أو الكفاءة، بل تتدخل فيه أحيانا الحسابات الشخصية والرغبات المرتبطة بالنفوذ والوجاهة والعلاقات الخاصة. لذلك فقدت السياسة جزءا من هيبتها الأخلاقية لدى فئات واسعة من المغاربة، خاصة مع تكرار مشاهد الانتهازية والتنقل بين الأحزاب والبحث المحموم عن الامتيازات.
الإنسان الذي يدخل العمل السياسي بدافع الخدمة العامة يتعرض مع الوقت لضغط هائل يدفعه نحو التكيف مع القواعد غير المعلنة للتنظيم. وإذا احتفظ بحسه النقدي يجد نفسه معزولا وسط جماعة تفضل الانسجام على النقاش. أما الذي يتقن فن الطاعة فيحصل على الحماية وفرص الصعود. ومن هنا تتكون حلقة مغلقة تعيد إنتاج النوع نفسه من القيادات والنخب.
هذه الأزمة تفسر جانباً من النفور الشعبي من السياسة الحزبية. فالمواطن المغربي لا يرى في كثير من الأحزاب مؤسسات تصنع الأفكار، وإنما فضاءات للصراع الشخصي وإعادة توزيع المصالح. لذلك تراجعت الثقة في الخطاب السياسي، وفقدت الشعارات بريقها، لأن التجربة اليومية كشفت فجوة واسعة بين الكلام والممارسة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة شاملة للحياة الحزبية في المغرب، لأن الساحة السياسية عرفت أيضا تجارب محترمة وشخصيات امتلكت قدرا عاليا من النزاهة والكفاءة والتضحية. غير أن هذه النماذج ظلت محدودة التأثير أمام بنية تنظيمية أوسع تستهلك الطاقات المستقلة بدل أن تمنحها شروط العمل والإبداع.
المشكلة الحقيقية أن الحزب المغربي لم ينجح بعد في التحول إلى فضاء ينتج المواطن الحر. فالتنظيم الذي يخاف من الرأي المختلف يعجز عن صناعة فكر سياسي متطور، والقيادة التي تبحث عن الأتباع لا تستطيع بناء مؤسسة قوية. لذلك بقيت قطاعات واسعة من الشباب بعيدة عن الأحزاب، لأنها تبحث عن معنى مختلف للمشاركة العامة، معنى يسمح لها بالكلام والمبادرة والنقد من دون خوف من العزل أو الإقصاء.
المغرب اليوم يحتاج إلى أحزاب تمتلك شجاعة المراجعة العميقة. أحزاب تعيد الاعتبار للفكر والكفاءة، وتفصل بين التنظيم والزعامة الشخصية، وتتعامل مع النقد باعتباره ضرورة صحية لا خطرا وجوديا. السياسة لا تحتاج إلى مريدين جدد، وإنما تحتاج إلى مواطنين أحرار يمتلكون القدرة على التفكير والمساءلة والمشاركة.
التحول الديمقراطي لا يتحقق عبر القوانين وحدها، لأن النصوص لا تصنع ثقافة سياسية ناضجة. الأمر يرتبط أساسا بطريقة اشتغال الأحزاب، وبطبيعة العلاقات التي تبنيها مع أعضائها ومع المجتمع. الحزب الذي يربي أفراده على الصمت ينتج مجتمعاً خائفاً من الكلام، والحزب الذي يقدس الزعيم يفتح الطريق أمام عقلية الوصاية، أما التنظيم الذي يمنح أعضاءه حق النقاش والاختلاف فإنه يساهم فعليا في بناء مواطن يمتلك الثقة في نفسه وفي صوته.
لهذا تبدو معركة تجديد الحياة السياسية في المغرب مرتبطة قبل أي شيء بتحرير العمل الحزبي من عقلية الشيخ والمريد. السياسة تحتاج إلى عقول حية، وإلى شخصيات تملك الجرأة على التفكير خارج التعليمات، وإلى تنظيمات تعتبر الكفاءة قيمة أعلى من الولاء. دون ذلك ستظل أحزاب كثيرة أقرب إلى زوايا حديثة ترتدي لغة السياسة وتعيد إنتاج منطق الطاعة نفسه بأسماء وشعارات جديدة.
اترك تعليقاً